1- مقدمة:
تُعدّ رواية “اللاروب” للكاتب والمفكر المغربي حسن أوريد واحدة من الأعمال الروائية التي جمعت بين دفتيها الأدب، والفلسفة، والتاريخ، والسوسيولوجيا، ليقدم للقارئ عالماً روائياً فريداً بمرجعيات متعددة. الرواية (الصادرة في 315 صفحة عن دار نوفل ببيروت بالتعاون مع دار فاضل للنشر) تسافر بنا في رحلة سريالية وفنتازيا غرائبية؛ فالزمن فيها زئبقي متشظٍّ، يغوص في تعقيدات الهوية المغربية قبيل الاستقلال.
في هذه المرحلة الحرجة، انتقلت الهوية من طابعها العفوي المرتبط بالأرض والدين، إلى طابع إيديولوجي سياسي منظم قادته الحركة الوطنية، والتي حملت مطالب عديدة بدءاً من الدفاع عن سيادة الدولة المغربية وصولاً إلى تقديم وثيقة المطالبة بالاستقلال في 11 يناير 1944. هذا السياق جعل الفترة التاريخية ساحة تتقاطع فيها حركة الزمن مع تشكل الذات، ليصير المكان مرآة تعكس الاضطراب الداخلي للشخصية الرئيسية “بنيس” وتُعيد تشكيل إدراكه لذاته.
2- زمن التشظي:
مما لا شك فيه أن الزمن في الرواية الحديثة لم يعد ينبني على التسلسل التعاقبي كما هو الحال في الرواية الكلاسيكية، بل انزاح عن السير الزمني العادي، ولم يعد الحدث خاضعاً لمنطق السببية الصارم. وقد اشتغل العديد من النقاد على مبحث الزمن منذ أفلاطون وأرسطو، مروراً بالشكلانيين الروس والبنيويين، ليؤكدوا في النهاية أن الزمن هو العمود الفقري الذي يستند إليه بناء الرواية وبها يستقيم.
في “اللاروب”، ينطلق السرد من صيف 1946 (أو خريف 1947)، حيث يدخل البطل الشاب والمخبر “محمد بنيس” كاباريه “سانترا” بالدار البيضاء؛ تلك العلبة السوداء الحاضنة لزمن متوقف يتغذى على الحنين. وعندما يخرج منه، يجد نفسه قد قُذف به قذفاً تاريخياً إلى عام 2018 وقد شاخ جسده: “يوم خرج من سانترا صيف 1946، إلى صيف 2018، أو من يونيو 2018، لصيف 1946…” (ص 262).
يحدث السارد هنا ثقباً في الزمن يمتزج فيه الماضي بالمستقبل، والحلم بالواقع. وطوال المتن الروائي، يظل عقرب الساعة مشيراً إلى “اللاروب” (إلا ربعاً)، وتعقبه مباشرة حكمة أو بيت شعري من يوميات بوعياد: “غريب، يوميات بوعياد مهووسة بالزمن..” (ص 90). ويواصل أوريد حديثه عن هذا الزمن العصي على القبض مستنتجاً في الصفحة 97: “هناك زمنان في سانترا: زمن ظاهر: اللاروب، إلا ربعاً. زمن مستتر: السادسة والنصف. الظاهر يحيل إلى عدم الاكتمال، والباطن إلى العجز والسكون والاضطراب”.
لم يكن بنيس وحده من يشكو تداخل الأزمنة، بل عمت العدوى “سانترا” بأكملها. يقول “الموتشو” ذات مرة: “تريدون أن تخرجوا من وضع تتداخل فيه الأزمنة؟ عليكم بالفكر، ولا فكر بدون حرية” (ص 106).
لقد ظل الزمن في الرواية “إلا ربعاً” (اللاروب)؛ ظل ناقصاً، غير مكتمل، ومبتوراً؛ كالسلع الرديئة، والوعود المنقوصة، والأحلام المؤجلة أو المسروقة. إنها سبعة عقود من الانتظار والتعطل التاريخي في مسار النهضة والحركات التنويرية، بسبب عوامل داخلية وخارجية سعت لإجهاضها. وهنا يحضر مفهوم “التأخر التاريخي” عند عبد الله العروي، وكيف يعيش الوعي العربي في زمن بينما يرزح الواقع في زمن آخر، مشيراً إلى التأخر البنيوي في الشروط التاريخية.
النوايا وحدها لا تكفي؛ فنحن “أمة اللاروب” ــ بتعبير دارج يدل على النقص. إن الزمن في الرواية زمن مأزوم، يعبر تداخله عن ركود تاريخي وإنجازات منقوصة، لأننا لم نكن كما ينبغي لنا أن نكون. وقد وظف حسن أوريد الدارجة المغربية بذكاء ليعبر عن آمال المجتمع وآلامه بلغته الحية، محولاً التوقيت الزمني إلى حكم قيمي واجتماعي؛ فالساعة المعطلة والردود المتهكمة من الشخصيات كانت كافية لتشريح الانكسارات.
3- تفكيك الردود اللغوية لـ “علالو”:
يتجلى تعطل الزمن بوضوح في الحوارات المتكررة بين “العلام” و”علالو” حين يسأله عن الساعة، لتأتي الإجابات محملة بالرمزية والدلالات المحبطة:
سأل العلام علالو عن الساعة، فرد علالو: “مضببة” (ص 112).
وفي (ص 121): سأل العلام علالو: “شحال الساعة أعلالو؟” أجاب: “مطنشة”.
وفي (ص 133): “شحال الساعة أخونا في الله؟” رد علالو بغير اكتراث: “دخل لها الماء”.
وفي (ص 167): سأل العلام علالو عن الساعة فرد: “حامضة”.
أما في (ص 206): سأل العلام: “شحال الساعة؟” فرد علالو في هدوء: “طاح ليها الموري”.
إن هذه الإجابات (مضببة، مطنشة، حامضة، طاح ليها الموري، دخل ليها الماء) تشكل نوعاً من الهروب من الواقع. ولم تعد الساعة هنا مجرد آلة لقياس الوقت، بل رمزاً لتعطل زمن الشخصيات وجودياً. ويمكن تصنيف ردود علالو إلى ثلاث خانات دلالية:
خانة السخرية السوداء (التهكم): في لفظي “مطنشة” و”حامضة”.
خانة التملص من الحاضر (الضبابية): في “مضببة” و”طاح لها الموري”.
خانة تفكك الآلة (الخراب البنيوي): عبر تدرج الأعطال (الرطوبة، دخول الماء، سقوط العقارب).
خاتمة:
في الختام، ليس عنوان رواية “اللاروب” مجرد توقيت عابر، بل هو حالة وجودية تعبر عن “الربع الناقص” فينا؛ في أحلامنا، وآمالنا، وطموحاتنا، ومشروعنا النهضوي المعطل. وعندما نعجز عن تحقيق ذواتنا، تغدو عقارب الساعة عاجزة عن الدوران، لتصبح مرآة صادقة تصور أعطابنا وزمننا المأزوم. ورغم هذا التعطل، تظل الأحلام منسابة متدفقة، تماماً كما كانت تنساب أغاني أم كلثوم، وفريد الأطرش، ومحمد عبد الوهاب، والحسين السلاوي، وناس الغيوان، ومحمد الإدريسي، وإديث بياف، والتي كانت تصدح بها أركان كاباريه “سانترا”.. أحلامٌ محملة باستعارات وكنايات تشبه قصائد السياب، وأمل دنقل، ومحمود درويش.
اكتشاف المزيد من azulpress.ma
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
التعليقات مغلقة.