جرأة التغيير : من البكاء إلى الرقص/قراءة تأملية في دواوين الشاعرة مينة الحدادي

بقلم : خديجة كريم

جرأة التغيير : من البكاء إلى الرقص
*قراءة تأملية في دواوين الشاعرة مينة الحدادي*

مقدمة :

بعض الدواوين الشعرية لا تكتمل إلا إذا نظرنا إليها بوصفها مشروعا متصلا، تتعاقب فيه المحطات وتتنامى فيه الرؤى، حتى يبدو كل ديوان خطوة جديدة في رحلة واحدة واعية ومقصودة.
ومن هذا المنطلق جاءت هذه القراءة التأملية في دواوين الشاعرة مينة الحدادي الأربعة:
“تأشيرة بكاء” ، “تلك الخطى ليست خطاي”، “قراصنة يسرقون الحلم”، “ترقصين كطائر فلامنكو”.
وهي قراءة تحاول تتبع ذلك الخيط الرفيع الذي يجمع الدواوين، ويكشف عن رحلة التحول الجوهري الذي شهدته ذات الشاعرة، رحلة تبدأ بالألم والوعي، وتمر بالاكتشاف، ومواجهة التحديات، لتنتهي بالتصالح مع الذات والرقص مع الحياة.
إنها رحلة تجسد جرأة التغيير، وتختصرها عبارة واحدة: ” من البكاء إلى الرقص”.

قراءة تأملية :

💡تأشيرة بكاء:
عنونت الشاعرة ديوانها الأول ب “تأشيرة بكاء”، مما يدفعنا الى التساؤل: هل كان ولابد من التأشيرة للبكاء؟ وما نوع هذا البكاء الذي يتطلب الجهر به أو الشروع فيه الحصول على تأشيرة؟

إن ربط البكاء بالتأشيرة بمثابة إعلان صريح للشاعرة منذ البداية، بأن القارئ مقبل على بكاء واع ومقصود، بكاء جاء نتيجة إدراكها أن ذاك الطريق الذي سلكته لم يكن طريقها، وهذه الحياة التي عاشتها حتى تلك اللحظة لم تكن حياتها التي تمنتها…
توقفت عند كل حدث، كل مناسبة، كل موقف فأدركت أنها لم تكن تعيش إلا وفق مايريده الاخرون ……

فقررت أن تبكي: إنه بكاء على مامضى ولن يعود ، بكاء على تضحيات لم تقدر، واعترافات لم تسمع، وتنازلات لم تثمر، بكاء على نفس قُبرت وأحلام أُجلت وطموحات قمعت، وثقة فقدت….

تقول الشاعرة في قصيدتها وطن وطفولة:ص 18،

هذي ….يدي..
تحمل تراب زمن مضى
وعادات زمن مضى
وتقاليد زمن مضى

إنها، هنا، تستحضر ثقل الماضي الذي تحمله، والذي لم يعد مجرد ذكرى عابرة، بل أصبح طبقات متراكمة من العادات والتقاليد التي التصقت بالذات حتى غدت جزءا منها، ووضعت هويتها على الهامش، وهذا يؤكده ماجاء في الصفحة 42 ، حيث تقول الشاعرة:
نطقوا اسمي رهينة
وبدأت أعيش
كما يريدون هم
لا كما أريد أنا

فجاءت كلمة “رهينة” هنا،لتصور مأساة الهوية، وكأن الذات نفسها لم تعد تملك حق تعريف نفسها، بل أصبح الآخر هو من يمنحها وجودها وحدوده.
وتستمر المعاناة، وتستمر الرغبة في إنقاذ الذات رغم كل المعيقات، إذ تعترف الشاعرة قائلة في الصفحة53:

أحتاج لأن أرقص على نغمات جرحي….
أحتفل بالغدر ….وآخذ الثأر
فأنا أحتاج لورد أقل
وبكاء أكثر
لنغسل به ملاءة أجسادنا
المعقدة بالأحجيات ….

لقد جمعت بين ضدين: الرقص والجرح، فالرقص عادة، تعبير عن الفرح، بينما الجرح عنوان للألم، غير أنها زاوجت بينهما لتصنع صورة شعرية جديدة؛ وكأنها لا تريد إلغاء الألم، بل تحويله إلى طاقة للحياة.
وأخيرا، تصل الشاعرة الى مرحلة اتخاذ القرار الذي سينقل الذات من موقع الدفاع والتبرير إلى موقع التقبل والتصالح، حيث تقول في الصفحة 68:
فقلت ليومي: هذا جرحي
وللأمس: عذرا يانفسي
وللغد سأقول : هذه أنا كما أنا

إنها تنهي القصيدة بجملة قصيرة لكنها حاسمة، جملة تعلن حضورها في أبسط صور الاعتراف: *”هذه أنا كما أنا”*.

لقد بكت الشاعرة كل هذا، بقلم مبدع جريء، قلم يبوح بما كان ويتمرد على الان، من أجل نفض الغبار ، من أجل الشفاء، من أجل الاستعداد لولادة جديدة.

💡تلك الخطى ليست خطاي
وفي رحلة الوعي هاته: رحلة التأمل والبحث عن الذات، تعلن الشاعرة تبرؤها من خطاها السابقة، ليأتي ديوانها الثاني “تلك الخطى ليست خطاي” اعترافا صريحا بأنها كانت تعيش وفق ما يريده الاخرون، وكانت تخطو وفق ما يحددونه، إما بطريقة مباشرة أو بسبب برمجة سابقة …
تقول في الصفحة.28
الطفلة داخلك تكبر
وأنت لاتدرين
تاركة خلفك بوصلة وعودك
بها كنت تتوجهين

في لحظة وعي، تدرك الشاعرة أنها كبرت بسرعة وهي في غفلة عن كل تلك التحولات بداخلها، مما جعلها تنتبه إلى أنها نسيت بوصلتها الداخلية خلفها، نسيت أمنياتها، وعودها لنفسها، أحلامها… وهذا الإدراك جعلها تقرر العودة إلى ذاتها من أجل البدء من جديد….

وتقول في الصفحة 29
في المدينة نفسها
وفي الزقاق نفسه
تقذف بك نفس الأمواج
حواسي تعرف فوضى داخلية
يتعثر اللسان في كل كبوة
تتعطل كل اللغات
فأغسل حلما جديدا
وأغسل الثياب
القديمة في كل الأنهار

وهاهي تعود الى الأمكنة نفسها، ( المدينة نفسها، الزقاق نفسه..) لكن بوعي جديد، ونظرة جديدة، وكأنها بذلك تريد أن تقول أن التغيير الذي تنشده لايستدعي التخلي عن كل شيء بل يكفي أن تغير ما بداخلها وتغير نظرتها هي لما حولها…

وهكذا قررت استعادة بوصلتها السابقة، حلم جديد بوعي جديد(معتقدات جديدة، وتخطيط جديد، وانضباط في التنفيذ…)، والتخلص من كل ما يمكنه أن يعيق تحقيقها لأحلامها (أغسل الثياب/ القديمة في كل الأنهار)، الحفل التنكري، الأقنعة المزيفة، سيطرة الاخر، الخداع، الأحذية غير اللائقة، إرضاء الاخر…
أدركت ماكانت تعيشه، وما أصبحت تحتاجه، فقررت تخليص حاضرها ومستقبلها من سيطرة الماضي لتشرع في ترك أثر يدل عليها، ويليق بذاتها الحقيقية.

💡قراصنة يسرقون الحلم
بعد أن أدركت الشاعرة ماكانت تريده قررت السعي لتحقيقه، وخلال هذا السعي صادفت عراقيل وتحديات أسهمت في إخراج ديوانها الثالث : *قراصنة يسرقون الحلم* انتقدت فيه هؤلاء المحبطين أعداء النجاح، الذين لايجيدون إلا الانتقاد ووضع العراقيل في طريق كل ساع نحو التغيير، مبرزة استعداها لمواجهتهم والتصدي لهم.
تقول في قصيدة “رصيدك انتهى”:20
سأغلف دفاتري المدرسية
بثقة الباحثين عن الخبز
في قفف الكادحين
سأقبرك
وأضع لك ثابوتا
في دفاتر الغائبين …
في حفل نيسان
سأغلق النوافذ التي لاتشبهني…..
سأنضم لك
قصيدة رثاء وأكتب على شاهدك
رصيدك انتهى.

مصرة على التفاؤل وعلى الأذن الصماء أمام المحبطين :تقول في الصفحة31.
عذرا
لا أرغب
لا أرغب في مواويلك
فخيوط الشمس
تحكي للسنابل قصائد النور
مع أصيل السنديان
عذرا …لا أرغب
في حكايا كان وكان
عذرا
أنا راحلة الان .

تواصل رحلة التحدي، المواجهة ، الإصرار على تحقيق الحلم تقول 44
أنحني لأزيل الشوك
من القدم اليسرى
والزجاج من القدم اليمنى
أزيل الشوك والزجاج
يختلط الدم بالقدمين
يسيل على نتوءات الحجر
بدون خارطة
قلبي المذبوح جهرا
أنا التي أكره السير
قلبي مذبوح شنقا
أنا التي أكره الظل
أمشي
أغالب الضجر
ويتأخر المطر

رجاء أيها المطر
خذ الشوك
والزجاج
والضجر
وخذ خريف القدر
ومعاول الغدر

ص.114
أرحل وفي يدي بعض من الصبار
.اغرسه بحديقتي
ويصير الصبار من سلالتي
وأهرب من قراصنة
حتى لايسرقون حلمي.

بهذه الذات الشجاعة المركزة على ذاتها وأحلامها والقادرة على مواجهة كل التحديات بنفس متفائلة وموقنة، تصم الآذان عندما لايناسبها مايقال، وتنهي الرصيد لمن لم يعد وجوده نافعا كما كان، وتتحمل الشوك والزجاج من أجل نسخة جديدة تؤمن بأهمية الأثر الجميل، استطاعت الشاعرة إخراج ديوانها الرابع *ترقصين كطائر فلامنكو* كإعلان صريح على التوجه الإيجابي الذي تنشده.

💡*ترقصين كطائر فلامنكو*

استهلت الشاعر عنوان ديوانها بفعل مضارع “ترقصين” الذي يدل على الآن، على اللحظة، وكأنها تعلن للقارئ أن الذات التي تعثرت وتألمت وأضاعت بوصلتها سابقا، يمكنها أن ترقص، وتصنع إيقاعها الخاص بها.

والرغبة في الرقص كانت حاجة عبرت عنها في ديوانها الأول “تأشيرة بكاء” الصفحة، 53 وقد أشرنا إليها في بداية حديثنا عن الديوان ، و هي رغبة مصحوبة بالثأر والبكاء الشديد، أما في ديوانها الأخير، فالرغبة امتزجت بالأمل والتفاؤل اعترافا بقدرتها على تجاوز الفوضى وصنع إيقاعها الخاص.

حيث تقول في الصفحة 54 في قصيدة “خيوط القمر” :
أخبرهم أيها القمر
أن الروايات والقصص
جميعها بلا نهايات
أريدها….زيادة

أخبرهم ألا وقت للدمع
لاوقت للسخافة
لاوقت للبلادة

أخبرهم أن الفرح عيد
والقلب لازال
متسعا للسعادة

أخبرهم ياقمر
أن الفجر قادم
والشجر في ظله إفادة

أخبرهم أن لقائي
بالفرح، ظهرا أو عصرا
صار عادة

لقد اتخذت الفرح عادة، (القلب لازال متسعا للسعادة) أصبحت نظرتها إيجابية مليئة بالتفاؤل ، الأمل ، الحياة (الفجر قادم، لا وقت للدمع، لا وقت للتأر…)، لقد قررت أن تركز على سعادتها، فخصصت للسعادة دفترا تتأبطه، فيه تدون بعين شاكرة وقلب ممتن، ما يبعث الأمل، وكأنها بذلك تجعل الرقص رمزا للفرح، للإيجابية ، للأمل لليقين وحسن الظن بالله تعالى.

ص.60
أتأبط دفتر السعادة
أدون فيه كل يوم
عن الروح…..عن الجسد
عن الأمل

إن الرقص لايعني أن الحياة خالية من المثباط بل يعني أن صاحبه مستعد للتأقلم مع كل الفصول حتى يزهر ويتألق في سماء التغيير بايجابية بعيدا عن الإحباط و التشاؤم…..
وهذا يحتاح إلى جرأة حقيقية لايكتسبها صاحبها إلا إذا طرق باب الوعي والإدراك.

إجمالا يمكن القول:
*تأشيرة بكاء* : لحظة وعي وإدراك صاحَبها ألم و ندم
*تلك الخطى ليست خطاي*: لحظة وعي بالذات الحقيقية وماتريد تحقيقه، والبرمجة السلبية التي كانت تتصرف وفقها (مايريده الاخرون، وليس ما تريده هي )

*قراصنة يسرقون الحلم* لحظة وعي بالمحبطين الذين يسعدون بإحباط العزيمة، وعدم التشجيع على مواصلة رحلة التغيير.

*ترقصين كطائر فلامنكو*: لحظة وعي بالذات في نسختها الجديدة، وبالقوى الكامنة بداخلها، وتلك القوة العجيبة التي تجعلها تركز على اليسر بدل العسر وتتخذ الرقص منهج حياة.

 


اكتشاف المزيد من azulpress.ma

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. الموافقة قرائة المزيد

اكتشاف المزيد من azulpress.ma

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة