موسم لآلة تاعلات : الوجه الآخر لمغرب القرن 21

  • لالة تاعلات /  اشتوكة من الحسين بويعقوبي/

في الوقت الذي حقق فيه المغرب خطوات هامة إلى الأمام، خاصة منذ بداية القرن الواحد والعشرين، مع ميناء المتوسطي الدولي بطنجة، واتساع مسافة الطرق السيار، ثم القطار الفائق السرعة، وملاعب كرة القدم بمعايير دولية، أعطت ملحمة قطر 2023، ثم الفوز بشرف تنظيم كأس العالم لكرة القدم 2030، مناصفة مع إسبانيا والبرتغال،.. لازال هذا البلد متشبتا بممارساته الثقافية التي تعود لقرون قبل اصطدام المغرب بالحضارةالغربية، رسميا منذ 1912. ومن ذلك تلك المواسم الشعبية، دينية وتجارية، تقاوم الزمن، وتجلب الآلاف من الزوار من كل مناطق المغرب.

ويعتبر موسم لالة تاعلات، إلى جانب موسم سيدي حماد أوموسى، بسوس، وهما معاصرين، من أكبر هذه المواسم.

إن كل من يزور موسم تاعلات (فبراير 2024)، وبقليل من الحس التاريخي، يمكن أن يستنتج أن مكانة موسم الولية في الفترة المعاصرة قد يكون أكبر بكثير من مكانة الولية في فترة عيشها. فأن يحتفي الآلاف من السوسيين وغيرهم، بسيدة “صالحة”، ويرفعوها لمقام “الولية”، خير دليل على ما كانت عليه المرأة في المجتمع السوسي.

أكثر من ذلك، فقد جعلوا موسمها موسما دينيا بامتياز، يحجه المئات من حفظة القران، يمثلون العشرات من المدارس العتيقة والزوايا، ولكل منها مقر خاص.

وطيلة أيام الموسم تتلى آيات بينات من الذكر الحكيم، قراءة جماعية وبالطريقة المغربية الأصيلة، كما تقرأ الأمداح النبوية، وتتنافس المدارس العتيقة في ذلك يمكن. لأي زائر أن يدخل لأي مقر ويأكل ويشرب بدون رقيب.

وعلى جنبات هذه المقرات تباع نصوص دينية يحيل أغلبها إلى المجهود الفكري والعلمي للسوسيين في المجال الفقهي الاسلامي، وبه أسسوا مدرسة متميزة تعرف “بالعمل السوسي”.

وككل المواسم الدينية يوجد البعد التجاري، الذي بدونه لا يمكن لممارسة أن تستقيم وتستمر في الزمن. في موسم تاعلات تحضر المنتجات التقليدية والمحلية، في جو شعبي قد لا يختلف كثيرا عما كان عليه الأمر منذ قرون.

وأنت تأكل طاجينا، معدا سلفا، أو تتكلف أنت باعداده، في خيمة معدة لذلك، يجلس فيها الجميع على الحصير والزرابي، أو فوق صناديق فارغة، بدون بروتوكول أو تمييز طبقي، تصل لمسامعك مختلف أنواع الموسيقى الشعبية المغربية، بالعربية والأمازيغية، كما تستمتع بصوت بائع أدوية صالحة لجميع الأمراض، من التبول السريع والمتكرر ليلا، وحريق البول، وبومزوي، وبرد الهوا، إلى البروستات، وضعف البصر، وظفر العين، والكلاوي، والتوكال، أو أوتشان، والبواسر، والكزيمة، وتافوري، والجلالة، والضبابة، وحمورية العين أوبياضها، أو ضعف السمع وكذا الركابي والام الظهر، والمعدة المجروحة والمصران وبرد النسا وحتى النفس الباردة أو مسمار الكيف..

كل ذاك بثمن بخس، وفي لغة وأسلوب، متقونين، بتاشلحيت والدارجة، يسعى من خلالهما التاجر لجلب وإقناع الزبناء بشراء المنتوج والدعاية له.

إن من يحضر ويتأمل هذه المواسم يفهم لماذا تتساهل الدولة مع بعض الأشخاص الذين يتحدثون باسم الدين، ويسعون لمحاربة هذه الممارسات بلغة خالية من آداب الحوار وأخلاق الجدال وأسلوب النصح باللتي هي أحسن، لأن تأثيرهم ربما لازال محدودا جدا، ولأن المغاربة لازالوا يعيشون تدينهم كما ورثوه عن أسلافهم، في تناغم مع جذورهم التاريخية وخصوصياتهم الثقافية.


اكتشاف المزيد من azulpress.ma

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. الموافقة قرائة المزيد

اكتشاف المزيد من azulpress.ma

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading