الصفحة الرئيسية

من ذاكرة “أمريك” الحلقة 12/30 : طريقة “ءارّاتن” وتدوين الأمازيغية..لمحة تاريخية حول تدوين الأمازيغية

(من خلال صورة أو وثيقة)

الذي لا ذاكرة له، لا تاريخ له”

 بول ريكور
من وجهة نظر تاريخية وأركيولوجية أثبتت أدلة قاطعة على وجود “كتابة أمازيغية” عريقة احتفظت بها النقوش الصخرية المبثوثة في مختلف مناطق “تامازغا” (من سيوة إلى جزر كاناريا ومن البحر الأبيض المتوسط إلى نهر السينيغال)؛ كما وجدت على شواهد القبور، وزُيِّنت بحروفها بعض الصناعات التقليدية والإنتاجات الفنية ووظفت في التعاليم الباطنية واحتفظت ضمن كثير من الزخارف والعلامات والرموز على كثير من حروف تيفيناغ.
إن الغريب في الأمر هو، من جهة، سكوت المؤرخين القدامى (مصريين فراعنة، وفينقيين، ويونانيين، ورومانيين، ووانداليين) عن ذكر الألفبائية الأمازيغية؛ ومن جهة أخرى، اختفاء استعمال “تيفيناغ” فيما بين منتصف القرن السادس الميلادي ومنتصف القرن الثامن الميلادي ليقتصر استعمالها في مجالات التعاليم الباطنية.
لكننا نجد إشارات تؤكد أن للأمازيغ ألفبائية خاصة بهم لكتابة الأمازيغية؛ ومنهم “فولجونتيوس” (Fulgentius) الإفريقي (الأمازيغي) الذي أكد (في القرن الخامس الميلادي) أن الألفبائية الأمازيغية تتكون من 23 حرفا؛ وابن الرقيق (في القرن السادس الميلادي)؛ والحسن الوزان المعروف بليون الإفريقي؛ ومارمول كارباخال (في القرن السادس عشر الميلادي)؛ إضافة إلى اكتشاف شفرة السلطان أحمد المنصور التي تتكون من ثمانية وعشرين حرفا، باستثناء ثلاثة منها عربية، كلها حروف تيفيناغ، وقد كان يتراسل بواستطها مع أبنائه.
في العصور الوسطى سنجد عند المستكشفين المشارقة (خاصة منهم المهتمون بالتاريخ والجغرافيا والرحلات والمعاجم) اهتماما بكيفية كتابة ونطق الأسماء والكلمات الأمازيغية مع الإشارة، أحيانا إلى دلالاتها (تجدر الإشارة، خاصة، إلى ذكر ياقوت الحموي، أبو عبيد البكري، ابن خلدون، ابن منظور، وغيرهم) لوعيهم بأن الألفبائية العربية تستوعب كتابة بعض الأصوات الأمازيغية مثل الحروف المفخمة والمكشكشة؛ فلجأ بعضهم إلى إضافة علامات خاصة للحروف العربية من أجل الحفاظ على القيمة الصواتية الأمازيغية للإسم أو للكلمة. يمكن العودة إلى المقال التالي حول مزيد من التفاصيل لما ذُكر أعلاه:
بعد ذلك، سنجد الكتابات الأمازيغية، التي تُنْعث ب “المازغي”، مهتمة بوضع قواعد لكتابة الأمازيغية بالحروف العربية، لكنها هي عبارة عن أنظمة فردية (تآليف ذات طابع ديني، تآليف أدبية، مخطوطات، الخ…). ستليها كتابات المستكشفين الغربيين (خاصة منهم المهتمون بالأدب واللسانيات والجغرافيا والطوبونيميا) الذين يضعون في مقدمة تآليفهم قواعد كتابة الأمازيغية بالحروف اللاتينية، وهي أيضا عبارة عن أنظمة فردية. وتأتي، في أواخر الستينيات من القرن العشرين (وبالضبط سنة 1968)، تجربة تدوين أشعار وأغاني شفوية، لشعراء ولمغنين، بالحرف العربي، وذلك بنقلها من طابعها الشفوي إلى المكتوب. بعد إصدار الفقيد أحمد أمزال، الإذاعي المشهور، آنذاك، ببرنامجه الأسبوعي حول الشعر والأغنية الأمازيغية، ديوان “أمانار”؛ ونال إعجاب الرعيل المهتمين بمشروع نقل الأمازيغية من طابعها الشفوي إلى المكتوب والحفاظ عليها من الانقراض (العودة إلى مقال للفقيد علي صدقي، في جريدة “صوت الجنوب”، حول هذه التجربة.
هذه التجربة، ستدفع ثلة من المهتمين بالأمازيغية، آنذاك، بالبحث عن قواعد وضوابط لسنية لكتابة الأمازيغية وتدوين مثنها وفق أنظمة لغوية عامة ومشتركة يستلزمها هاجس تحديث الأمازيغية وفق طرق اشتغال اللغة أكاديميا وعلميا قصد تيسير كتابتها وقراءتها, وكانت ثمرة ذلك ميلاد “طريقة ءارّاتن” وما تولد عنها من إنتاجات جماعية (ديوان ئموزّا؛ دوريات “ءارّاتن”، “ءامود”؛ ودواوين أخرى كثيرة، فيما بعد، مثل “ئيسكراف”و”تيميتار” و”ئزمولن”؛ ومعجم الأستاذ محمد شفيق الذي تبنى طريقة “ءارّاتن”؛ وهو من بين من ساهم في تحديد منهجية هذه الطريقة في كتابة الأمازيغية وتدوينها).
وقد كان لها مستقبلها وكانت لها آفاق، ستتم العودة إليها، من بينها نشر الحروف الثلاث: عربية، لاثينية وتيفيناغ في الدوريات، مع العمل على تنميطها شيئا فشيئا، لينعقد لقاء المعمورة الذي شارك فيه متخصصون في مختلف المجالات المعنية ومن مختلف المناطق المغربية؛ والذي تم تدارس إشكالية تنميط حرف كتابة الأمازيغية؛ لتليه مرحلة إقرار “تيفيناغ ئركام” حرفا لكتابة الأمازيغية بعد إحداث المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية.