على غير عادتي … المثقف العضوي!

 

عمر حلي رئيس جامعة ابن زهر
عمر حلي //
تكاد تصوراتنا حول المثقف العضوي تكون مجرد محفوظة، على المرء حفظها واستظهارها عند الحاجة.
أقول “تكاد” لأننا عايشنا جيلا بأكمله كنا نعتقد أن جله حامل لهذه التصورات، ومجند لها سلوكا ومآلا، فكرا ونضالا. ولكن قناعات العديد منهم لم تصمد أمام آلات الشحن والطحن الفكريين. فقد عرفنا خلال مراحل ما قبل حرب الخليج، وما بعدها، هجمات بعرث العديد من الأوراق، ولم تعد تجد أمامها سوى شح في الإبداع ومحو للذاكرة واكتفاء بالاجترار.
بدأت معالم وجه المثقف العضوي تغيب، وساد الإسفاف، فأخذ المجتمع ينفر منه شيئا فشيئا لأنه لم يعد يبادر، وساهم في ذلك كون النماذج التي كان يستدل بها على ما يقوله، إما أهلكها جشع الحياة أو جرفها السيل، كما تنجرف التربة، سيل الفكر المنكمش والتكوين الباهت وترديد البديهيات، والحروب الممنهجة التي أطلقت العنان للتشكيك في كل المثقفين، ورمتهم بسهام شتى يعرف الجميع مبناها ومعناها.
والمثقف العضوي كلما جرفته تربة ما ولم تكن له الحصانة الداخلية الكافية، فقد جذوره، ومعها إمكانيات التخصيب الإيجابي.
بموازاة ذلك، نشأ جيل جديد لم ينتبه إليه أحد، جيل يهيم في تجاربه وحده، يصقل ولا ينقل، يبادر ولا يعاشر، ويعتبر ولا يتنظر، ويقود ولا يعود.
– يصقل الفكرة من تجربته الخاصة، من معينه اليومي ومن أحلامه وآماله، ولا يغترف بالضرورة من منهل الأدبيات التي آمن بها سابقوه:
– يبادر لأنه يعتبر المبادرة جزءا من الفكرة، ولذلك سوف نلاحظ انه يقوم بالعديد من المبادرات الاجتماعية والإبداعية التي يخرج منطقها عن منطق العمل الجمعوي التقليدي، وينجحها. وهو ليس في حاجة إلى دمغة سابقيه وصكوك القادة. وفي أغلب الحالات لا يعاشر هؤلاء ولا يقاسمهم تجاربه لأن أغلبهم خذلوه.
– يعتبر، أي أنه يأخذ العبرة من تجربة ملموسة عاشها أو من انتظار يحمله، ولو كان هذا الانتظار يلقي به في قارب موت على ضفاف المتوسط، فإنه يمشي ويلقي بنفسه كاملا في التجربة مهما صعبت ومهما كان مخرجها عصيبا.
– ويقود تجاربه دون إذن مسبق ودون صياغة بيانات وتدبيج مواقف في صفحات إلى ساعات أولى من الصباح، بل يمضي، اي يتوكل والبقية تأتي، ولذلك فإنه لا يعود لأن الأرضية غير “مزممة”.
هذا في اعتقادي جزء مما يجب أن يفكر فيه المثقف العضوي الذي يلتزم بالناس وبقضاياهم، لا أن يكتفي بالتصفيق أو التلفيق. فالتصفيق يقوم به من لم يشارك، بل اكتفى بالتفرج. والتلفيق شبيه بدخان عابر لا يعمر طويلا.
ربما حان الوقت ليعيد المثقفون العضويون ربط أنفسهم بالشباب والإنسان، حيث العنفوان وحيث يمكن أن يجدي العمل البناء الذي يتطلب العطاء بسخاء.

اترك رد

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. الموافقة قرائة المزيد