أقلام حرة

   الأمة والوطن

بقلم محمد شنيب *

محمد شنيب

القصد من كتابة هذا الموضوع هو محاولة البحث في أصل والقصد من هاتين الكلمتين المرادفتين بالنسبة لمتحدثي اللغة العربية وبالذات في المفهوم السياسي.فالكثير من القوميون العرب يقصدون بالوطن والأمة معنى واحد.

وكثيرا ما يتم الخلط بينهما إلى أن وصل تعريف المنطقة الواقعة والممتدة  بين ما يسمى بالخليج “العربي” في جنوب غربي آسيا والمحيط الأطلسي شمال غرب أفريقيا “الوطن العربي”…!!!هذا مع الإختلاف في السياق التاريخي والذي مرت به البلدان المختلفة في هذه المنطقة الجغرافية الكبيرة سواء قبل مجيئ الإسلام وفترة الغزو العربي الإسلامي ومن بعده ما جاء من دول وإمارات مختلفة. وفي فترة الإستعمار الحديث والذي لا شك أنه أثر تأثيرا كبيرآ على كل بلد على حدة إختلف سلبا أو إيجابا على كل بلد من بلدان هذه المنطقة ومن بعد هذا ظهرت الأوطان مكتسبة تعريف حديث للوطن وإختفت الأمة بمفهومها الديني الإسلامي والقومجي العروبي.غير أن القومجيون العروبيون حاولوا بطلانا ترسيخ مفهوم الأمة.

وسبب تسميتهم لهذه التسمية أن اللغة السائدة في هذه المنطقة هي اللغة العربية وبالرغم من أن هناك إثنيات من السكان الأصليين واللذين لا يعترف بلغتهم الأصلية ولا حتى بوجودهم فهناك الأكراد  والتركمان في العراق وسوريا والأمازيغ  والطوارق في شمال أفريقيا ولكن التفكير القومي العرب هو الذي أنكر الحقوق الشرعية لهذه الإثنيات والمكونات الأصلية وعمل العروبيون على ترسيخ اللغة العربية كلغة واحدة في المنطقة المعروفة بالشرق الأوسط والشمال الأفريقي. فبالرغم من أن التحدث  باللغة العربية أو ما هو المفروض تسميته بأسم أكثر عصرية وواقعية  ب”العربفونية” في هذه المنطقة لا يعني بأي حال من الأحوال أن السكان الناطقين بالعربية هم من العرب،  فليس كل من يتحدث اللغة العربية يكون عربي فمثلا اللذين لغتهم اللغة الفرنسية من الشعوب الآسيوية والأفريقية وحتى الجزء الكندي من القارة الأمريكية هم ليسوا فرنسيين بل هم فرانكوفونيون، وكذللك اللذين لغتهم الإنغليزية من سكوتلانديين وولشيين وإرلنديين وإنغليز(بريطانيا) وسكّان إيرلندا الجنوبية وسكان أمريكا الشمالية في كندا والولايات المتحدة وأستراليا ونيوزيلاندا هم ليسوا إنغليز،ولكنهم أنغلوفونيون،ولا يعتبر متحدثي اللغة الألمانية في النمسا وجزء كبير من سويسرا وبعض الأجزاء من بعض دول أوروبا الشرقية ألمان .ولا شك هناك أكثر تشابه مع هذه المنطقة  الشرق أوسطية والشمال الأفريقي في إحدى مراحل التاريخ الإستعماري الذي مرت به ألا وهي أمريكا اللاتينية،فبالرغم من تعرضها للإستعمار الأسباني (ماعدا البرازيل )فكل دول أمريكا اللاتينية تتحدث الآن الأسبانية وتدين بالديانة الكاثوليكية ولكنها لا تدعي أنها أسبانية حيث فرضت اللغة الإسبانية والديانة الكاثولوكية  على السكان الأصليين أي الهنود الحمر.وتجدر الإشارة أن مجموع البشر اللذين لغتهم هي الإسبانية بلغ أكثر من 500 مليون نسمة ولا يسمون أنفسهم أسبان بل كل له هويته الوطنية التي ينتمي إليها.ولكن سكان منطقة شمال أفريقيا والشرق الأوسط  هم الوحيدين اللذين يصرون على الإنتماء للعروبة متناسين إنتمآتهم الوطنية وناكرين وجود الأعراق والإثنيات التي تشكل هويتهم الوطني الحقيقة والتاريخية.ولاشك أن هذا سببه هو سيطرة الفكر الأحادي القومي العربي على ثقافة وتفكير شمال أفريقيا والشرق الأوسط.

ولأسباب كلنا نعرفها ومنذ إنتشار  الدين الإسلامي و”نزول” القرآن باللغةالعربية والتي في حقيقة الأمر لم تكن إلا اللغة القرشية كما بين ذلك عميد الأدب العربي د. طه حسين في مؤلفه المشهور ” من تاريخ الأدب العربي”الكتاب الأول حيث يذكر في الصفحة 27 من الجزء الأول “تاريخ الأدب العربي” (نسي الناس أن هذه اللغة العربية الفصحى،إنما هي لغة حي من أحياء العرب،أو لغة إقليم من أقاليم البلاد العربية،هو الحجاز” وما يقصده د طه حسين بالبلاد العربية هو شبه الجزيرة العربية.ويستطرد في وصف تأثير اللغة العربية في تفكير المتكلمين باللغة العربية ما يتعلمه طلبة الأزهر قول الكفراوي”الحمد لله الذي جعل لغة العرب أفصح اللغات” وأن ما تنتجه “الأمم الأخرى قديمة كانت أم حديثة من الأداب إنما هي رطانة وعجمة لا تغني شيئا ولا تمثل جمالا” ص66 من نفس الكتاب.

ويستطرد في نفس الكتاب ص 96 يقول”إن العرب ينقسمون إلى قسمين:قحطانية منازلهم الأولى في اليمن،وعدنانية منازلهم الأولى في الحجاز.

وهم متفقون على أن القحطانية عرب منذ خلقهم الله،فطروا على العربية فهم العاربة وعلى أن العدنانية قد إكتسبوا العربية إكتسابا،كانوا يتكلمون لغة أخرى هي العبرانية أو الكلدانية،ثم تعلموا لغة العرب العاربة…………….وهم متفقون على أن هذه العدنانية المستعربة إنما يتصل نسبها بإسماعيل بن إبراهيم………،خلاصته أن أول من تكلم بالعربية ونسى لغة أبيه إسماعيل بن إبراهيم” ويستطرد عميد الأدب العربي ص97 “وهو أن هناك خلافا قويا بين لغة حمير(وهي العرب العاربة) ولغة عدنان( وهي العرب المستعربة).وقد روي عن إبن عمر بن العلاء أنه كان يقول:(فلا لسان حمير بلساننا ولا لغتهم بلغتنا)”ويستمر د طه حسين على ما جاء في كلام عمرو بن العلاء ليقول في نفس الصفحة من المصدر السابق “وإستطاع العلماء المحدثون أن يتبعوا هذا التمايز بالأدلة التي لا تقبل شكا ولا جدالا؟ الحق القدماء والمحدثين جميعا مضطربون إضطرابا شديدا في تحديد ما ينبغي أن يفهم من لفظ العرب وفي تحديد ما ينبغي أن يفهم من لفظ اللغة العربية”. ونجد في ص 100 من نفس المصدر السابق د طه حسين يصل إلى هذا الإستنتاج “أن اللغة الحميرية شيئ واللغة العربية الفصحى شيئ آخر وأن هذه اللغة الحميرية أقرب إلى اللغة الحبشية” ويستمر د طه حسين بوضع أمثلة على إختلاف اللغتين الحميرية والعربية واللغتين القحطانية والعدنانية في الصفحات 101- 103.

ويستطرد في الصفحة109 “هو أن القرآن الذي تلي بلغة واحدة ولهجة واحدةهي لغة قريش ولهجتها

أما في الصفحة 110 فيتناول موضوع أن القرآن نزل على سبعة لغات أو سبعة حروف كما جاء في حديث للنبي محمد وارد في الصحيح “أنزل القرآن على سبعة أحرف” والمقصود بالأحرف هي لغات ولهجات القبائل العربية المختلفة ويقول د طه حسين”وعلى هذا محيت من الأحرف السبعة ستة أحرف، ولم يبقى إلا حرف واحد هو هذا الذي نقرؤه في مصحف عثمان وهو حرف قريش” والذي يقصده عميد الأدب العربي أن لغة القرآن هي لغة قريش والتي تسمى اللغة العربية الفصحى.

وتجدر الإشارة هنا أن اللغة العربية هي لغة سامية مثلها مثل العبرانية والسريانية والكلدانية والآرامية في الوقت الذي نجد فيه أن اللغة الفرعونية والأمازيغية هما لغتان حاميتان..

ورجوعا إلى موضوعنا الأمة والوطن وإذا ما إعتبرنا هاتين الكلمتين أي الأمة والوطن كل على حدة لوجدنا أنهما كلمتان مختلفتان وتحملان معنى ينتمي لواقع تاريخي إجتماعي وحتى جغرافي تعبر فيه كل واحدة منهما عن معنى ذو دلالة تاريخية إجتماعية وجغرافية مختلف كل الإختلاف عن ما تعنيه الأخرى

أصل كلمة أُمَّة

إذا ما أخذنا هذه الكلمة القديمة والتي وبدون أي شك لا تنتمي لعصرنا الحالي نجد أنها ليس لها ترجمة في القواميس العصرية  بل وبكل بساطة سنجد ترجمة لكلمة الوطن و هي الموجودة في هذه القواميس العصرية.وذلك لما ذكرت في السابق أن كلمة الأمة لم ترد إلا في القرآن،أما الوطن فهو تعبير حديث ولم يكن له أن يعرف في الزمن القديم نتيجة لوجود إمبراطوريات كاليونانية والرومانية والفارسية والحبشية وغيرها والتي لم يتبلورفيها لا مفهوم الوطن ولا ما ستعنيه كلمة الوطن.

وفي حقيقة الأمر أن هذه الكلمة الأمة وردت في القرآن في عدة آيات مثل “إن إبراهيم كان أمة” و”كُنتُم خير أمة أخرجت للناس” وغيرها من الآيات الموجودة في السور القرآنية الأخرى أما المعنى لهذه الكلمة فلا يمكن تحديده إلا في إيطار ومعنى القبيلة ولا يمكن أن يكون في إيطار الوطن

و قبلية الإنتماء يغلب عليها طابع التنقل والترحال للحصول على موارد الحياة والتي كانت ضنينة جدا ومن تم إنعدم عند سكان شبه الجزيرة الإنتماء إلى الأرض أي الوطن.وكان كثيرآ ما تقوم بين هذه  القبائل البدوية الحروب والغزوات وبالذات في فترات الرعي وقد تدوم هذه الحروب والغزوات عدة سنين كما حدث في حرب البسوس وداحس والغبراء .

و في محاولة لإعلاء شأنهم مقارنة بالشعوب الأخرى وذلك كما حدث في في تكريم اليهود وتسميتهم شعب الله المختار في كتابهم الديني التورات، حاول النبي محمد من تغيير واقع سكان الجزيرة العربية من بدو رحل إلى سكان مستقرين أسوة بجيرانهم الشرقيين أي الفرس والشماليين روم الشام .ولكن  غلبة الطابع البدوي والقبلي في شبه جزيرة العرب كان له أثر كبير في تكوين دولة الإسلام الأولى في يثرب حيث أن دولة الإسلام في يثرب تكونت على أساس قبلي بدوي وأنبنت على أساس ما يسمى بالتبعية للنبي ومن بعده تبنيها لم  يسمى بالمبايعة والخلافة الراشدية والذي إستمر حتى تولى معاوية والأمويين الخلافة وتحويلها إلى خلافة  وراثية أو بالأحرى ملكية وراثية والتشبه بنظام الإمبراطورية الرومانية وفرض نفودها على البلدان التي إستعمرت  من طرفهم أو كما يقول المسلمون العروبيون “فتحت” منهم. وهنا تجدر الإشارة إلى أن الدولة الأموية هي التي بدأت إعطاء المفهوم العروبي لما يسمى بالإسلام السني ومجزأة يمكن إعتباره بداية توطيد العروبية.

ويمكننا القول أن مفهوم الأمة كما جاء في القرآن مصدره الأساسي والأصلي هو القبيلة وبطريقة مختلفة على ما كان معروفا عند مجيئ الإسلام.فالمسلمون الأوائل من أنصار  النبي محمد كانوا من قبائل  مختلفة ولم تكن روابط القرابة والدم أساس علاقتهم بعضهم ببعض وكان إنتمائهم إلى الإسلام هو الرابط الوحيد  بينهم  ولكن نتيجة لإنتمآتهم القبلية والعشائرية السابقة وعدم معرفتهم للأرض والوطن تحول عندهم الإنتماء ممثل الإنتماء إلى قبيلة أو جماعة إسلامية جديدة ….وبعد الهجرة إلى المدينة وتأسيس النظام الإسلامي الجديد في شبه جزيرة العرب تعمق مفهوم الأمة  هذا المفهوم الجديد بين المسلمين الجدد ومن تم فإن الأمة هي إمتداد للمفهوم القبلي والذي كان سائدا في تلك الآونة بين سكان شبه الجزيرة العربية وبذا فإن الأمة هي عبارة عن تعميق وتأكيد المفهوم القبلي وفي إطار ديني أي الإسلام……..

فأي أمة كان يقصدها القرآن وبأي معنى كان مفهومه لهذه الكلمة؟ فَلَو أخدنا الآية “إن إبراهيم كان أمة” هل المقصود أن أبراهيم شكل بدينه أو بذريته أمه؟ أم أن المقصود أن إبراهيم وأبنائه وَذُرِّيَّتِهِ كانوا قبيلة  فلو إعتبرنا أن دين إبراهيم شكل أمة فمن هنا يمكننا إعتبار كلمة أمة يقصد بها التابعين لدين إبراهيم أو كما تمت تسميتهم الحينيفين وإذا قصد بها ذرية إبراهيم فهل المقصود بها أبناء إسماعيل أو كما كانوا يسمون العرب العاربة أو العدنانيين وكما ذكرنا في السابق أن القبائل التي قطنت شمال الجزيرة العربية كانوا قبائل  متناثرة في شبه الجزيرة العربية لم تكن تشكل وحدة إجتماعية واحدة ليطلق عليها القرآن لا إسم أمة ولا إسم وطن.ومن المعروف أنه كان لإبراهيم ولد آخر بإسم إسحاق وأين موقع إسحاق من هذه الأمة؟ويتضح أن المقصود بها هو المفهوم الديني والإنتماء للإسلام…..!!!! وإذا ما إستطردنا في هذا السياق نجد أن الآية الرابعة في سورة إبراهيم تقول “وما أرسلنا برسول إلا بلسان قومه ليبين لهم فيضل الله من يشاء ويهدي من يشاء وهو العزيز الحكيم” وهذه الآية توضح شيآن في الوقت نفسه وهما:

أولا أن النبي محمد أرسل  بلسان قومه ومن هنا يفهم أنه أرسل لقومه ولم يأتي للأقوام الأخرى ومن ثم لم يكن مطلوبا أساسا أن الأقوام الأخرى أن تؤمن برسالة النبي محمد والإسلام..

ثانيا أن القوم هنا هم القبيلة أو الأمة التي تمثل أمة الإسلام والذي يثبت كما ذكرت سابق أن مفهوم الأمة هو عبارة عن مفهوم آخر للقبيلة أو القوم أي بمعنى آخر أن الأمة هي عرب الحجاز أو شبه الجزيرة العربية حيث أن العرب لم يكونوا متواجدين خارج الجزيرة العربية…

وبعد قيام الدولة العربية الإسلامية وبالذات بعد تولي عمر للخلافة وبدأت التطلعات للتوسع والإستيطان وبدءالحروب والغزوات التي فرضت الإسلام ولغته على الشعوب الأخرى وإنتشار  الإسلام بحدة السيف في آسيا وشمال أفريقيا،يكفي أن نذكر جرائم الإبادة التي قام بها الغازي العربي “عقبة بن نافع”في مصر وشمال أفريقيا، تبنى الحكام المسلمون كلمة الأمة الإسلامية إبتدأ من الدولة الأموية و حتى أيام الدولة العثمانية.في محاولة منهم لإظهار أن الأمة الإسلامية تضم تحتها كل الأجناس والأعراق الإثنية المختلفة والتي “إتخدت الإسلام دين لها”….

وتجدر الإشارة هنا أن عقبة بن نافع كقائد عسكري كان كل همه هو تحقيق الإنتصار للغزو العربي وكان معروفا عنه أنه كان بعد إنتصاره في غزواته وبعد تحرير معاهدة النصر مع سكان البلاد الأصلين كان يقوم بقطع أذن الموقع معه أو بقطع أصبعه وعند سؤاله عن هذا الإجراء كان يجيب حتى تتذكروا أن العرب قد هزموكم. فبالنسبة له له كان كل همه هو إنتصار غزوته العربية وليس كما يعلمنا التاريخ المزيف إنتصار الإسلام.

ومع نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين ظهرت هذه الكلمة “الأمة العربية “في قولب  قومي عروبي جديد وكان من الدعات إليه وبثه في  الشرق الأوسط أو ما يسمى المشرق العربي (فلسطين وبلاد الشام والعراق وشبه جزيرة العرب) كل من بريطانيا وفرنسا في محاولة لضرب الدولة العثمانية والتي بداؤا يسمونها آن ذاك بالإمبراطورية العجوز المريضه وبدأت هاتان الدولتان (بريطانيا وفرنسا) بكسب الشباب في منطقة الشرق الأوسط إلى معسكرهم ضد الدولة التركية البالية وإعطائهم الآمال الكاذبة بتحريرهم من حالة التخلف التي أوصلتهم إليه الدولة العثمانية وإعطائهم الإستقلال لتكوين أوطانهم الحديثة.ولا شك أن الدولة التركية التي إستعمرت الدول المشرقية والشمال أفريقية بإستثناء المغرب وما يسمى اليوم السعودية العربية كانت قد فرضت جهلا وقهرا على هذه الدول بلغ قمة التخلف وإنعدام التحضر،حيث بقت شعوب هذه الدول (وللأسف ما زالت حتى اليوم) في قاع السلم الحضاري للبشرية…

ومن هنا تكون الشعور عند الشباب في دول الشرق الأوسط بالإنتماء إلى ما سمي الأمة العربية والذي كان وبدون أي شك تعبير آخر جديد لما كان يسمى الأمة الإسلامية ومن تم بعد ذلك تطور إلى القومية العربية وخاصة وأن معظم الشباب المتحمس له كانوا من الشباب المثقف المسيحي في الشرق الأوسط والذي أضفى الحس القومي العربي.

الأمة مفهوم إسلامي  أحادي قديم لم ولا يعرف ولا يعترف بحكم الواقع الجغرافي والتاريخي  وكذلك لا يعترف بالتعددية السياسية والثقافية للإثنايت العرقية التي تواجدت تحت رايةالإسلام ولا شك في أنه لم يعترف بالتعددية الدينية وحق هذه الإثنيات في مزاولة دين غير الإسلام إلا بعد دفع الجزية لأن الإسلام يعتبرهم غير مواطنين متساوي الحقوق مع المسلمين بل تم حتى  تصنيفهم  كأهل “الذمة” .فعند نشوء الدولة أو الأمة الإسلامية لم يمكن تاريخيا الوصول إلى البعد التاريخي الحديث أي الوطن والمواطنة والمبني على الحداثة والمنادي بالتعددية فغير المسلمين لم يكن معترفا بهم كمواطنين  متكافئين مع المسلمين في الوطن الواحد (الوطن كما سأذكر لاحقا مفهوم جاء مع الثورة الفرنسية ومع الحداثة) بل كان الإعتراف بهم فقط كأهل ذمة، فإن هم دفعوا الجزية كان بإمكانهم العيش كسكان من الدرجة الثانية في أوطانهم الأصلية التي عاشوا فيها منذ القدم وإلا فلهم عقاب السيف.ومن هنا فإن مفهوم التعددية لم يكن موجودا ولا معترفا به.

ومن هنا يمكن القول والتأكيد  بأن كلمة الأمة لا تنتمي إلى عصرنا هذا الذي تجاوز حتى الحداثة وكثير من الأوطان دخلت إلى عصر ما بعد الحداثة.كذلك كما ذكر سابقا أن الأمة لا تعترف بالوطن والمواطنة والتعددية الإثنية والدينية والسياسية والحرية الفكرية والإختلاف في الرأي.

أصل كلمة وطن

الوطن كلمة ظهرت مع التطور الإقتصادي ومؤثراته عَل البنية الإجتماعية في المجتمعات الحضارية الحديثة وكان مدلول الوطن وما ترتب عليه من مفاهيم عصرية حديثة من حداثة وديمقراطية والإعتراف بالتعددية السياسية والعرقية والدينية والثقافية قد بداء مع الثورة الفرنسية.حيث قبل هذا التاريخ ليس فقط في آسيا وأفريقيا فحسب بل حتى في أوروبا لم يكن هذا المدلول معروفا لا سياسيا ولا إجتماعيا. ومع ظهور هذا المدلول ظهرت عدة تعريفات في أوروبا التي أدت إلى ظهور الوحدة الوطنية واللغات الوطنية وبدأت الديمقراطية تتشكل لتفرض نفسها على الدول والأوطان الأوربية الحديثة المنشاء.وإنفصلت اللغة الإيطالية واللغة الفرنسية واللغة الأسبانية واللغة البرتغالية عن اللغة اللاتينية والتي سادت أوروباوكانت هذه هي بدايات عصر النهضة الأوربية الحقيقي وظهور  منتجون في الآداب والعلوم  والفن والإختراع وبداية التحرك السياسي والذي أدى إلى ظهور الأحزاب والصراع الديمقراطي والتعددية الحزبية والإعتراف العملي والحقيقي بالتعددية الإثنية العرقية. هذا هو الذي أدى إلى ظهور الأوطان وما تمليه هذه الكلمة من معنى للمواطنة أي الأعتراف بحقوق  وواجبات كل المواطنين في داخل الوطن الواحد بغض النظر عن معتقداتهم الدينية والإثنية العرقية وإنتمآتهم السياسية ولا حتى إنتمائهم البيولوجي (ذكر وأنثى). وعلى سبيل المثال قد تم في عام 1905 عزل الدين نهائيا عن الدولة في فرنسا ولم يعد هناك من بد بأن يذكر دين للدولة في فرنسا وأصبح لكل مواطن الحق أن يؤمن بأي دين يراه مناسبا له أو حتى أن يكون غير مؤمن.

من هنا يظهر  وبكل وضوح الفارق الكبير بين هاتين الكلمتين المترادفتين وأنه في واقع الأمر أنهما كلمتين مختلفتين في المعنى. كلمة الأمة والتي إنتهى مفعولها مع تقادم الزمن وكلمة الوطن الحديثة والتي تستوجب مفهوم العلمانية والحداثة والإعتراف بالآخر وبالتعددية.

ولإحياء وخلق الوطن علينا أن نتحرر من هيمنة اللغة العربية كم تحرر الأوروبيون من هيمنة اللغة اللاتينية ومن تم خلق لغة الوطن فتكون لنا لغاتنا الوطنية المختلفة ومن الممكن الإستمرار في المحافظة على اللغة العربية كلغة قديمة يمكن الإستفادة بها في قرائة الأدب القديم والرجوع إلى المصادر التاريخية القديمة،كما هو الحال مع اللغة اللاتينية في أوروبا حيث أنها مازالت تدرس كلغة قديمة للإطلاع والتعرف على الأداب اللاتينية ووثائق الطب القديم وغيرها مما كتب باللاتينية

ولا أرى لماذا تقدس اللغة العربية  لغة قريش سوى أنها لغة القرآن فقط.ولهذا السبب فرضت على فراعنة وأقباط مصر كما أنها فرضت على أمازيغ ليبيا ودوّل الشمال الأفريقي وآشوري العراق.

علينا أن نهيئ أنفسنا للتجرد نهائيا من الفكر القومي العروبي والذي لم يجر إلا المصائب على كل منطقة الشرق الأوسط إلى الشمال الأفريقي ووقف كالصخرة العنيدة ضد كل المحاولات التي سعت إلى الإتجاه نحو السير إلى الأمام بل كانت تدفع المنطقة إلى الوراء وبسرعة الضو.هذا هو ما نشاهده هذه الأيام من ظهور الحركات المتطرفة من قاعدة وأنصار الشريعة ودواعش والتي تصر على الرجوع بالمنطقة عكس مسار التاريخ .اللغات الوطنية والتي تسمى خطأ باللهجات ممكن أن تتطور إلى لغات حديثة ومتجددة مستخدمة الحروف العربية…

وأرى أن شعوب منطقتنا إذا فعلا أرادت أن تتقدم وتنفظ غبار التخلف والعالق بها أن تهجر بالكامل مفهوم الأمة سواء كان ذلك الأمة الإسلامية أو الأمة العربية وتؤمن بالوطن كهوية والمربوطة بجغرافيا معينة وبتاريخ وماض عاشته في تجارب مختلفة عن بعضها البعض وتعترف بتعدد مكوناتها الثقافية المختلفة من إثنية ودينية وتعترف بالحرية الشخصية في أسمى معانيها الإنسانية حيث يصبح الإنسان حرا ومسؤولا في إختيار معتقداته مع إحترام الآخرين….في وطن حر طليق يعترف فيه بالإنسان وبكل ما عليه وله…علينا أن ننكر مفهوم وموقف سواء المنادي بالأمة الإسلامية (ولا أعني الدين الإسلامي حيث أن الدين إختيار شخصي يربط الإنسان بالخالق)ولا العروبية المنادي بالقومية العربية لأن كلاهما يرى في فسيفساء التعددية بمختلف أنواعها وبالذات العرقية الإثنية سيؤدي إلى ضرب الوحدة الإسلامية والوحدة العربية.ومن المعروف عن أسلوب القومية العربية وبالذات في القرن الماضي أنه إتخد أسلوب وسمة الإيستيعاب الإكراهي أو السيطرة الإكراهية  وتهميش وإنكار حقوق المكونات الثقافية المختلفة والمتواجدة في المنطقة حتى قبل مجيئ العرب والإسلام. هذا مافعله الفرنسيون في الجزائر عندما حاولوا فرض فرنسة الجزائر وما قام به البيض في جنوب أفريقيا أيام الأبرثايد قبل أن تنتصر الثورة الديمقراطية والسلمية والتي قادها الزعيم مانديلا والذي ثبت جدور الديمقراطية والمساواة والتسامح والإعتراف بالآخر وذلك بإدخال ترتيبات ناجحة في تقسيم السلطة بين السكان الأصلين والوافدين البيض.

ونحن هنا نتحدث عن الوطن والمواطنة وحق المواطن وحقوق الإنسان والإعتراف بالإختلاف والإعتراف بالآخر،هذه المفاهيم الحديثة العهد وبالذات على شعوب منطقتنا ولنا فيما حدث في الكثير من دول العالم العلمانية في آسيا وأوروبا وكما ذكرت في جمهورية جنوب أفريقيا المثال الحي .ففي الهند يتواجد العديد من الأديان والإثنيات المختلفة وفي ماليزيا يتواجد الماليزي مع الصيني ومع الهندي وكل له إثنيته ودينه في وطن واحد يتفقون على أنه وطن الجميع. وحتى في بلجيكا يتعايش الفرنسي بثقافته ولغته وتراثه الفرنسي مع الفلامش والذين لهم لغتهم الفلامشية وثقافتهم وإثنيتهم الفلامشية في وطن واحد يسمى بلجيكا وفي سويسرا الموجود بها الإثنية الإيطالية والفرنسية والألمانية.

علينا أن لا نخاف على الإسلام لإن الإسلام دين يربط العلاقة بين الفرد المؤمن والخالق والإسلام لا يجب أن يتدخل في قضايا السياسة والدولة وخير مثال لنا هو ماحدث في تركيا بعد أن أصبحت دولة ذات دستور علماني منذ عشرينات القرن الماضي وما زال غالبية سكانها مسلمون. ولا علينا الخوف من إظهار وإبراز أوطاننا كل على حدة وتطوير اللغات الوطنية والحفاظ على لغات المكونات التي كونت ثقافتنا عبر التاريخ وأن نجعل العلاقة بين المنطقة علاقة تبادل مصالح وشراكة عصرية لا تستند على  أي إنتماء عرقي إثني ..

*ميلانو إيطاليا أبريل 2017

Show More

مقالات مرتبطة

Close