الكتابة النسائية بين التشكيك و الإضمار

مينة الحدادي

 

الواقع أن العديد من التصورات النقدية و المحاولات الإبداعية التي حاولت الاشتغال على الأدب النسائي و النبش في هذا المصطلح ، رفضته لأنه يجزئ و يقسم فعل الإبداع ، غير أننا نؤمن أن هذا اللون من الكتابة له خصوصية جعلت منه ظاهرة و علامة في المجال الإبداعي ، فالنساء مقارنة مع الرجال دخلن متأخرات عالم الكتابة _و هنا يمكن للدارس و المهتم أن يبحث عن الأسباب الكامنة وراء ذلك _و إلى عهد قريب ، لم يكن ما تكتبه النساء يؤخذ بعين الاعتبار ، أو ربما لأن التاريخ لم ينقل لنا سوى تاريخ الرجال ، ليس في مجال اللغة و الأدب فحسب بل في كل المجالات ، ربما لم يكن أحد ليستمع إلى النساء و ينصت لندوبهن أو يذكرهن ، فمحيت آثارهن جميعها .

و مما لا يختلف فيه اثنان أن فعل الكتابة لا يخضع لمنطق جنس صاحبه أو عمره أو لونه أو جنسيته لأن هذا التقسيم غير مصيب ، لأننا به سنصبح أمام إبداعات متفرقة ، في حين أن ” الإبداع سلوك بشري لا يختص به جنس دون غيره ، و لأن الكتابة بصفة عامة فعل أنتروبولوجي نابع من مجموعة من التوابث التي يرتكز عليها الإنسان ” كما عبرت عن ذلك الكاتبة و الناقدة التونسية جليلة الطريطر .

لذلك ظلت الكتابة النسائية أو الإبداع النسائي عموما من الموضوعات الأكثر إشكالية من حيث التصنيف ، لأن هذا النوع من الكتابة ينتمي لمجموعة ثقافية نفسية مختلفة في شكل اجتماعي ،مما يعطي لكتابتها تمييزا يختلف عن التجربة الرجالية إن شئنا القول .
إن الكتابة النسائية تحتاج إلى رد الاعتبار و إعادة التأمل ،لما طالها من التهميش و الاقصاء و الظلم ،” فقد تسيد الذكر و أخذ مكانه على هرمية العلاقات و اضطلع بفعلي الكتابة و الإنتاج ، و توارت النساء خلف المؤسسة الذكورية المشغولة بإقصاء الأنثى ، بما يضمن غياب أسماء أنثوية داخل المشهد الثقافي العربي ” هذا ما ذكره الكاتب سعيد أوعبو في مقال له بعنوان ” الكتابة النسائية و الكتابة النسوية الأواصل و الفواصل .
فالقارئ أو المطلع على الجذور الأدبية الممتدة عبر التاريخ الأدبي سيجد تحجيبا و تحجيما و تعتيما على الخطاب الأنثوي في الأدب عموما ،حيث ظلت النصوص التي وصلتنا بسيطة و منها ما يحيل إلى الاستسلام و الانكسار و التوجع، حيث كانت كل النصوص التي وصلتنا و قرأناها في المدارس هي في غرض الرثاء ،فعندما نستحضر الخنساء مثلا ، فإننا نستحضر البكاء و التفجع ،هل هذا يعني أن شاعرتنا لم تكتب في موضوعات و أغراض أخرى غير الرثاء ؟… و حتى عندما نذكر ليلى الأخيلية نستحضر الانكسار و رثاء الحبيب ..
إن سمات و ملامح الكتابة النسائية ارتبطت بمشاعر الضعف لا القوة ،بمشاعر الهزيمة لا الشجاعة ،و كأنه ينبغي عليها ألا تعبر إلا في هذه الخانة و إلا لن يُسمع صوتها .. …هذا من جهة .و من جهة أخرى كان الأمر صعبا أن توقع المرأة عملها أو كتابتها باسمها و هذا ما صرحت به الإعلامية و الكاتبة المغربية ليلى أبو زيد في مقدمة كتابها “رجوع إلى الطفولة ” فقد كان مكروها على المرأة أن تكتب ،أن تعبر عن مواقفها تجاه الحياة ، كان صمتها يعني وقارها و حياؤها .
لا ننسى أيضا أن فدوى طوقان الشاعرة الفلسطينية اتهمت بأن أخاها إبراهيم طوقان هو كاتب نصوصها …و أذكر في هذا السياق الكاتبة الجزائرية المدهشة أحلام مستغانمي و ما تعرضت له عقب نجاحها الباهر عند صدور روايتها “ذاكرة جسد ”
فقد تم التشكيك في كون أحلام هي كاتبتها ، فتم نسبها إلى الشاعر العراقي سعدي يوسف ، فلغة الكاتبة الروائية بالفعل كانت استثناء ….فصدر بعدها” فوضى الحواس” و” عابر سرير “و ” الأسود يليق بك ” و غيرها من الإبداعات…..لتؤكد انها كاتبة بالأصالة و قالت في هذا السياق ” القضية كبرت فجأة و أخذت بعدا مذهلا و كأن البعض يستخسر في المرأة نجاحها …..
و مي زيادة و غيرها من اللواتي تعرضن لعدم التقدير أو الهجوم من المجتمع أو حتى النسيان .و تقول الروائية أحلام مستغانمي في إطار التشكيك : ” فجيعتي أخلاقية و ليست أدبية ، أنا أبحث عن أعداء شرفاء ، عن معارك فيها نبل ….لا أنتظر من هذه الأمة العربية التي أوصلت مي زيادة إلى الجنون و باحثة البادية إلى الانتحار و سعاد الصباح إلى السكوت ، و دفعت بمعظم الكاتبات العربيات إلى الهجرة ، لا أنتظر أن تنصفني ، الكاتب لا ينصفه إلا الموت ” .
إن خوف و تردد المرأة في الكتابة و التعبير جعلها تخرج باسماء مستعارة،ظلت مجموعة من الكاتبات يختفين وراءها على سبيل الذكر لا الحصر ،بنت الشاطئ، و رفيقة الطبيعة و باحثة البادية و هن على التوالي عائشة عبد الرحمان و زينب فهمي و ملك حفني ناصف … و في مقابل ذلك كنا نجد ألقابا كبيرة للرجال ، مثلا أمير الشعراء ، شاعر النيل ، شاعر المهجر ، شاعر النبوة ، شاعر الشباب ……

الأمر المتعلق بالتشكيك و التغييب و المحو لم يكن خاصا بمناخ الأدب العربي فقط ، بل كذلك بالمناخ الغربي و هنا نذكر من تحفظن في ذكر أسمائهن مثل الكاتبة التركية فاطمة علياء توبوز (1862/ 1936) التي كانت تقرأ و تكتب خفية عن زوجها و عائلتها قبل أن تتخذ لها اسما مستعارا تذيل به إبداعاتها وهو ” امرأة ” ، كما هو الحال لكاتبات أوروبيات غيرن أسماءهن منهن ” ماري آن إيفانس ” التي كانت توقع أعمالها باسم رجل وهو جورج إليوت ، و الروائية الفرنسية ” أمانتين أورولوسيل ” وقعت أعمالها باسم جورج صاند كي تقرأ أعمالهما و تؤخذ مأخذ الجدية بعيدا عما كان ينسب للكتابة النسائية من كونها مجرد قصص رومانسية .
لا ننسى أيضا أقدم مؤلفة في التاريخ البشري ” إنخيدوانا ” التي لا يُتحدث عنها أبدا .
أما مسرحية :” بريستيس ” Brutus لمؤلفتها كاترين برنار (1662/ 1712)و التي تعد أول كاتبة مسرحية ، لتنسب بعدها مسرحيتها لرجل ، ناهيك عن كونها ألفت العديد من الروايات و الحكايات و نظمت القصائد .
لقد ” تم حجبهن بشكل متعمد و خلف كل قصة من قصصهن نكتشف عملا تخريبيا لتجريدهن من الشرعية ” ص، 124 من كتاب ” عظيمات منسيات، لماذا غيب التاريخ النساء” ، حيث استطاعت مؤلفته تيتيو لوكوك الوقوف عند بشاعة المحو و التغييب التاريخي لأسماء نساء حكمن و أبدعن و ابتكرن و كتبن الكثير و أنهن لم يلتزمن الصمت بحجة الانشغال مع الأطفال و الأعمال المنزلية و إعداد حساء البطاطس على حد قول الكاتبة في سطور الكتاب .
و المتأمل اليوم في الساحة الثقافية و الأدبية على وجه الخصوص سيرى أن الكاتبة استطاعت أن تكسر حواجز الخوف و التردد و الضعف و تحتل مساحات شاسعة في هذا المجال ، كما استطاعت أن تشكل إضافة نوعية للمشهد الأدبي و الإبداعي .
فالكاتبة استطاعت أن تنسل من بين مطرقة الاضطهاد و سندان الزجر و التغييب القسري لترتبط بالتطور الحاصل في نضال المرأة و ما تتبناه الحركات النسائية و التي بدأت مطالبها بتعليم المرأة، ثم سارت نحو تحقيق غايات منشودة ،و لم تكن كتابات المرأة في منآى عن المعترك النضالي ، حيث دشنت تغييرا في المشهد الإبداعي أواخر الخمسينات و الستينات من القرن الماضي فظهرت تجارب روائية لكاتبات عربيات ، جعلتنا نتفاءل بالإمكانات المعرفية و الفنية و الجمالية التي تزخر بها النصوص الإبداعية في مختلف الأجناس .
و رغم ما نراه اليوم في الساحة الأدبية من نجاحات ، فأعتقد أن الطريق لازالت وعرة و غير معبدة خاصة أمامنا نحن _ الكاتبات_ اللواتي يحملن القلم دون تراكم قرائي و معرفي ، فلابد من إعادة بناء الذات بالعمل الجاد و الدؤوب ، و استثمار تجارب الكاتبات اللواتي عشن تحديات كبيرة ، و حققن انتصارات عظيمة ، نحن اليوم نعيش في ظلها ، و حتى لا يقطع هذا الرحم مجددا ، لابد من تجويد الفعل الكتابي و عدم السعي وراء نجاح قد يكون منخورا من الداخل .

مداخلة بمناسبة توقيع كتاب ” أقلامهن ” مؤلف جماعي لعضوات نادي القراءة تادلسا و عضوات رابطة كاتبات المغرب بجهة سوس ماسة .

 

 

 

 

 

 

 

 


اكتشاف المزيد من azulpress.ma

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. الموافقة قرائة المزيد

اكتشاف المزيد من azulpress.ma

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading