أقلام حرة

وحي الستين: العقاد في كتابه”أنا” إحياء ذكرى الميلاد، أو عيد الميلاد — كما يسميه بعضهم

عادة ٌ جميلة لسبب واحد على الأقل، وهو أن الاحتفال بهذا اليوم فرصة سنوية لاجتماع الأهل والإخوان في مودة وصفاء وإيمان بالإقبال على الحياة، كأنهم يشعرون جميعا بأن دخول الحياة “مناسبة سعيدة” تستحق التذكر والاحتفال …ولكنني، فيما عدا ذلك، لا أفهم في الواقع معنى لهذا الاحتفال بيوم الميلاد أو بعيد الميلاد …هل هو احتفال بانقضاء ما مضى من العمر؟ … أو هو احتفال بالسنة القادمة التي لا نعلم كيف تكون؟ … وهل لا يكفينا الاحتفال برءوس السنوات إذا كان المقصود هو الاحتفال بالمستقبل المجهول؟… لم أتعود لزاما أن أحتفل بيوم ميلادي، ولم يعلم أحد مني أنا ببلوغي الستين في هذه السنة … ولكن أصحابي الذين يعرفون تاريخ ميلادي علموا بذلك، وتفضل بعضهم فكتب في الصحف مهنئًا ومحييًا لهذه المناسبة …

فلم أفرغ بعد ذلك من الأسئلة التي ساقتها إليَّ هذه المناسبة السعيدة … ولم أزل أتلقى هذه الأسئلة التي تدل — أو معظمهاـ على فكرة واحدة عند سائليها، وهي أن الستين “نقطة تحول” في تاريخ الإنسان يكون له من بعدها شأن غير شأنه قبل بلوغها … ولا أدري كيف؟ … إن الحياة ليست كالساعة أو الخريطة المرسومة بخطوط للتوقيت أو بخطوطً للعرض والطول، وليس كل خط من هذه الخطوط المعروضة فيها فاصلا ً حاسما بين عمرين ..والستون من ناحية أخرى رقم ثابت لا يتغير … وأين الرقم الثابت الذي لا يتغير من أطوار الحياة التي هي حركة متغيرة على الدوام في كل حي من الأحياء؟ … وأين الرقم الثابت الذي لا يتغير من أطوار الحياة في الأحياء المتعددين الذين يحسبون بالملايين؟ …

لقد سمعنا من زميلنا الأديب الظريف الشيخ عبد العزيز البشري — رحمه الله — نكتة قالها لعضو جليل من أعضاء المجمع اللغوي حين أُحيل على المعاش، فقال له متبسطا: »إنك لأصغر من بلغ الستين«! وكانت هذه النكتة تُروى على أنها مزاح تجوز فيه المفارقات، ولا تستلزم فيه الدقة في التعبير … ولكن الواقع أنها جد دقيق وليست بالمزاح المرسل على عواهنه؛ لأن الستين بالنسبة إلى إنسان قد تكون “أصغر” من الخمسين بالنسبة إلى آخر، وأكبر من السبعين بالنسبة إلى غيره! والمرجع في ذلك إلى العلم والتجربة المعهودة بين الناس، فإن علماء التاريخ الطبيعي يقررون نسبة بين سن النضج وعمر الحي من الآدميين وغير الآدميين:

بعضهم يقول إن عمر الحي ثمانية أضعاف السن التي يتم فيها نموه ونضجه، وبعضهم يقول إنه سبعة أضعافه أو ستة أضعافه … ولكنهم متفقون على وجود النسبة بين أسنان النمو وبين أعمار الأحياء. فلا غرابة على هذا أن يكون المبكر في النمو مبكرا في الشيخوخة، وأن يكون ابن الستين في هذا الإقليم أصغر من ابن الخمسين في ذلك الإقليم، على حسب اختلاف الجو والمناخ، وعلى حسب اختلاف أثرهما في تكوين الأجسام والأعضاء. كذلك تختلف القدرة والعجز في الشيخوخة، على حسب اختلاف الأعمال أو الأعباء التي ينهض بها الإنسان …

وقبل أن نقول مثلا إن الشيخوخة أعجزته عن عمله، ينبغي أن نعرف أولا ما هو هذا العمل الذي أعجزته عنه؟ … فالرجل الذي يجاهد بأعضائه وعضلاته غير الرجل الذي يجاهد بتفكيره وعزيمته، أو الرجل الذي يجاهد بحسه وشعوره …

بل تختلف المجاهدة بالتفكير والعزيمة على حسب الاختلاف في نوع التفكير ونوع العزيمة. فمصطفى كامل قد استطاع أن يثابر على القتال وأضلاعه مكسورة، وسعد زغلول قد عاش برصاصة في صدره وهو إلى جانب ذلك مصاب بالربو وبغيره من الأدواء إن الزعامة بنوعيها هذين، تتطلب هذه القوة الخارقة في تكوين البنية الجسدية … ولكن هل يحتاج إلى مثل هذه البنية رجل يقوم عمله الأكبر على الدراسة والبحث والاطلاع! … على هذا النحو من الاختلاف، يتغير الحكم على أبناء الستين أو أبناء أية سن من أسنان الحياة … ثم هو لا يتغير من سنة إلى سنة، كأنما تقع السنون في الحياة موقع الخطوط على الخرائط والساعات …ولكنه يتغير من فترة إلى فترة، يحسبها كل إنسان بما يتفق له من التجربة والاختبار…ومن هنا أعود فأقول:

إن “الستين” لم تكن في حياتي نقطة تحول بين عهدين أو بين عمرين … ولكنني إذا نظرت إلى الفترة التي تمت بها الستون والفترة التي تمت بها الخمسون مثلا، فهناك بعض الاختلاف بين الفترتين … وهو فيما يُخيَّل إليَّ ً اختلاف في التلوين أو في التمكين، وليس اختلافا في جوهر الموضوع ومادة القدرة والشعور. ومثال ذلك أنني قد زادت قدرتي على البحث والدراسة، ونقصت قدرتي على مواصلة الكتابة والقراءة، ولكنني عوضت هذا النقص بازدياد المرانة على الكتابة، وازدياد الخبرة بالتقاط أصعب الفوائد من أيسر القراءات …

زادت حماستي لما أعتقد من الآراء، ونقصت حدتي في المخاصمة عليها؛ لقلة المبالاة بإقناع من لا يذعن للرأي والدليل …لم تنقص رغبتي في طيبات الحياة، ولكنني اكتسبت صبرًا على ترك ما لا بد من تركه، وعلما بما يفيد من السعي في تحصيل المطالب وما لا يفيد …وارتفع عندي مقياس الجمال، فما كان يعجبني قبل عشر سنين لا يعجبني الآن، فلست أشتهي منه أكثر مما أطيق … كنت قبل عشرين سنة كما أنا الآن … قليل الرجاء في خير بني الإنسان، وكنت أقول قبل عشرين سنة:

بحسبي من أبناء آدم إن صفا **لي العيشُ يوما أن تكُف أذاها

ولكن فلسفة الشعور هنا قد تحولت إلى فلسفة العمل، ولا أطيل في شرح هذا الفارق بين الفلسفتين، ولكنني أبينه بمثل من الأمثلة العملية يغني عن الشروح والنظريات كنت أقول لمن معي في مسكني إذا نمت أو تفرغت للكتابة: لا توقظوني ولا تقاطعوني إذا دق التليفون أو جاءكم زائر … ما عدا هذا الاستثناء، وذاك الاستثناء، وذلك الاستثناء، أما اليوم فلا استثناء على الإطلاق. كنت أحب الحياة كعشيقة تخدعني بزينتها الصادقة وزينتها الكاذبة، فأصبحت أحبها كزوجة أعرف عيوبها وتعرف عيوبي، ولا أجهل ما تبديه من زينة وما تخفيه من قبح ودمامة … وتلك فيما أرى نماذج كافية لبيان الفوارق بين الفترتين … فترة الستين، وفترة الخمسين، أو ما قبلها من أرقام العقود! …

وفي الجملة يتبين لي من التجربة والاختبار أن المشتغلين بالأعمال الفكرية لا تهيض السن من قدرتهم كما تهيض من قدرة العاملين بالعضلات، وما يشبه العضلات … إن السن مكسب للعاملين بالقلم، أو هي إلى المكسب أقرب منها إلى الخسارة … ويسأل سائل: “وأين خرف الشيخوخة؟” فيجيب قبلي مجيبون كثيرون: “إن الذين حسبوا أن الخرف والشيخوخة حالتان متلازمتان، بقية من بقايا القرون الغابرة؛ لأن العلم الحديث يعلم أن خرف الشيخوخة مرض من أمراض البنية وليس بعرض من أعراض الأسنان والأعمار … فمن نجا من جراثيمه نجا من أعراضه كما ينجو من الأمراض، وكما ينجو من الجراثيم.

Show More

الحسن باكريم

مدير النشر صحافي مهني شهادة الماستر في التحرير الصحفي

مقالات مرتبطة

Close
%d مدونون معجبون بهذه: