أقلام حرة

كواليس الرحلة إلى هضبة التيبيت الصينية/ بقلم يوسف غريب

بمناسبة تكريم الفنان الفطوغرافي سعيد اوبرايم

شكرا الأخ سعيد اوبراييم على هذا التشريف…

صدقوني حضورنا الكريم إذا قلت لكم بأني عاجز عن تقديم شهادة شاملة للمسار الفني لهذه الفعالية التي اجتمعنا اليوم للاحتفال بها… لكني أستطيع أن أقول.. انطلاقا من المعاشرة والمرافقة المشمولة بالكثير من البوح الصادق… أستطيع أن أقول وبمعنى من المعاني أننا أمام دبلوماسية موازية يقودها سفير متجول بين أكثر من 38 صالون دولي بمختلف القارات الأمريكية.. الأوروبية والآسيوية منذ 2008 وبهذا الحضور النوعي كمثقف فوتغرافي جعل الصورة تتحول إلى شخصية قوية تفرض على المشاهد هبتها وبحمولة فكرية تحاول أن تقاوم… بل وأن تحارب كليشيهات المغرب المصور في البطائق البريدية والانتقال بها إلى الرسالة والتعبير بل والارتقاء بها إلى مصاف التوثيق كشاهدة على الحاضر للأجيال القادمة بنفس جمالي وبرؤية استشرافية تهدف إلى تصالح الإنسان مع ذاته ومحيطه من جهة… و تصالح الشعوب والأمم في ما بينها من جهة ثانية .
ولعل الغاية من إقامة معرض لرحلته إلى هضبة التيبيت الصينية يؤكد هذا المنحى بالأساس ويبرز دور الصورة وأهميتها في التقارب بين الشعوب… هو مشروع ثقافي يشتغل عليه الأستاذ سعيد اوبراييم يتغيأ من خلاله المزج بين جمالية الصورة وعلم التوثيق… وأدب الرحلة..
نعم… لا يختلف عن ابن بطوطة في توثيق رحلته الا في الأداة… هي آلة التصوير لكن الحفيد تجاوز جده في الذهاب بعيدا وإلى أعلى قمة لكي يشرب الشاي المغربي هناك وبالطريقة المغربية والبراد المغربي…. وشرب الشاي هناك فوق الهضبة..
حتى في الحلم لا يمكن أن نفكر يوما في السفر إلى التيبيت.. لأنك ذاهب بحلمك إلى سقف الدنيا كما سماها الأوائل / القلائل الذين عادوا من هناك.. ووثّقوا تجربتهم…
والغريب أن الذي فكر ودبّر ونفّذ هذه الرحلة لم يكن حلما بل رؤيا بشكل من الأشكال… ذاك أن رحالتنا وفي أحد أيام أبريل 2008 يتابع بالصدفة شريطا وثائقيا بثته إحدى القنوات الغربية عن عادات وتقاليد منطقة جبلية.. اعتقد من خلال الوجوه المعروضة أنها لساكنة اميلشيل ليصحح المعلق هذا الاعتقاد والذي أخطأت عيناه فيه الهدف… و اللقطة على غير العادة..
لم ينم تلك الليلة بقدر لم يغفر لنفسه حجم الخطأ… وهو فوتغرافي عالمي محترف.. بقدر ما تساءل عن هذا التقارب حد التشابه بين ساكنة اميلشيل شرقي المغرب وبين ساكنة هضبة التيبيت هناك في أعلى قمم العالم إلى درجة أن يخطئ من هو مشهود له بحرفيته في مجال التصوير ففي الأمر ما يدعوا إلى الحيرة والاستغراب… لكنها كانت إعلان ميلاد الرحلة إلى هناك… بدافع فضولي معرفي خالص يتغيّأ تصوير وجوه هناك بعين المكان ومقارنتها مع القرية المغربية…
لم تتحقت الخطوة الا بعد سنتين صيف 2010… كانوا عشرة في البداية… ومع اقتراب الموعد انطلق مسلسل الأعذار إلا هو… صاحب الرؤية الذي خطط لكل شئ.. الطريق والمسار.. التخطيط والإعداد المادي والنفسي… كان يسارع الوقت والزمن لتحقيق رغبته هذه السنة بالضبط.. والا عليه أن ينتظر أكثر سبع سنوات نظرا لتزامن العطلة مع رمضان..
… وسَافر.. بل وما زال مسافرا حتى بعد عودته من هناك.. وإلى الآن..
وهو يحكي لك بعض تفاصيل الرحلة التي عمّرت 45 يوم ( بزيادة خمسة أيام) يتولّد لديك انطباع بأنك أمام سفروجداني وتحول روحيّ يتداخل بين المرحلتين ما هو فيزيقي – فعلي وبين ما هو ذهنيّ وجدانيّ… يصبح فيه السفر يقود المسافر نفسه من مستوى الإدراك الحسّي للأشياء.. إلى مستوى إبداع تصور عميق للحياة؛ إذ يلاحظ المرء وهو يتابع الحكي أن الأستاذ سعيد اوبراييم ذهب إلى هناك من أجل أن يصوّر الحياة… فعاد بتصوّر عن الحياة ..
بدأ كل شئء هنا بالبيضاء التي وصلها رغما عنه متأخرا.. كل المحاولات تؤكد نهاية الرحلة.. إلى صبيحة الغد وبشكل مفاجئ يخبر الرحالة بتذكرة يفصله عنها نصف ساعة نحو المطار… كان وسافر وتغير كل شئء وتركت الرحلة لقدرها… وهي العلامة الأولى التي حولت الرحلة نحو آفاق أكثر رحابة وقدسية وإطلاقا. ألم يدعوا القرآن المبين نفسه إلى ذلك بقوله تعالى ( قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق)… وهو ما ذهب إليه الرحالة نفسه في كتابه حول مذكرات ( الشاي بالتيبيت) يقول ” صعب جدا أن أفسر سفري… فأنا لم أشاهد التيبيت بل أحسست بها.. لم أضبط الرحلة… هي من قادتني لذلك أعتبرها دعوة لاكتشاف التراث الروحي لهذه الهضبة الغامضة الساحرة الفاتنة… رحلة في عمقها جعلتني حين أبحث عبر المقارنة أوجه الاختلاف بين الثقافات إلا وفوجئت با جه التشابه “
هكذا تحولت الرحلة إلى السفر عن العيوب نحو تطهير النفوس والقلوب وتوسيع دائرة المعارف والمدارك بملاقاة وجوه لا يعرفها ويتآنس معها…أو هي لحظات الوحشة والرهبة والخوف في أحايين أخرى تماما كما عاشها الرحالة… إذ تعذر عليه الدخول إلى الهضبة لظروف غير طبيعية واختار وبالصدفة مدينة تكون قريبة… المدينة / الصدفة تحولت إلى كابوس حقيقي في حياة الرحلة.
بعد الوصول وفي قمة العياء لاحظ أن كل من استفسر عن أقرب فنذق يفرّ هاربا ويغير الاتجاه.. من كل الفئات الشباب الشيوخ وحتى النساء… ترجّل ودخل إلى فندق خمس نجوم وحتى قبل أن يلجأ البوابة تمّ دفعه إلى الخارج… لحظة جد في مسار الرحلة والسفر… أسئلة وتساؤلات تتزاحم في الرأس آخرها كما يقول حفيد ابن بطوطة نفسه ( لنفرض جدلا بأن أجلي قد قضي عنها… من في العائلة والأصدقاء يعرف بأني موجود في هذه النقطة من العالم)
قبل أن يجد فنذقا بسيطا في أحد الأحياء الشعبية أرسل رسالة إلكترونية إخبارية لأحد معارفه بألمانيا… ليستيقظ صباحا ويزداد هذا الهروب والنفور.. ويزداد ارتفاع منسوب اليأس والإحباط من الرحلة كلها… نازلا من منحذر طويل ولمسافات… يميل وجهه يمينا ( حين شاهدت بناية لمسجد ضخم اعتبرت الأمر وبدون تردد خلاص من الله)… تحوّل الرحالة إلى إمام ومقرئ ومفسر حسب الظروف ولمدة 13 يوم وقطع وعدا مع محافظ المسجد هناك بأن يلتقيا بمكة المكرمة لأداء مناسك الحج… وبالفعل وبعد سنتين التقيا بالدار المقدسة وسط ملايين من الحجاج…
هي علامات لسفر روحاني لا يجد مجال تحركه في واقع الأمر إلا داخل ذات المسافر وهو بهذا المعنى يكون رمزا للمزيد من التطهير تماما كما في نهر الغانج حيث الموت يخالط الحياة بنفس التلقائية والعفوية يقول أحد البوذيين وهو يخاطب الرحالة سعيد اوبراييم ( لا أحد في العالم يمكن أن يرشي نهر الغانج ولا أن يفسد روحه فإذا زعمتم أن ماءه ملوث فإنه في حد ذاته صاف )
ففي خضم هذه الحالات والمشاهد والتناقضات التي تبقى مستمرة في الغموض ودون أجوبة… منها تلك الجغرافيا التي لاتزار بل تعاش كالهند مثلا… إلى ساكنة بيناريس واللغز المستعصية عن الفهم… إلى الهضبة عبر أعلى قطار في العالم والسير لمدة يومين… و الاستيقاظ ذات صباح على إيقاع أحواش ( أجْماكْ) ولم يخطئ السمع هذه المرة…ولذة شرب الشاي بالطريقة المغربية بإحدى الشرفات… وصولا إلى ملاحظة ذلك البوذي الذي تابع اهتمام الرحالة بتصوير انعكاس ضوء القمر على بحيرة واسعة مشيرا بأصبعة إلى السماء.. هو الأصل أما هنا فهو انعكاس زائل
تسع سنوات من عمر الرحلة الآن وفي رصيدها أكثر من 13الف صورة تمّ استثمار جزء منها في شريط توثيقي عبر تيمة (الوجه أصل الحكاية)
الآن وبعد السفر إلى قرية اميلشيل دجنبر الماضي اكتشف انها تسمى عبر وثائق أجنبية ( بالتيبيت الصغيرة) سيتتم مشروعه الذي ذهب من أجله إلى الهضبة هناك بسقف العالم من أجل تصوير الحياة فعاد بتصور عن الحياة والوجود والإنسان
هو ليس شعور اللحظة…
بل شعور الأبد .

Show More

الحسن باكريم

مدير النشر صحافي مهني شهادة الماستر في التحرير الصحفي

مقالات مرتبطة

Close
%d مدونون معجبون بهذه: