أقلام حرة

02 – ثنائية قطبية و اختفاء سينما الوسط

محمد بكريم

لتحديد ملامح اتجاهات سينمائية داخل المتن الفيلمي المغربي تطرح أمامنا مجموعة من الإشكالات بعضها نظري صرف مثلا حول المقاييس الموجهة لكل ترتيب: هل هي درامية صرفة متعلقة بالمضمون و تركيبة السيناريو من حيث الزمن و المكان ( وبالتالي نتحدث عن النوع التاريخي أو البوليسي أو الرومانسي …) أم هي جمالية أساسا و تعتمد بنية الصورة و الإخراج. نتذكر مثلا التقسيم الذي يشير إليه اندري بزان (1) عند حديثه عن تطور اللغة السينمائية مشيرا إلى نوعين من الأفلام : أفلام الصورة و أفلام المونتاج. وأشير هنا إلى كون بزان كان ينتصر لأفلام الصورة لإيمانه بموضوعيتها ضدا على كل استطراد و من هنا إعجابه الكبير بل والوجودي بمدرسة الواقعية الجديدة (سنعود الى الموضوع مستقبلا)…

الإشكال الثاني المطروح ونحن نفكر في الاتجاهات الممكنة في السينما المغربية منهجي يتعلق بكيفية تحديد مكونات المتن الفلمي:هل  بشكل  عمودي أي باستقراء الافلام بشكل كمي حسب كل مخرج خاصة أولئك الدين راكموا رقما محترما ( نجد في مقدمتهم  مصطفى الدرقاوي ب 11 فيلم طويل , حسن بنجلون بعشرة أفلام …حكيم النوري 10 أفلام …هشام العسري 7 أفلام..) أم بشكل أفقي ونعتمد مثلا أفلام سنة محددة أو أفلام دورة معينة للمهرجان الوطني للفلم.

شخصيا أميل لهدا الطرح الأفقي لسببين. أولا من الناحية الكمية لم تراكم السينما المغربية متنا غنيا يسمح باستنتاجات على مستوى كل مخرج ( اقل من 400 فلم في حوالي 60 سنة من التواجد في حين نجد مصر مثلا لها أكثر من 3000 فلم) و ثانيا لغنى الإنتاج المعرفي الذي تسمح به هده المقاربة النوعية وللخلاصات التي يمكن استنتاجها على مستوى تطور الإنتاج من سنة لأخرى وعلى مستوى مايعكسه هدا الإنتاج من خلاصات فنية و جمالية . خاصة أنها منهجيا تشجع على تبني التحليل الملموس ينطلق من الأفلام ليعود اليها. وكم من مرة استغرب لبعض الدراسات والاجتهادات حول السينما المغربية و التي تطمح للتركيب

دون ان تشير ولو لاسم فلم واحد او لاسم مخرج معني بالملاحظات فيسود نوع من التعميم المجرد و هي إحدى آفات الخطاب حول السينما بالمغرب.

وإحدى العناصر المساعدة على مبدأ الانطلاق من الظاهرة للوصول الى الاستنتاج هي اعتماد معطيات الحصيلة السينمائية السنوية التي ينجزها المركز السينمائي المغربي و هي مادة دسمة جديرة بفتح شهية القراءة والتحليل. و في هدا الاتجاه فان معطيات الفقرة المتعلقة بأرقام الاستغلال (عدد المشاهدين و شباك التذاكر) للسنوات الأخيرة تسمح باستنتاج أساسي يفيد بتحول استراتجي في المشهد السينمائي المغربي يتجلى في بروز قطبية ثنائية بين توجهين سينمائيين : من جهة طغيان سينما الكوميديا الاجتماعية (لحنش + كورصا+ الحاجات+في بلاد العجائب…) على شباك التذاكر في مقابل سينما المؤلف بتنويعاتها المختلفة (ضربة في الرأس+ عرق الشتا…) مع اختفاء ما يمكن أن اسميه مؤقتا سينما الوسط التي شكلت لفترة مهمة قاطرة السينما المغربية (سينما حكيم النوري كنمودج).

 ففي سنة 2018 استطاعت ثلاثة افلام : لحنش لادريس لمريني 204000 مشاهد و فلم كورصة لعبد الله فركوس 77400 مشاهد و الحاجات لمحمد اشاور 30000 مشاهد ان يراكما ثلثي عدد المتفرججين الدين شاهدوا أفلاما مغربية  ( 560 ألف من مليون ونصف الدين ولجو القاعات السينمائية في 2018) وهدا تأكيد لأرقام 2017 حيث نجد في مقدمة شباك التداكر  لحنش ب 96000 مشاهد في بلاد العجائب  لجيهان البحار ب 94000 مشاهد و الحاجات ب 70000 مشاهد و فلم يد فاضمة لأحمد المعنوني ب 48000 مشاهد.

التحول الذي اشرنا إليه يتجلى في تغير المشهد السينمائي المغربي الذي حقق طفرته ودينمايته مع بداية التسعينات على أساس تنوع موضوعاتي و جمالي قوامه ثلاثة أضلع سينما المؤلف (مصطفى الدرقاوي قبل فلم الحاج المختار الصولدي , جيلالي فرحاتي…) من جهة وسينما كوميدية جماهيرية (سعيد الناصري…) من جهة و سينما الميلودراما الاجتماعية (النوري. بنجلون.محمد اسماعيل….) وهو التوجه الذي أسميناه مؤقتا (في غياب مفهوم بجيل) بسينما الوسط

لقد أصبح المشهد دو ثنائية قطبية بين الكوميديا التي تحتل شباك التذاكر وسينما المؤلف المتوجة في المهرجانات والمدعمة نقديا. وقد أنتجت هده القطبية  بعض الانزياحات والانتقالات: قدوم بعض السينمائيين من سينما الوسط الى الكوميديا (لمريني مع الحنش + بولان مع جزيرة ليلى) أو هجرة البعض الأخر من سينما المؤلف إلى الكوميديا (المعنوني و فلم فاضمة). كما عرفت سنة 2018 محاولة بعض الأفلام التموقع وسطيا بالاشتغال على تيمة اجتماعية قوية في قالب ميلودرامي بنتائج متفاوتة (غازية لنبيل عيوش 51000مشاهد+ وليلي لفوزي بنسعيدي 21000 مشاهد + صوفيا لمريم بنمبارك ب18000مشاهد).

(1) اندري بزان 1918-1958 ابرز نقاد السينما في اواسط القرن العشرون ومؤسس مجلة دفاتر السينما

أظهر المزيد

مقالات مرتبطة

Pin It on Pinterest

إغلاق