أقلام حرة

04-لا أحد توغل الى عمقي ليدرك مدى تعلقي بذاك الذي رحل

تكتبها زورا تانيرت عموري

لم انم تلك الليلة البيضاء.. كيف انام وأنا اعلم علم اليقين ان نصفي الثاني رحل..وأنني سأصبح صباحا جديدا دونه.. لا بل لأتلقى التعازي..أنا سأصبح الأرملة.. وهو سيصبح الفقيد.. المسكين.. المرحوم..!
كم أكره هذه الأوصاف..فهي تفقد المرء مكانته الانسانية وتحط من كرامته.
امضيت بياض الليلة في بيت بعض الاقارب..غير مصدقة لما يحصل..! صباح اليوم التالي،كان علينا العودة للمستشفى لاتمام الاجراءات..ونحن نهُمُّ بالخروج انتفضت الحاجَّة من مكانها قائلة بنبرة حادة: لن أسمح بعدم ارتداءك اللون الأبيض.. الميت يتعذب في قبره ان أنت امتنعت عن ارتداء هذا اللون.
ثارت في وجهي وكأني قد ابديت رأيا قبليا برفضي أو موافقتي عن نوع اللباس الذي سأرتديه ..أين انا من كل ما يفكرون به.. كنت ثملة.. ثملت حزنا على فراق الرجل.. لا فرق لدي بين الاسود والأبيض..كل الاشياء من حولي صارت بالنسبة لي لا شيئ..لم تدرك الحاجَّة أنهم لو ألبسوني لباسا بهلوانيا حينها ما ابديت رد فعل..اين أنا من كل تلك الافكار والتفاصيل..اين أنا من كل تلك الاعطاب الفكرية.. 
قلت لها: افعلوا بي ما شئتم.. هل لنا بالذهاب؟
ألبسوني جلبابا يميل للأبيض لعدم توفر لون الحزن ..ألبسوا مومياء تتكلم..جسدا بلا روح.. دمية يحركونها كما يشاؤون..لا أحد توغل الى عمقي ليدرك مدى تعلقي بذاك الذي رحل..!! همهم كان مركزا في ارتدائي الابيض اللعين الذي سيحصِّن روح الراحل من العذاب.. تصوروا .. سَيلفُّوني بكفن ابيض اعتقادا بأنه يحمي من العذاب..
أَوَ مثل ذاك الرجل النقي يعذب؟ 
وكيف اكون أنا سببا في ذلك..؟؟ 
عجيب أمر هذا اللون ..لون يقلب كل الموازين.. حتى موازين الإلاه يقلبها.. فيالسخرية الأقدار!
سافرنا الى مسقط رأسه.. حيث صرخة حياته ستلتقي نعش مماته.. كنت اصِّرُ على زيارته الاخيرة لبيته.. يستحيل أن يدفن دون أن تودعه شجيرات الزيتون التي زرعها بيده.. يستحيل أن يرحل دون أن تودعه جدران بيته التي بناها في ارض اجداده.. يستحيل أن يرحل دون أن تودعه قيتارته التي حملت معه هَمَّ سنوات خلت..يستحيل أن يرحل دون أن يودعه كرسيه المفضل الذي يجلس عليه وهو يغني أو يستمتع بقراءة همساتي.. بل يستحيل أن يتقاسم تربة غير تربة والديه!
كان عشقه لتمازيرت إحساس سريالي.. أمازيغي حر بطبيعته..لا شيئ يضاهي عنده العودة للأصل..العودة لماضيه.. لرائحة شجرة الأرگان..لفلسفة امكسا الصغير الذي كانَهُ يوما.. ولذاك الطفل الذي كان يطلق عليه لقب أنضام.
تمت مراسيم الدفن.. كفنوني مثله بالبياض..وتحت سقف بيتي.. بيتي يا سادة.. كل النساء تراقبنني .. تراقبن تحركاتي.. لباسي.. كيف امشي وكيف اتكلم..وكيف لا يجب ان امد يدي لأي رجل كان للسلام..! تحت ضغط الجميع..وتحت مراقبة الجميع..كنت مركز اهتمام كل النساء.. !
في خضم انشغالي باستقبال وفد تقديم التعازي.. انتبهت احداهن الى وجوب ارتدائي القفازات والجوارب البيضاء..فتكبدت عناء الطريق الى السوق كي تحضرها دون مشاورة ولا اخد رأي.. ولم انتبه حتى وقفت أمامي كجزار ينقضُّ على أضحية العيد وقالت بغضب: خدي والبسي هذا..؟ قلت مستغربة :وما هذا؟ قالت: قفازات وجوارب بيضاء.. القفازات تحمي الميت من عذاب القبر.. لا تمدي يدك للسلام على الرجال..!
قلت لها: والجوارب من ماذا تحمي!
قالت: يجب الا يظهر منك الا الوجه!
قلت: ومن أين لك بهم ..؟
قالت: ذهبت واشتريتهم من السوق.. رغبة في الآجر والثواب..
قلت : لكنني لم أطالبك بهم.. ولو اخبرتني لعرفتي انني املكهم..!
وبغضب اقتلعت مشترياتها من يدي وفتحتهم،وجرَّت يدي بقوة وقالت: انت الأن ارملة وعليك الانصياع.. البسي هذا واذهبي لحالك! 
سللتُ يدي من بين يديها بهدوء وذهبت لحالي تاركة اياها ترطن بكلام غير مفهوم!
الأبيض.. لون يحمي من كل شيئ حتى عدوى الامراض..انه لون مقدس يُدخل الجنة ويحمي من العذاب.. مهيب..مخيف..الى ان صار في نفسي لعينا.. مقززا وحقيرا يلخصون به حرقة القلب وألمه العميق.
تلقيت اتصالا.. كان اتصالا فريدا.. صوت كنت انتظر سماعه منذ زمن.. اتصال من اللاوجود.. استطاع بكلماته تخفيف وطأة الغياب .. الخيبة.. والألم..صوت ناضج يوصيني الاهتمام بإبني.. والاهتمام بصحتي التي كانت تتراجع بشكل كبير..! صوت لم يعلم أنني دخلت متاهة البياض..وانا ماضية بالفعل في ان اصبح ضحية لتقاليد لا أؤمن بها!
وسط كم هائل من النساء كنت امشي.. نظراتهن كانت قاسية..فيها من التساؤلات لهيب يُسعر دواخلهن.. فأما الشفقة فحدث ولا حرج.
كان نصفي الثاني عندما يرى امرأة ترتدي ذاك اللون يتعاطف بشدة معها..وكان يتساءل دائما لم يجب ان تلبس المرأة الأبيض حزنا..الحزن لا لون له..الحزن شفاف يسكن دواخلنا.. ان لم يظهر على لباسنا فهو يعيش في قلوبنا!..فكيف السبيل لنزعه منا؟ 
كنت ارغب في تنفيذ افكاره..لكني مجبرة غير مخيرة رضخت لأنانية الجميع وارتديت اسوأ لون يمكن لامرأة تعشق الالوان والحياة ان ترتديه. 
مراسيم الدفن وتلقي ذاك الكم الهائل من التعازي.. زاد في قلبي تلك الهوة بيني وبين الحياة..لكن وصاياه التي كان يزرعها في قلبي على مدى سنوات كانت تفرض علي التشبت اكثر بتفاصيلها..كما أن بذرته وحلمه الصغير كان يكبر امامي طفلا فكيف لي أن اتخلى عن كل ذلك لتتخذني الموت شماتة!

أظهر المزيد

مقالات مرتبطة

Pin It on Pinterest

إغلاق