أقلام حرة

المغرب : مشاهد قمع المدرسين دليل فشل السياسات التعليمية المتبعة

بقلم ياسين شريحي

في حالة هستيرية من ليالي مارس ببعض الجهات و عاصمة البلاد خصوصا ، تعالت الأصوات و كثر الكر و الفر ، و انت تشاهد مقاطع الفيديوهات على منصات مواقع التواصل الاجتماعي، آلاف الشباب بوزرهم البيضاء الممزوجة بالدماء ، فهم ليسوا بجزارين يذبحون الأضاحي، و ترافقها كسور و حالات إغماء، نتيجة تدخلات أمنية عنيفة في حق أساتذة يطالبون بالإدماج في اسلاك الوظيفة العمومية بعد احساسهم بالقهر و تجرعهم من الألم ألمين ألم الخوف من الطرد و ألم الانفصال عن جسد الاسرة التعليمية، ما خلف احتجاجات واضرابات قد تصل للشهر بمختلف مناطق المغرب.

فمن هاته الوقائع التي مست بالأستاذ وكرامته ، كلها صور تمثل لنا أفضل صورة لواقع التعليم ببلدنا الحبيب ، فكل ذلك يستفز كل غيور و مواطن يأمل في غد أفضل و مشرق ، تشرق معه كل تلك الآمال التي يرجوها ويتمناها على كل الأصعدة والمستويات ، فكل هذه الأحداث المؤسفة التي يشهدها القطاع في الظرفية الأخيرة و منذ واقعة الأساتذة المتدربين تتواصل بعدها عينات التجارب على المنظومة التعليمية.
إن الدولة روجت في خطاباتها مفهوم الجودة التي تركز فيها على أساليب التعلم و التعليم لخلق فئة واعية وقادرة على التميز، و ذلك من أجل اكتسابهم لمعارف و مهارات و سلوك إيجابي ، ينعكس على المنظومة التعليمية في شتى المجالات ، ليخول للمغرب مكانة متقدمة مع الدول الصاعدة في العالم ، و خصوصا إن مؤشر جودة التعليم يعتبر من الأساسيات لتقييم الشعوب و تقدمها.
لكن كل هذه الشعارات فما هي الا تطبيلات من طرف الجهات المسؤولة و أيضا من ذاك الاعلام التسويقي ، بغية تمويه وتخريب المنظومة التعليمية من كل جوانبها بتدريج ممنهج ، فالمراد من خطاباتهم فما هو الا اضعاف للمدرسة العمومية و ضرب مبدأ المجانية .
إن إصلاح التعليم اليوم يعتبر من الرهانات التي يراهن عليها كل المغاربة بالنظر لأهميتها ، حتى تلك البرامج الانتخابية تبنى و في طياتها استراتيجيات لإصلاح منظومة التعليم ، لكن للأسف تبقى فقط حبرا على ورق تظهر من خلفه أداة مصلحية للوصول الى عروش الكراسي و تمرير توصيات المؤسسات المانحة الدولية و إرهاق الشعب.
اليونسكو تفضح بتقريرها المستور
تقرير صادم لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة “اليونسكو” لسنة 2017 ، توضح فيه ان التعليم أصبح أداة لتكريس الفوارق الاجتماعية بالمغرب ، و معه اتسعت الهوة بين التعليم العمومي و الخاص، حيث أصبح المغاربة يتوجهون من التعليم العمومي الى الخصوصي وذلك بنسبة 4% عام 1999 الى 15% في عام 2015 .
وحمل هذا التقرير تهديد مباشر يواجه الطبقة الفقيرة و تقليص حظوظهم للحصول على تعليم جيد ومجاني. وقالت اليونسكو ان المغرب بعيد كل البعد عن تعليم جيد في المدارس العمومية، واورد نفس التقرير الضغط الممارس على التلاميذ للحصول على نقط جيدة ،مما يدفع الكثير للتوجه للمدرسة الخصوصية.
إصلاحات ترقيعية لا تغني و لاتسمن من جوع
تعاقب الحكومات و تحيين برامج و خلق بعضها ، لم يترك بصمة تميز كل حكومة عن أخرى بخصوص التعليم ، إن جل الاصلاحات التي طالت النظام التعليمي كانت جزئية فقط ، فهناك من اهتم و تطاحن حول أي لغة يجب التدريس بها ، فهناك من اتجه لتبعية الفرنكوفونية لأنها لغة تفرض نفسها على المستعمرات السابقة ، وهناك من يتحدث عن اللغة العالمية الأولى التي أصبحت فرض عين على كل الباحثين من أجل استكمال بحوثهم و لغة تسير بالباحث لبر الأمان في العالم بأسره ، وهناك من دافع عن لغته الأم العربية باعتبارها لغة القرآن واللغة الرسمية الأولى للبلاد ، وهناك من اتجه للدفاع عن الأمازيغية باعتبار أن الدستور جعلها اللغة الثانية الرسمية ، وكل تلك الاتجاهات كان لكلٍ منهم ادلته وحججه ، لكن للأسف ابتعدوا كل البعد عن استعمال المنطق و العمل بمناهج علمية مضبوطة للاختيار ، وقد خلص النقاش مع “امزازي” بفرنسة المواد العلمية ، فالنتيجة الحتمية لهذا الاختيار لن تترك الا التفاخر بلغة ميتة حتى في بلدها الأم .
ومن أجزاء الإصلاحات إحداث شُعب و مسالك جديدة، وكذا تغيير قوانين ومساطر، ومنهم من ذهب لتجريب مقاربات بيداغوجية بعشوائية متضاربة لم تؤتي بثمارها إلا لانهاك المعلم و تكليخ المتعلم ، و أيضا هناك من قام بتغيير الأساليب و التقويم و نظام الاختبارات وحتى الامتحانات الإشهادية و كذا المعاملات ، ومن اكتفى فقط بتغيير المقررات و أشكالها بمحتوى فارغ.
فإن هذه التغييرات كلها ، ماهي الا تصريف لقرارات سياسية لتطبيق بنود التوصيات الدولية ، و مع البرامج من الميثاق الوطني و المخطط الاستعجالي الذي تم الانكباب فيه على وضع خارطة طريق جديدة لاستكمال الاصلاح ، و تدارك التعثر السابق في الميثاق الوطني و تسريع وتيرة الاصلاح ، لكن هذا البرنامج أيضا أعلن عن فشله هو الآخر ، و يعلن معه عن اصلاح جديد أطلق عليه اسم الرؤية الاستراتيجية (2015 ، 2030) ، فنطرح معه السؤال ، هل الخلل في المسؤولين أم البرامج؟
نتيجة الفشل قمع وانتهاك حقوق الأساتذة
تضاربت الآراء حول أحقية المتعاقدين في الاحتجاج ، لكن ما يعانيه المتعاقدين اليوم فما هو الا مثال حي لما تعانيه الشغيلة التعليمية ، ها نحن أمام إجابة حقيقية عن فشل سياسات الدولة ببرامجها المفروضة من خارج الوطن ، ننتظر دائما مع كل حكومة جديدة إنصاف هذه المنظومة التي أصبحت فأر تجارب ليس إلا ، إذا كان الهدف من هذه الرجات هو ضرب مبدأ مجانية التعليم ” راك غاي للخسران آحمادي “.
ففي غياب استراتيجية حقيقية و شاملة منسجمة مع السياسات الحكومية في مجال التربية والتكوين والبحث العلمي لن نتحدث عن تعليم يرقى بتطلعات المغاربة ، بتعليم ذو جودة عالية من أجل بناء وطن ينافس الدول المثقفة والمصنعة على الريادة و لا ينافس المتخلفين على نومهم و تكاسلهم و انتظار المعونة من مؤسسة النقد الدولي لإنهاك بلدانهم.

Show More

الحسن باكريم

مدير النشر صحافي مهني شهادة الماستر في التحرير الصحفي

مقالات مرتبطة

Close
%d مدونون معجبون بهذه: