تمثل رواية “تقرير إلى أب مؤجل” للكاتب المغربي محسن الوكيلي مرحلة ناضجة ومتقدمة في مساره السردي والروائي، سواء من حيث العمق الإنساني أو من حيث البناء الفني والرؤية الفكرية (فجر الغضب، في كراهية الحدود، أسير البرتغاليين…). فهي تبدو، مقارنة بأعماله السابقة، أكثر تركيزًا على الإنسان الداخلي والأسئلة الوجودية، بعدما كان اهتمامه يميل إلى التخييل السردي أو التخييل التاريخي.
صدرت هذه الرواية في طبعتها الثانية سنة 2025 عن دار النشر مسكيلياني. تدور أحداثها حول شخصية راضي: الطفل الذي نشأ في حي صفيحي فقير، وهو يحمل سؤالًا وجوديًا مؤلمًا حول الأب الغائب. لتتحول الرواية إلى بحث عن الذات والانتماء والاعتراف الإنساني. وجد راضي نفسه يعيش طفولة قاسية في فضاء شعبي مهمش، حيث الفقر والحرمان والقهر الاجتماعي في المكب، أو ما يطلق عليه بحي العازبات.
يكبر فتكبر معه المعاناة والأوجاع، إذ ظل يحمل جرحًا غائرًا بسبب غياب الأب، وجرحًا آخر بسبب قسوة الأم البكماء العليلة، وبسبب قساوة الحياة، وجرحًا أعمق بسبب هتك عرضه من قبل أطفال/صعاليك الحي. يحاول هذا الطفل استحضار هذا الغياب وتأثيره في حياته النفسية والاجتماعية.
ومع تطور الأحداث يتحول التقرير الذي يكتبه إلى نوع من الاعتراف الطويل أو الرسالة المؤجلة إلى أب مجهول غائب، وهذا تقرير موجه أيضًا إلى المجتمع وإلى الحياة نفسها. وتنتهي الرواية برحلة راضي إلى فضاء جغرافي آخر (فاس الشامخة)، بحثًا عن الحقيقة، وهي محطة حاسمة في تطور وعيه، وفي تعميق أسئلة الهوية والأصل والانتماء والاعتراف.
شعرية الغياب وبناء الهوية في رواية “تقرير إلى أب مؤجل” لمحسن الوكيلي: من الحكاية إلى الرمز
يعد الغياب المفتاح أو العنصر الأساسي الذي تنتظم حوله الرواية بكامل فصولها. فالغياب يتجلى في غياب الأب، وغياب الحقيقة، وغياب الاستقرار، وغياب الاعتراف، وغياب العدالة الاجتماعية… وفي المقابل نجد عناصر تقاوم هذا الغياب مثل الكتابة، والذاكرة، والقراءة، ومدينة فاس، والأم، والجدة… أي أن الرواية تقوم على صراع قوتين: قوة المقاومة، وقوة الغياب. الأولى تتمثل في الكتابة، والذاكرة، والمعرفة، والأمل، والسرد، والتخييل، والبحث، والثانية تتجلى في النسيان، والتهميش، والهشاشة، والصمت، والضياع.
إن الأسماء والأمكنة والأشياء ليست عناصر منفصلة، بل تلتقي في فكرة واحدة، وهي أن كل شيء في الرواية يتحول إلى علامة أو رمز بالمعنى البارطي (نسبة إلى عالم السيميائيات رولان بارط، صاحب كتاب “إمبراطورية العلامات”). فالأب، والمكب، والبيت، والقطار، والشظية، وفاس… كلها علامات، الشيء الذي يؤكد أن الرواية مبنية على اقتصاد رمزي يجعل الأشياء اليومية تؤدي وظيفة دلالية.
تتحول هذه الرواية من حكاية عن غياب الأب إلى مشروع روائي يجعل من الكتابة وسيلة لإعادة بناء الهوية، ومن الذاكرة أداة لمقاومة النسيان، ومن الرحلة بحثًا وجوديًا عن المعنى. إن هذه الرواية ليست، في حقيقتها، رواية عن الأب فحسب، بل رواية عن الكتابة والهوية. فالأب هو المحرك الظاهر، أما المحرك العميق فهو الكتابة باعتبارها محاولة لإعادة بناء الذات.
لهذا نقترح أن تنهض مقاربة هذه الرواية على مستويين متداخلين:
– البنية السطحية (الحكاية): إذ تبدو الرواية وكأنها تحكي عن طفل حرم من الأب، وعن أسرة تعيش الهشاشة، وعن رحلة بحث عن الأصل، وعن انتقال بين أمكنة مختلفة.
– البنية العميقة: التي تطرح الهوية المؤجلة، والذاكرة الجريحة، والكتابة بوصفها تعويضًا عن الغياب، والبحث عن المعنى، ومقاومة النسيان.
وبالتالي يمكن تمثيل هذه العلاقة على النحو التالي: يحيل الأب الغائب على الهوية الغائبة، والتقرير أو الرسالة على فعل الكتابة، والرحلة على البحث عن الذات، وفاس توازي الجذور والذاكرة. أما البيت القصديري فيحيل على النقص وهشاشة الوجود، والمكب على الإقصاء والبؤس الاجتماعي، ومعمل التدوير يتجاوز عملية إعادة تدوير النفايات إلى إعادة تدوير البشر، وتسليع الإنسان وبيع أعضائه في سوق الجشع المادي، والكتب تحيل على الوعي والتحرر، والقطار على التحول والانتقال، والشظية أو قطعة الزجاج التي ظل راضي يحملها في جيبه فتحيل على تشظي الذات وتمزقها وجرحها الغائر…
تمظهرات مفهوم الكتابة في رواية “تقرير إلى أب مؤجل” لمحسن الوكيلي
لم تعد الكتابة في الرواية الحديثة مجرد وسيلة لسرد الأحداث، بل أصبحت موضوعًا للتأمل في حد ذاتها، وأداة لفهم الذات والعالم. وتندرج رواية “تقرير إلى أب مؤجل” ضمن هذا الأفق، إذ تجعل من فعل الكتابة محورًا لبناء التجربة الروائية. فـ”التقرير” ليس وثيقة إخبارية، بل خطاب وجودي يواجه الأب الغائب، ويعيد ترتيب الذاكرة، ويبحث عن معنى الهوية والانتماء.
بناء عليه، يمكن تتبع تجليات فعل الكتابة من خلال ما يلي:
– الكتابة بوصفها بوحًا واعترافًا:
يفصح عنوان الرواية عن طبيعة الكتابة، فاختيار كلمة «تقرير» يوحي منذ البداية بوجود رغبة في قول الحقيقة وتقديم شهادة عن تجربة شخصية. وتتخذ الكتابة هنا طابع الاعتراف والبوح، إذ يعود السارد إلى طفولته وعلاقته بالأب والأم، لا لمجرد الحكي، بل لمساءلة ذاته وكشف ما ظل مسكوتًا عنه.
وهكذا تتحول الكتابة إلى مساحة للمصارحة، وإلى محاولة لفهم الجراح التي خلفها غياب الأب.
(أجل، يا أبي، كبرت في حي “المكب” كما يسميه البيضاويون، بين جدران الطين وتحت أسقف القصدير الصدئ، في الجفاء والبؤس والقهر والذل، في عالم قاس وخطر… كنت لقمة سائغة لكل من تسول له نفسه النيل من طفل بلا ولي. وكانت أمي قاسية… ومع ذلك، بقيت حيًا. نجوت من الطفولة، ونجحت في عبور السنين نحو المزيد من السنين. وفي القفز فوق وادي الصرف الذي يشق الحي إلى نصفين…) الرواية ص. 8
(بلا أب، تعني هنا، بلا شرف ولا غيرة ولا كرامة. أرأيت أيها الأب الجليل كيف يكون الأب رمزًا للشرف والكرامة والعزة…) الرواية ص. 24
(إنه بلا أب… تألمت هذه المرة، مستني العبارة عميقًا. لعلي بكيت، نعم، بكيت بالفعل، لم يرو دموعي. في غيابك، بالوا علي وضربوني. كنت مستباحًا كبيت بلا سيد، وأرض بلا مالك، وامرأة بلا سند… وفي غيابك بدأت أتساءل: هل يوجد الله حيث تسكن الشياطين؟… تقافزوا علي مثل القردة ثم سحبوني من الوادي، جرجروني على الأرض، بصقوا في وجهي. بدت السماء بعيدة… داروا حولي كالكلاب البرية… تغامزوا… لن تحتاج إلى سروالك بعد اليوم…) الرواية ص. 24 و25
(النورس الأعمى، كان أقرب الطيور إلي. النورس الأعمى كان… أنا…
أبي، كل شيء كان بعيدًا عنا، الخبز، والدفء، وحتى أحلامنا الصغيرة…) الرواية ص. 37 و38
(..أنا سيرة الحزن…) ص. 39
– الكتابة والبحث عن الهوية:
يتبين من خلال مسار السرد أن الكتابة ليست غاية في ذاتها، بل وسيلة للبحث عن الذات. فالسارد يعيد بناء ماضيه، ويجمع شتات ذكرياته، محاولًا أن يجيب عن سؤال: من أنا؟
ومن هنا يصبح التقرير رحلة في أعماق الهوية، أكثر منه رسالة موجهة إلى شخص بعينه.
(رأيتك في أحلامي تلبس جلبابًا أبيض وتركب حصانًا عظيمًا أدهم… ركضت خلفك… فتحت عيني. كانوا متحلقين حولي، أمي تمسك بيدي، وأختي تناولني جرعة ماء، أما جدتي رقية فتجلس على الكرسي. تجلس في المكان الذي كان من المفترض أن تكون فيه منذ اليوم الأول. هكذا ولدت من جديد… كنت في حاجة إليك…) ص. 283
(وفوق كل سارد، يكتب سارد آخر أعلى منه وأعلم. من يكتب الحكاية إذن؟) ص. 281
(أين أبي؟ _مات وهو يعانق الدمية. مات وأنت بين يديه.) ص. 289
(فتحت عيني من جديد… لم يكن ثمة من أحد غيرنا، أنا وراضي، النسخة والأصل، الوهم والحقيقة…
استغربت أن يناديني “أحمد” فيقر بنسبي الجديد وحياتي الثانية.
_لا تستغرب، فأحمد الذي تحلم به، أنا وإن لم يكن غير وهم، كما هو راضي أنت، راضي الذي لا تستطيع أن تنفيه، لأنه أنت.) ص. 290
_راضي هل جاءت فاطم، حقًا، بأوراق الثبوتية إلى بيت الجدة، أم حدت عن جادة الصواب إرضاء لنفسك؟ في أي سطر من سطور لعبة السرد هذه جنحت لتصنع لك من الحروف آخر غير أنت؟ ص. 291
_لعبة السرد لا تصنع نسبًا إلى آباء وهميين، ولا إلى مدن لم نكن فيها يومًا. أغلب الظن، صدقني، جئنا، كلنا، من ماء، ومنه خرجنا إلى العالم الكبير لنكون نحن. أنت الأصل بما تبدع، أنت الأصل بما تكون، أنت الأب وأنت الابن، الجذر والفرع، منشأ الحكاية ومنتهاها. ص. 292
اختلطت أشياء بأشياء، كلمات بكلمات، وحقائق بأخرى، وتناسلت الزوابع الصغيرة، في لعبة التيه، لتعيد هدم كل شيء، وبناء كل شيء، مجددًا. عندما انتصبت واقفًا، كنت قد ولدت من جديد. غاب أحمد، لم يكن ثمة أحد سواي. رفعت رأسي إلى أعلى، واثقًا وهادئًا، كانت اللحظة الوجود كله، الزمن كله، وكنت أنا النسب كله، لا قبلي شيء ولا بعدي…) ص. 292
– الكتابة ومقاومة النسيان:
تعتمد الرواية على الاسترجاع، فتستعيد الطفولة والأمكنة والوجوه والأحداث التي تركت أثرها في تكوين الشخصية.
ومن خلال هذا الاستحضار، تؤدي الكتابة وظيفة حفظ الذاكرة، فلا تسمح للتجربة بأن تمحى أو تنسى، بل تمنحها شكلًا دائمًا داخل النص.
(لم يكن هناك زمن يمكن الإمساك به، ولا منطق يمكن الركون إليه. كان الزمن هلاميًا يتسرب، مشوهًا ومضطربًا. ومع ذلك كنت أستطيع أن أسترد بعضًا منه، وأرقع ما انخسف، وأرمم ما تشوه. أما ما استعصى فكنت أسلمه للغياب…) ص. 11
(هل كنت فعلًا في قطار؟ أم تراها هلوسات طفل بلا أب، يركب ذاكرته من الخوف والتمني؟) ص. 11
(في بحثي الشاق عنك، رجعت مرارًا إلى الوراء، أحاول أن أبلغ المحطة التي انطلق منها القطار… أعصر ذاكرتي… حاولت كثيرًا، بلا جدوى.)
قال مراد: (لا شيء يضيع إلى الأبد، ما لا تخزنه الذاكرة يحفظه الصدر.) ص. 13
(كان القطار مبتدأ الحكاية، هكذا تقول لي الذاكرة… هل يعقل أن يبدأ طفل بلا بداية؟) ص. 13
يقول راضي مخاطبًا أباه:
(وبدل الطائرات الورقية التي دأبت على إرسالها لك من رأس التل، كحمامات زاجلة، كتبت قصصًا قصيرة.) ص. 146
وهنا تحل الكتابة محل اللقاء، فيغدو التقرير رسالة مؤجلة إلى مخاطب مفترض.
وتمنح هذه المفارقة الرواية بعدها التراجيدي، إذ يتحول النص كله إلى محاولة لردم المسافة بين الابن والأب، بين الذاكرة والغياب…
– الكتابة فعل علاجي:
تظهر الرواية أن استعادة الأحداث المؤلمة ليست غاية في ذاتها، بل وسيلة لتحرير الذات من ثقل الماضي.
فالكتابة هنا تشبه العلاج النفسي، إذ تسمح للشخصية بتحويل الألم إلى كلمات، والذاكرة الجريحة إلى تجربة قابلة للفهم والتأويل.
(جربت لذة الإمساك بالكتاب، يقول مراد إن لذة إمساك الطفل بأصبع يد والده صغيرًا تمثل لذة الإمساك بالكتب. فالكتب تمسك بأيدينا وتيسر لنا السبيل.) ص. 147
(قال لنا المعلم، ذات مساء، بعد أن فرغ لتوه من الدرس: من ضاع منه شيء ثمين فالبحث عنه في الكتب.) ص. 148
(وتابع يقول: من لم تداوه الكتب، فلا علاج له.) ص. 149
(نعم، يمكنك أن تجد أباك في الكتب، وإذا لم تفلح، لسبب ما، اصنعه، كما يصنع الإنسان لنفسه آلهة من الحلوى، ويأكلها.
أبوك المفترض إلهك، يا راضي. إذا خلقته، على نحو سليم، أعاد خلقك على أكمل وجه. هل تفهم ما أقول؟) ص. 151
– الكتابة ومساءلة المجتمع:
لا تتوقف الكتابة عند حدود التجربة الفردية، بل تتجاوزها إلى مساءلة المجتمع، من خلال طرح أسئلة حول: معنى الأبوة، وقيمة الانتماء، ونظرة المجتمع إلى النسب، وأثر التهميش وخطورته البنية والمؤجلة على الفرد والمجتمع معًا.
وهكذا يتحول التقرير إلى خطاب نقدي يكشف اختلالات الواقع الاجتماعي.
(أجل يا أبي، كبرت في حي المكب… أبناء المكب المدانون دائمًا، الملاحقون من الجميع، المذنبون وإن لم يذنبوا، يكرهون كل شيء، ومستعدون، في أغلب الأحيان، لإحراق الأرض ومن عليها..) ص. 8
(قال مراد: كازا المدينة هي الغول الذي يسلبنا الآباء ويحولهم إلى قمامة.) ص. 8
(لم أكن مجهول النسب الوحيد، فأغلب أبناء الحي بلا أنساب، كانت لنا ألقاب فقط، ننادى بأسماء أمهاتنا…) ص. 11
(بالمكب حيث تسير الشاحنات محملة بالنفايات القادمة من كازا على مدى ساعات النهار. وفي الليل نتبادل الأدوار، فتستقبل الدار البيضاء اللصوص والمجرمين الشواذ القادمين إليها من الحي..) ص. 20
– الكتابة بوصفها بناءً فنيًا:
لا يقتصر حضور الكتابة على المستوى الموضوعاتي، بل يظهر أيضًا في البناء الفني للرواية. فاعتماد أسلوب الرسالة أو التقرير، وضمير المتكلم، وكثرة الاسترجاعات، وتقنية الاستباق، والحوار الداخلي، واللغة التأملية الرمزية والإيحائية، وتنويع السجلات اللغوية (أغنية جيل جيلالة ص 33، أغاني الراديو 50، أغنية راحلة لمحمد الحياني ص 85)، والخطاب القرآني، والخطاب الفلسفي، والإحالات الأدبية والفنية (رواية الخبز الحافي، أشعار محمود درويش، رواية الجريمة والعقاب ص 211)، والخطاب الرياضي (جماهير نادي الرجاء البيضاوي، وجماهير الوداد، والكواكب المراكشي، والجيش، والنادي المكناسي، والحسنية، والمولودية الوجدية…) ص. 40.
كلها عناصر تجعل القارئ يشعر بأنه أمام ذات تكتب نفسها وهي تعيد اكتشافها.
تكشف رواية «تقرير إلى أب مؤجل» إذن أن الكتابة ليست مجرد تقنية سردية، بل هي فعل وجودي يهدف إلى الاعتراف، واستعادة الذاكرة، والبحث عن الهوية، ومقاومة النسيان، ومساءلة المجتمع. وبهذا المعنى، يصبح «التقرير» وسيلة لإعادة بناء الذات أكثر من كونه وثيقة موجهة إلى الأب، وتغدو الكتابة نفسها بطلًا خفيًا للرواية، لأنها الإطار الذي تنتظم داخله جميع التجارب والأحداث والدلالات.
اكتشاف المزيد من azulpress.ma
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
التعليقات مغلقة.