قراءة في كتاب ” الجسد اليقظان” : حركية الجسد في فن الأيكيدو

ذ : محمد التانغمالتي

I. المقدمة:
تعتبر الكتابة المعاصرة فضاء خصبا لإعادة التفكير في مفاهيم الذات والوجود، ومن بين هذه المفاهيم يبرز الجسد بوصفه مركزا دلاليا تتقاطع فيه أبعاد فلسفية ونفسية وسيميائية.
وفي هذا السياق، يبرز نص «الجسد اليقظان» للأستاذ نور الدين حنيف أبو شامة يقدم فيه تصورا مغايرا للجسد، حيث يتحول من كيان مادي إلى نظام من العلامات، وانطلاقا من هذا الطرح، يمكن صياغة الإشكالية التالية:
كيف يتحول الجسد في النص إلى بنية دلالية منتجة للمعنى؟ وإلى أي حد يمكن قراءة هذا التحول في ضوء سيميائيات تشارلز ساندرز بيرس؟
من خلال قراءتي المتواضعة لهذا المتن فهو عبارة عن مجموعة من الأفكار المتسقة، والتصورات التي بنيت عن تجربة طويلة، وهذا ينطبق على الكاتب العبقري الذي يكتب من خلال نطرته للعالم، ويبرز آراءه بأسلوب ذكي، يضع القارئ في صلب الموضوع، بل ويثير في ذهنه عدة تساؤلات.
هو عبارة عن مواقف وأحاسيس صادقة، نابعة من رجل عاش يبحث عن الحقيقة، ساعده في ذلك اطلاعه على ثقافات متعددة، هذه الحقيقة التي تعكسها الكتابات السوسيولوجية والفلسفية وحتى الدينية مثل:
لغة الجسد لــ بيتر كلينتون.
الإشارات لــ بيتر كوليت.
لغة الجسد في القرآن الكريم لــ أسامة جميل ربايعة.
إذن نحن لسنا بصدد رواية خطية، نقدمها من خلال المفاهيم التي جاء بها هيجل أو جورج لوكاتش او باختين.
نحن أمام عمل يتداخل فيه الفلسفي بالواقعي، ويدعونا إلى التأمل في كل حرف وكلمة وجملة وفقرة.
II. عتبات المتن:
تحليل عتبات الكتاب وفق المقاربة السيميائية (جيرار جنيت) التي تهتم بـ النص الموازي: العنوان، الغلاف، اسم المؤلف، التصدير، والنوع.
الغلاف:
يتضمن اللون الأخضر الذي يحمل عدة دلالات بحيث يعد أحد الألوان الثابتة، المتوازنة بيئيا، والأكثر سلاما.
ومن ناحية الأذواق في الاختيارات، فيعتبر من الألوان الجميلة، وأحد الألوان الرئيسية التي لا تدل على التقيد في التعامل، هو لون الطبيعة بحيث يشير إلى الخصوبة والطاقة الإيجابية.
العنوان الرئيسي: كتب باللون الأزرق في إشارة للاستقرار والثقة، فعندما يريد رجال الأعمال عرض أفكارهم وصورهم، فإنهم عادة ما يستخدمون اللون الأزرق في صورهم لإعطاء حس الهدوء والثقة عند التسويق والإعلان، يرتبط اللون الأزرق بالإخلاص والروحانية، مما يجعله لونا مفضلا في العديد من الثقافات.
يحمل العنوان تركيبا دلاليا لثنائية الجسد واليقظة، فالجسد يرمز للبعد الحسي البيولوجي، بينما كلمة “اليقظان” التي جاءت على وزن فعلان فهي صفة مشتقة من اليقظة، بمعنى الحضور الذهني الواعي.
الجسد: مبتدأ مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة على آخره.
اليقظان: نعت تابع للمنعوت في الرفع.
وإذا أردنا استخراج الفكرة الأساسية من العنوان يمكننا القول بأن الكاتب يحاول أن يظهر للمتلقي بأن الجسد ليس فقط مجرد مادة بل هو شيء واع متحرك ومدرك للعالم، الشيء الذي ينسجم مع العنوان الفرعي ومضمون المتن الذي يربط الجسد بالوعي والحركة في سياق فن الأيكيدو.
الإهداء: قدم الكاتب إهداء “إلى روح مترجي تونسي”، الذي علم الكاتب الأبجديات الأولى في فن الأيكيدو، وهذا يحمل في طياته بعدا عاطفيا وجدانيا، ناهيك عن التقدير المعرفي القيمي، لأن عملية التعليم والتعلم ليست نقلا للمعرفة فقط، بل هي استمرار لأثر ذلك التعلم في حياة الشخص.
إضاءة: أتى الكاتب بمقولة لـ “موريهاي يوشيبا” وهو من أصل ياباني يعود له الفضل في تأسيس فن الأيكيدو ويلقب بـ «أوسينسي” أي” المعلم الكبير”، حيث يقول: “حاول أن تكون على اتصال مع السماء والأرض، وعندما سيسطع العالم بنوره الحقيقي، سيتلاشى الغرور والإعجاب بالنفس، وستتمكن من الاندماج مع أي هجوم”
من خلال المقولة ومن خلال البحث حول هذه الشخصية، نستكشف أن الأيكيدو هو فن حربي، وأن مؤسسه كان له توجه عسكري وكان ينتمي للجيش الياباني، خاض مجموعة من الحروب وقد أسس مجموعة من الفنون الحربية قبل أن يستقر على الأيكيدو، الذي يتكون من ثلاث حروف على اعتبار أن الحرف في اللغة اليابانية يعتبر كلمة، كما أن اللغة اليابانية تتكون من مجموعة قليلة من الكلمات، ولكن كل كلمة عندما توضع في سياق معين تعطي معنى مختلفا، وسوف أعطي مثال في اللغة العربية من خلال المشترك اللفظي وكلمة “عين”، فتغيير السياق يعطي معاني مختلفة للكلمة، فنقول: “عين الإنسان، ونقول نشر الوالي عيونه في المدينة، ونقول في التوكيد عينه أي نفسه” .
بصفة عامة يمكننا القول بأن عتبات كتاب “الجسد اليقظان “ليست عناصر شكلية فقط، بل هي جهاز دلالي متكامل يهيئ القارئ لفهم أن الجسد في هذا العمل ليس موضوعا بيولوجيا، بل كيانا فلسفيا حيا يتحرك بين الوعي والفعل والمعنى.

نعود لكلمة أيكيدو فهي تتكون من ثلاث كلمات وهي تبرز الفلسفة التي ينتهجها هذا الفن:
أي: وتعني الانسجام
كي: تعني الطاقة ويقصد بها الطاقة الداخلية وليست القوة العضلية
دو: تعني la voie بمعنى الطريقة، كقولنا طريقة التدين معينة عند البودشيشية أو التيجانية أو الدرقاوية على سبيل المثال لا الحصر.
بمعنى طريقة البحث عن الانسجام بين الطاقة الداخلية وعقل الإنسان والكون.
وهو كما سلف الذكر، فن حربي لا يعتمد على الهجوم بل يعتمد على استقبال الهجمات وتحويلها بطريقة ليس فيها عنف أو تحطيم للآخر، أي تعتمد على الضبط والسيطرة بدون تسبب للأذى، أي الدفاع دون إيذاء الخصم قدر الإمكان؛ مثل سيطرة الشرطة في إطار احترام تام للقانون خلال القيام بتوقيف مجرم، دون أن يسببوا له الأذى في الدول التي تحترم حقوق الإنسان طبعا، بمعنى” رد الفعل المناسب للفعل ”
وهو يتكون من عدة تقنيات سواء بالأيدي والأرجل، ويمكن للكاتب من خلال مداخلته أن يفصل في هذا الباب.
III. تقديم الأستاذ عبد القادر واعلي:
اعتبر أن ممارسة فن الأيكيدو عند الكاتب مختف تماما عن غيره، فالآخر غالبا ما يرغب في شهرة، أو ترويض للعضلات، أو الاستعداد لمدافعة غريم ما، لكن الكاتب اختار هذا الفن النبيل حبا في حكمته، والحكمة في أبسط تعريف فلسفي لها عند ابن رشد “أفلاطون العرب” كما يحلو للبعض أن يلقبه: “الحكمة هي النظر في الأشياء بحسب ما تقتضيه طبيعة البرهان، أي القدرة على فهم الأمور بعمق، واستيعاب جوانبها المختلفة”
إذن فنظرة الكاتب لهذا الفن تتجاوز القوالب التقليدية والنظرة الضيقة، لأن الهدف هو ” الرقي بالذات في مدارج الانتشاء الروحي حيث يعزف الجسد بحركاته المتناغمة والمنسجمة سيمفونية التسامي على اليومي والانفتاح على الغير وتقاسم قيم التسامح والتعايش …وإذا أردنا أن ندقق أكثر “أن يفقه الإنسان العلاقة المتلازمة بين الروح والجسد…”
وفي هذا السياق تذكرت كتابا قرأته منذ فترة طويلة وبقي عالقا بذهني وهو “الروح والجسد” للدكتور مصطفى محمود، الذي يمزج فيه بين الفلسفة والدين والواقع بأسلوب جذاب ومؤثر، فكل كلمة فيه تحمل معنى عميقا يدفعك للتفكر في معنى الحياة بصفة عامة حيث يقول: “الحياة امتحان، والنجاح ليس في الإجابة الصحيحة دائما، بل في القدرة على التعلم منها”، فهو يحاول أن يتجاوز الصراع المادي الروحي، حيث يجعل الروح مركزا لفهم الإنسان، بينما يعتبر الجسد وسيلة للتجربة والوجود في العالم.
إذن فالكاتب هنا إذا أردنا ان نضع مقارنة بسيطة، بحكمته وشاعريته رفع الستار عن عالم غني بالدلالات الفلسفية والتربوية والقيمية.

IV. توطئة:
يقول الكاتب: “يحاول هذا الكتاب رصد طبيعة الجسد الحركية الخاصة برياضة الأيكيدو، وإن شئنا التعبير الأدق نقول فن الأيكيدو”.
إذا كانت تيمة الجسد كمفهوم معقد يتداخل مع الفلسفة والعلوم الاجتماعية والأنثروبولوجيا، ويعكس تجارب الإنسان وهويته عبر التاريخ، فإن الكاتب حاول ملامسة قضايا الجسد داخل مبحث الأيكيدو حيث يقول: “لكنا في هذا الكتاب المتواضع سنحاول ملامسة قضايا الجسد داخل مبحث الأيكيدو أي داخل رياضة تطرح إشكالياتها الخاصة انطلاقا من كونها رياضة وافدة من الشرق الآسيوي الموسوم بثقافته الخاصة تبعا لأصول مرجعياته الفلسفية المتجذرة في التاريخ وفي العتاقة”.
إذن فنحن أمام منطق آسيوي يوصف بأنه منطق متدرج يتجاوز الثنائيات الضدية، فالحديث هنا مركز على ثنائية الجسد بين الكوني المشترك، مقابل النوع الحيواني، والمحلي المشبع بالديني والثقافي، وهذا تأكيد آخر على أن مقاربة مفهوم الجسد من طرف الكاتب في فن الأيكيدو يكون من خلال “التأمل لهذه الرياضة في إطار التجربة فيها وداخل منظومتها” وهي مقاربة تمتح من المقاربة السوسورية التي وضعت قطيعة كوبيرنيكية مع الدراسات المقارنة، من خلال دراسة اللغة في ذاتها ولذاتها.
إذن نحن هنا بصدد دارسة الجسد دراسة محايثة مغلقة في إطار فن الأيكيدو.
ولسبر أغوار هذا المؤلف الماتع استعملت مقاربة سيميولوجية باعتبارها علما للعلامة، ولها علاقة وطيدة بالجسد، وبالضبط السيميولوجية الأمريكية عند بورس التي تهتم بالفلسفة، عكس السيميولوجية الأوروبية عند غريماس التي تهتم بالسرد.
يتضمن الكتاب تسع يقظات:
اليقظة الأولى: سؤال الجسد في فن الأيكيدو.
اليقظة الثانية: إدهاش البداهة في فن الأيكيدو.
اليقظة الثالثة: المحارب الجميل.
اليقظة الرابعة: الحركة في فن الأيكيدو.
اليقظة الخامسة: شاعرية الجسد.
اليقظة السادسة: تأويل الجسد في فن الأيكيدو.
اليقظة السابعة: رسائل الهاكا.
اليقظة الثامنة: سقوط الجسد.
اليقظة التاسعة: الجسد في مقولة الكاتانا.

اعتبر الكاتب أن ميزة الجسد في هذا الفن غير مفروشة بالورود وإنما مغامرة محفوفة بالمطبات والانزلاقات الجانبية خاصة وأنه اعتمد في استقرائه للموضوع على شرطين مختلفين وهما:
التأمل: وهو غير قابل للقياس.
الملاحظة: قابلة للقياس، خصوصا أنه يمارسها ويطبق قواعدها.
إذن؛ كيف يفهم المتلقي وجهات نظر الكاتب، على اعتبار أن مفهوم نظرية التلقي وأصولها ترتبط بما يعرف بـ “مدرسة كونستانس” في ألمانيا، التي يمثلها كل من “هانس روبرت ياوس” و “فولفغانغ إيزر” وقد ركزت هذه المدرسة على القارئ بوصفه عنصرا فاعلا في العملية الأدبية، لا مجرد متلقي سلبي؟
كما أن “رولان بارث ” الناقد والمنظر الفرنسي، تحدث في مقاله النقدي الشهير سنة 1967 عن موت المؤلف la mort de l’auteur، ما يعني انفصال النص عن مؤلفه، وميلاد القارئ من خلال التعامل مع اللغة.
وقد قال الكاتب في هذا الشأن:” نستعين بذائقة المتلقي في تفهم وجهات نظرنا التي قد تبدو في بعض الأحيان مغرقة في التأويل، ولكنها لا تبلغ درجات الشطط والقفز على البداهات في استخراج المخرجات”
وقد طرح الإشكالية التالية:
كيف نعقل هذا الجسد المرن في ثقافة الأيكيدو؟
كيف يرسل إشاراته المشفرة ويحولها إلى معلومات قابلة للقياس، وقابلة للاستثمار في مجال التعلمات؟
هل هذا الجسد معطى جاهز وخاص أم هو جسد عام اكتسب خصوصياته الحركية عبر آليات التعلم المفرد والمتفرد في عالم فنون القتال؟
كيف يرقى هذا الجسد في ثنائية المادة والروح رقيا نوعيا يسير في اتجاه التميز المجاني القاضي بالتمايز فقط، أو القاضي بمقولة المفاضلة في غير معنى؟
يقول الكاتب: ” الجسد في فن الأيكيدو مقولة كائنة مفارقة دالة ووظيفية تتميز بالحضور الدائم لمفهوم اليقظة”
الشاهد على ذلك قوله: ” تتلخص في حلبة الأيكيدو في مواجهة الشريك تأهبا للنزال في مجال التنافس بواسطة الأدوات القتالية وخاصة ما يطلق عليه في هذه الأدبيات باسم الكاتانا katana، وهو سيف مستقيم وفي رأسه تقوس بنسبة قليلة جدا وبحد مضاء واحد، وبطول سبعين سنتمترا…”
V. الجسد كعلامة سيميائية:
وفق تصور بورس، تقوم العلامة على ثلاثية (الممثل–الموضوع–المؤول).
1. الممثل: هو الجسد كعلامة.
2. الموضوع: هو الفكرة التي يحاول الكاتب إبرازها.
3. المؤول: هو القراءة التي تعكس نظرية المتلقي أو القارئ.
وإذا طبقنا ذلك على النص، يمكن القول بأن الجسد بهذا المعنى يتجاوز وظيفته البيولوجية ليصبح:

أيقونة: يجسد التجربة الحسية والوجودية.
مؤشرا: يدل على حالات داخلية (كالقلق أو الرغبة)
رمزا: يعكس مفاهيم مجردة مثل الحرية والهوية.
وبذلك، يتحول الجسد إلى وسيط تأويلي يربط بين الذات والعالم، حيث لا يفهم الواقع إلا عبره.
البنية السردية والزمن: لا يعتمد النص سردا خطيا تقليديا، بل يقوم على:
تشظي الزمن (استرجاع وتأمل)
تداخل اللحظات الشعورية
غلبة البعد التأملي على الحدث
وهذا يجعل الزمن: زمنا نفسيا مرتبطا بإدراك الجسد، لا زمنا كرونولوجيا ثابتا.
اللغة والأسلوب: تتميّز لغة النص بـ:
الكثافة الرمزية
الانزياح البلاغي
الطابع الشعري التأملي
وهذا يمنح النص عمقا دلاليا، لكنه في المقابل يفرض قارئا نشيطا قادرا على التأويل، وقراءة ما بين السطور، بعيدا عن القراءة السطحية المباشرة، فإن كان ممن يمارسون أو لهم دراية بفن الأيكيدو فستكون لهم إضافة نوعية، لأنهم سيجدون فيه الخلفيات الاجتماعية والنفسية والروحية التي تتجاوز كونه مجرد رياضة لتقوية الجسد والتحكم في مفاصله، إلى كونه تجربة عميقة يتفاعل فيها الجسد والروح، وإن كان ممن لا يمارسون هذا الفن، سيكتشفون أن لهذه الرياضة تصورا خاصا للأجساد، وأن لها فهما خاصا للحركات واللباس، وتصورا لدور الآخر ووظيفته، وسيكون مناسبة للفهم والتعمق في علم ما لا يعلون، وكما يقال فوق كل ذي علم عليم.
يقول الإمام الشافعي رحمه الله:
تعلم فليس المرء يولد عالما
وليس أخو علم كمن هو جاهل
وإن كبير القوم لا علم عنده
صغير إذا التفت عليه الجحافل
وإن صغير القوم إن كان عالما
كبير إذا ردت إليه المحافل

خلاصة القول فالكاتب اشتغل على تحويل الجسد إلى خطاب يقدم تجربة قراءة قائمة على التأويل لا التلقي المباشر، حيث يصبح المعنى نتيجة تفاعل بين: النص، والقارئ، والسياق الفكري.
يقول الكاتب: “ليس سؤالا سؤال لا يضعنا أمام مرايا الشك”، المقصود هنا الشك الذي يوصلنا إلى الحقيقة، ثم يسترسل القول: ” في هذا المألوف الذي يحبس النظر في الأمداء الممكنة في علاقتنا بذواتنا وعلاقة ذواتنا بما حول”
إنه المنهج الشكي الذي استعمله الأديب طه حسين في “الشعر الجاهلي” حيث استمده من كوجيطو الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت، هذا المنهج الذي يعتبر الشك أداة قوية للبحث عن الحقيقة والمعرفة.

فالكاتب كان يدخل الركح “مفصولا عن جسده” يروضه ويخسس وزنه ويشذب ديناميته المبنية داخل أنساق الزقاق لتدخل السينما كعنصر حيث يتماهى الجسد مع أبطال تاريخيين كـ هرقل وسبرتاكوس وعنترة بن شداد أو إظهار قوة الجسد أمام الآخر لسبب أو لأخر.
الحقيقة التي وصل إليها الكاتب هي أن “رقصة (أتاي شباكي) ” هذا الطقس الذي يتكرر في كل حصة تدريبية، حيث يقول: «وفي تكراره تنتفي البداهة والرتابة بحيث تخرج هذه الحركات من مجرد إجراء تمهيدي ….. إلى دينامية تخالط نسغ حياة الممارس لهذا الفن”.
إن المنطق الفلسفي هو منطق السؤال والشك قبل البحث عن الأجوبة، كاتبنا المتواضع المتعدد المواهب الأستاذ نور الدين حنيف أبو شامة؛ الشاعر المتمكن والزجال المتمرس والروائي المبدع، طرح إشكالية اعتبرتها أساسا في التعامل مع الكتاب، واستفزتني في البحث والتنقيب والتمحيص والقيام بعمليتي الهدم والبناء، يقول:
ما هو جسدي؟ وما طبيعته؟ وماذا أريد منه؟ ولم أدخلته في هذا السياق الرياضي والفني والفلسفي؟ وماهي مدخلاته الأساسية؟ وماهي مخرجاته المرجوة؟ وكيف أحاور أجسادا أخرى؟ وكيف أتعالق معها في سياقات إكراهية؟
بصفة عامة يمكننا القول بأن المتلقي الفطن، سيستنتج بأن مقاربة رياضة الأيكيدو من طرف الكاتب، تقدم تصورا خاصا للجسد في حركاته وسكناته ولباسه المميز، الشيء الذي يجعلنا نغير نظرتنا بل وتمثلنا عن الوظيفة التقليدية للجسد، فعندما قال الكاتب: “هكذا يدعونا فن الأيكيدو إلى الاستماع إلى هذا الجسد إلى ملاحظته وهو يتحرك في الفضاءات الممكنة داخل قاعة التدريب، على صفيح الركح المتميز بطقوسه الخاصة والمختلفة”، ثم يتحدث فيما بعد عن رقصات الجسد التي تعتبر أساسا في التحكم في الجسد، رغم النظرة المتحفظة عند البعض، إذن هي سلسلة من الحركات التي تنبني على إيقاعات خاصة، يقول: “تمهد للمارس فكرة التحكم في الجسد انطلاقا من تمهيره على اللف والدوران في افتراض مواجهة الآخر الموصوف بالخصم في رياضات أخرى، والذي تسميه فلسفة الأيكيدو بالمشارك أو الشريك”.
وهذا يندرج من جهة ضمن الفكر الصوفي؛ حيث صورة الجسد عندهم وخلفياته تتجلى في تطويعه من أجل خدمة التجربة بتوجيه طاقاته، وتوظيف جوارحه، لتحقيق درجة من الصفاء تسمح بمعانقة العالم العلوي، وبلوغ الحضرة الإلهية.
ويكون ذلك عبر طقوس الذكر والإنشاد والرقص، ومن جهة أخرى يجعلنا نؤمن بأن الجسد يقودنا إلى ثقافة التسامح المنسجم مع الاختلاف، والقبول بالآخر، ونبذ العنف بكل أشكاله، لأننا نشتغل داخل فضاء مشترك.
وهنا تتجلى القدرة على الفهم العميق لمعنى ثنائية الجسد واليقظة، يوقل الكاتب “إن ممارس فن الأيكيدو محارب جميل”
يضع الكاتب بين أيدينا مادة دسمة وخلخلة لعدة مفاهيم ظلت مبهمة:
اللباس: ليس مجرد قطعة قماش نستتر بها “الهاكاما” سروال يرتديه الممارس، يتم التعامل معه بكل احترام، لأنه يحمل قيم إيجابية، ويعتبر طقسا مميزا روحيا في ارتدائه وفي طيه وأثناء الركوع.
اللون: ليس لونا تمييزيا بل فرضه سياق معين.
السيف: ليس مجرد آلة حربية.
الجسد: أثناء سقوطه، يكون تعبيرا عن مهارة تم سقلها لسنوات، لأن كل حركة للجسد تكون بطريقة متوازنة وسلسة، فالممارس يعي تماما كل تفاصيله حتى يستطيع الحفاظ على سلامته.
يمكن اعتبار المتن محاولة جادة لتجاوز الثنائية التقليدية (جسد/عقل)، حيث: لا يعود الجسد تابعا للعقل، بل يصبح مصدرا للمعرفة والإدراك؛ يوقل الكاتب: “وطيلة هذه الممارسة أو المحاورة بين الممارس والشريك، يظل الخطاب مفتوحا بين الروح والجسد يتكاملان لتأسيس وحدة عضوية طرفاها مختلفان اختلافا جذريا من حيث طبيعة كل منهما ولكنهما منسجمان في التوجيه، وفي بناء منظومة مختلفة لرياضة الأيكيدو”
غير أن هذا الطموح التأويلي يصاحبه نوع من الضعف في البنية الحكائية، وهذا طبيعي لأن النص أقرب إلى كتابة فكرية تأملية منه إلى سرد روائي تقليدي.
VI. خاتمة:
في ضوء ما سبق، يتبيّن أن «الجسد اليقظان» نص سيميائي بامتياز، يعيد الاعتبار للجسد بوصفه نظاما دلاليا حيا، حيث يتشكل المعنى من خلال تفاعل العلامات داخل النص ومن خلال تأويل القارئ.
وبين مقاربة بورس التي تؤكد دينامية المعنى، ومقاربة غريماس التي تكشف بنيته، يقدم النص تجربة فكرية غنية تنفتح على قراءات متعددة.
لا يسعني القول في الأخير، سوى أن الكاتب سرى بنا في متاهات وردهات فن الأيكيدو بكل تواضع، بل وجعلنا نعيش لحظات من هذا الفن النبيل، ونغرف من نهر عطائه حتى الثمالة متأثرين بتجربته المتفردة، وكتابته الرصينة التي جعلتنا نفكر في اقتحام دروبه بكل عزيمة وثبات.

 


اكتشاف المزيد من azulpress.ma

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. الموافقة قرائة المزيد

اكتشاف المزيد من azulpress.ma

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading