جيهان أحرزير تخط كتابة تشتغل على التوتر بين الفرد و السلطة في مجموعة “قيصر “

سعيد المودن

 

تتناول المجموعة القصصية “قيصر” للكاتبة الصاعدة جيهان أحرزير آثار السلطة الخفية في الأجساد والذاكرة والعلاقات اليومية، حيث تقف شخصيات هذه القصص خارج مركز التاريخ بعناد هوامشه المتصدعة: أفراد عاديون، هشّون يواجهون أشكالًا صامتة من القهر، العزلة، والخيبة، دون خطابة أو ادّعاء بطولة.
تصف الكاتبة الواقع في “قيصر” بلغة مكثفة، متقشفة، تُفضّل الإيحاء على التصريح، وتراهن على المفارقة والاختزال بدل السرد المطوّل. في هذه القصص، يظهر “قيصر” كظلّ، نظام، نظرة أو منطق يتسرّب إلى التفاصيل الصغيرة ويعيد تشكيل المصائر.
إنها كتابة تشتغل على التوتر بين الفرد والسلطة، بين الرغبة في النجاة واستحالة الخلاص، وتمنح القارئ تجربة قراءة هادئة في ظاهرها، مقلقة في عمقها، حيث يصبح السرد نفسه فعل مقاومة صامتة.
تأتي المجموعة القصصية “قيصر” لتؤكد حضورا سرديا يراهن على الكثافة والاختزال، وعلى مساءلة الواقع عبر تفاصيل الحدث الصامتة والهامشية. مجموعة “قيصر” كتابة عن السلطة بوصفها مركزا واضح المعالم وعن تسرّبها الخفي إلى الحياة اليومية، إلى العلاقات، وإلى أبسط الإيماءات التي تبدو للوهلة الأولى عادية أو بلا أهمية.
يظهر “قيصر” في هذه المجموعة كشخص تاريخي وكرمز مباشر وكمنطق عام يحضر كظل ثقيل في الخلفية: في الخوف غير المعلن، في الطاعة الصامتة، في التواطؤ اليومي، وفي محاولات النجاة الفردية لشخصيات القصص التي يحمل مشعلها أفراد عاديون، هشّون، يعيشون على تخوم الانكسار: موظفون، عابرون، كائنات بلا أسماء كبيرة ولا أدوار بطولية، لكنهم يحملون في داخلهم توترا دائما بين الرغبة في العيش ووطأة ما يُفرض عليهم.
تعتمد “قيصر” من الناحية الأسلوبية، لغة مقتصدة، دقيقة، تميل إلى الإيحاء أكثر من التصريح، وتبتعد عن السرد الاستعراضي أو التقريري. فالجمل قصيرة نسبيا، محمّلة بدلالات نفسية ورمزية وتُبنى القصص على لحظات مفصلية لا على حبكات متشعبة. هنا، تُحكى الأحداث لمحاولة تفسير العالم ولكشف هشاشته وتناقضاته. الصمت، الفراغ، والبياض السردي عناصر فاعلة في بناء المعنى، بقدر ما تفعل الكلمات.
تشتغل المجموعة على توتر مركزي بين الفرد والنظام، بين الداخل والخارج، وبين ما يُقال وما يُكتم. لا ترفع القصص شعارات سياسية مباشرة، ولا تنخرط في خطاب إيديولوجي جاهز، إنها تمارس فعلًا نقديا عميقًا من خلال تفكيك أثر السلطة حين تصبح غير مرئية، حين تُستبطن، وحين تتحول إلى جزء من بنية الوعي نفسه. تندرج “قيصر” ضمن كتابة ترى في السرد شكلًا من أشكال المقاومة الهادئة، مقاومة لا تصرخ، لكنها تزعزع.
كما تطرح المجموعة سؤالا أخلاقيا حول موقع الإنسان داخل منظومات أكبر منه: إلى أي حد نحن ضحايا؟ وإلى أي حد نشارك، بصمتنا أو تكيّفنا، في إعادة إنتاج ما يقهرنا؟ هذه الأسئلة لا تُطرح بشكل مباشر، بل تتسلل عبر مصائر الشخصيات، وعبر نهايات مفتوحة تترك القارئ أمام مسؤوليته التأويلية.
ليست مجموعة “قيصر” لجيهان احرزير نصا يبحث عن حكاية تشم السرد بالأثر.. إنها كتابة تراهن على قارئ يقبل التباطؤ، الإصغاء، والانخراط في مناطق غير مريحة من المعنى. وبهذا، تُقدّم نفسها كنص قصصي معاصر، واعٍ بشروط زمنه، دون أن يخضع لإملاءاته السهلة، ومخلص لفكرة أن الأدب، حتى في أكثر أشكاله هدوءا، قادر على مساءلة ما يبدو بديهيا ومسلّما به.


اكتشاف المزيد من azulpress.ma

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. الموافقة قرائة المزيد

اكتشاف المزيد من azulpress.ma

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading