الصفحة الرئيسية

في وداع الأستاذ محمد وقيدي// الجيل الفريد: من ضيق الأيديولوجيا إلى سعة الإبستمولوجيا (1)

د. محمد هُمام/ أستاذ بجامعة ابن زهر/ أكادير//

فقد المغرب مفكرا آخر هو الأستاذ محمد وقيدي (1946-2020)، الأستاذ بجامعة محمد الخامس بالرباط، رحمه الله. ينتسب الأستاذ وقيدي إلى جيل فريد من أساتذة الثانوي الذين التحقوا بالجامعة للتدريس، ولسد فراغ التأطير في الجامعة، وإتاحة الفرصة للكادر المغربي من الأساتذة الباحثين لولوج البحث الأكاديمي، والاستعداد لتعويض الكادر الأجنبي، العربي على الخصوص، إما لظروف إدارية
أو صحية أو سياسية حتى؛ مثل: نجيب بلدي، وعلي سامي النشار، وحسن حنفي، ونجيب البهبيتي، وأمجد الطرابلسي…(درس الأستاذ وقيدي بالثانوي سبع سنوات أستاذا للفلسفة). كما يمثل جيلا فريدا من الأساتذة الباحثين بالجامعة المغربية، جامعة محمد الخامس على الخصوص، ممن زاوجوا بشكل ناجح وفريد بين العمل البيداغوجي التدريسي والتأطيري، وبين البحث العلمي الرصين، من خلال أعمال تأليفية، أصبحت ذات بعد مرجعي في الفكر الأكاديمي الجامعي المغربي، كما أصبح لها إشعاع عربي ودولي.
يمثل الأستاذ وقيدي الفوج الثاني من الجيل الفريد بالجامعة المغربية، في شعبة الفلسفة، بعد فوج جيل محمد عزيز الحبابي، ورشدي فكار، والمهدي بن عبود، وعلي أومليل، ومحمد عابد الجابري، وطه عبد الرحمن وآخرين، من شعب أخرى؛ مثل عبد الله العروي، ومحمد المنوني، ومحمد القبلي، في التاريخ، ومحمد بلفقيه في الجغرافيا، ومحمد كسوس في علم الاجتماع، وبن شريفة، ومحمد برادة، وأحمد اليابوري، وأحمد المجاطي(المعداوي) في الآداب، وعبد القادر الفاسي الفهري، ومحمد الأوراغي، وأحمد المتوكل في اللسانيات، ومبارك ربيع في علم النفس، وبن البشير الحسني في الدراسات الإسلامية، وعبد الفتاح كيليطو في شعبة اللغة الفرنسية، وآخرين. كل واحد من هذا الجيل الأول كان أستاذا مدرسا، وكان باحثا علميا، وكان مفكرا صاحب أطروحة علمية تجسدها مؤلفاته الكثيرة، وإشعاعه العلمي الوطني والدولي.
يمثل، بنظرنا، الأستاذ وقيدي الفوج الثاني، وليس هناك أي بعد معياري تفاضلي بين الفوج الأول والثاني، بل هناك فقط بعد تحقيبي تعاقبي لمسار البحث المبدع ولمسارات الباحثين المبدعين في الجامعة المغربية، وموضوع حديثنا جامعة محمد الخامس بالتحديد، خصوصا في شعبة الفلسفة، وفي الشعب التي كانت تتفاعل معها من خلال مؤلفات ودراسات الأساتذة الباحثين المنتسبين لهذه الشعب. وسيكون رصد هذه المسارات البحثية من خلال التجربة البحثية والفكرية والإبداعية للأستاذ وقيدي، وقد كان همزة وصل نموذجية، من حيث التدريس، أو التأليف، أو الجدل،
أو الحوار، أو الاشتباك الفكري المثمر، بين هذه الشعب، وبين أساتذتها، وبين المؤلفات/ الأطروحات الصادرة عنهم؛ إذ كان الأستاذ وقيدي صاحب قدرة مذهلة على خلق حوار فلسفي وفكري بين إنتاجات أساتذة جامعة محمد الخامس، من خلال التعريف بها، والتعرض لها بالحوار والنقد والجدل، وهو ما يظهر بوضوح لكل مطلع على إنتاج الأستاذ وقيدي الكثير والمتنوع. وكان يمثل الفوج الثاني الذي ينتسب إليه الأستاذ وقيدي أساتذة مبدعون، في التأطير وفي البحث العلمي؛ مثل: سعيد بن سعيد العلوي، ومحمد سبيلا، ومحمد المصباحي، وبن سالم حميش، وسالم يفوت، وعبد السلام بن عبد العالي، وعبد السلام بن ميس، وبناصر الباعزاتي، وعبد الله ساعف، ومحمد مفتاح، وسعيد يقطين، وعبد الله حمودي، وآخرين.
حصل الأستاذ وقيدي على الإجازة في الفلسفة بالجامعة (1968). وعين بعد تخرجه من المدرسة العليا للأساتذة، قسم الفلسفة، أستاذا للفلسفة بالتعليم الثانوي، بمدينتي فاس والدار البيضاء. ومن ثانوية محمد الخامس بالدار البيضاء التحق بالجامعة بفاس( 1975)، ثم بعدها بجامعة محمد الخامس. وهناك سيسطع نجم محمد وقيدي باعتباره باحثا مميزا في حقل الإبستمولوجيا، وتاريخ العلوم، وفلسفة العلم، وكذا تطبيقات الإبستمولوجيا على العلوم الاجتماعية والإنسانية، مما سنذكره من نماذج في هذه الحلقات.
دخل الأستاذ وقيدي إلى جامعة محمد الخامس وبها كوكبة من المفكرين من العيار الثقيل، خصوصا في قسم الفلسفة، قادما من جامعة فاس، حيث احتضنه صديقه الأستاذ المفكر جمال الدين العلوي( 1992)، المتخصص في ابن رشد وفي ابن باجة. وناقش الأستاذ وقيدي رسالته لنيل دبلوم الدراسات العليا في الفلسفة (ماجستير)، سنة 1979، وهي بمثابة البحث الأكاديمي الأول له بجامعة محمد الخامس. وأسند إليه عند ولوجه جامعة محمد الخامس تدريس مادة ” الفكر اليوناني القديم”، وقد بدأ تستهويه الإبستمولوجيا، خصوصا إبستمولوجيا غاستون باشلار
(1884-1962)،وهو الأمر الذي تعمق مع الدروس التي حضرها في جامعة باريس(1979-1980)، خصوصا دروس ومحاضرات سوزان باشلار
(1919-2007)، ابنة غاستون باشلار، برغم اختلافها العلمي مع أبيها، وتوسيعها لدلالات بعض مفاهيمه التفسيرية، خصوصا: العائق، والقطيعة. لقد وجد الأستاذ وقيدي نفسه أمام مادة لاتلبي طموحه العلمي، ولاتنسجم مع أفقه البحثي، ولكنه ملزم بتدريسها. لذلك طور مفهوم (الإبستمولوجيا المطبقة)، ودرس من خلال أفقها الدلالي، وقوتها التفسيرية، ومما استفادت من مفهوم القطيعة عند باشلار، وعند ابنته سوزان، درس الفكر اليوناني القديم، وحلل نصوصه، وحقبها في علاقة هذا الفكر بما سبقه من أنظمة فكرية، على أساس القطيعة، لا التكوين، ولما ينفتح بعد الأستاذ وقيدي على متن جان بياجيه (1896-1980)، أو قل لم يستلهم مفاهيمه في التحليل والتفسير، مما سيأتي بعد، في سياق تطور نظام التفكير عند الأستاذ وقيدي، مما سنراه لاحقا، سواء في دراساته للفكر اليوناني، أو في التأريخ للفلسفة، أو في التفكير الفلسفي بشكل عام؛ أي القطيعة مع الأنماط التفكيرية الأخرى؛ خصوصا: الفكر الأسطوري، أو الفكر الميتافيزيقي!!! وغيرها من الأنماط، وهو أمر لا يبتعد عن أطروحة أوغست كونت(1798-1857)، وقد كان من المراجع الأساسية والملهمة لنظام التفكير عند الأستاذ وقيدي.
وعليه، التحم الأستاذ وقيدي بالإبستمولوجيا، من خلال هذه الحيلة العلمية المبدعة؛ أي عبر تطبيق مفاهيمها على مادة: الفكر اليوناني القديم. وكان الدرس، كما يحكي الأستاذ وقيدي، غريبا وصادما؛ أي تدريس الفكر اليوناني القديم من منظور (إبستمولوجيا باشلار)، وعبر أخطر مفاهيمه، وهو مفهوم (القطيعة الإبستمولوجية). وكانت هذه اللحظة فاصلة في تاريخ الجامعة المغربية، بنظر الأستاذ وقيدي، وهي لحظة إدخال الإبستمولوجيا إلى الدرس الجامعي، وهي الاختصاص الذي سيعرف به من حينها. وهو مجهود لم يتلق بقبول حسن وسط زملائه الأساتذة، ولم يسانده إلا صديقه الأستاذ جمال الدين العلوي، مع أنه لم يكن ملما بحقل الإبستمولوجيا، وكان يدرس، هو الآخر، الفكر اليوناني القديم. من هنا سيلج الأستاذ وقيدي إلى مادة: مدخل إلى الإبستمولوجيا. وسيدرس فيها نصوص: أوغست كونت، وغاستون باشلار، وجان بياجيه. وظل مصرا على توجهه الإبستمولوجي، ولما لاحظ ان المقاومات مرتبطة، في جزء منها، بجهل هذا الحقل العلمي الجديد ألقى ضمن فعاليات لكلية الآداب، عرضا بعنوان: ماهي الإبستمولوجيا؟ كانت مناسبة للتعريف بهذا الحقل الجديد في الجامعة المغربية، إلى جانب حقول: المنطق، وتاريخ الأفكار، وغيرها من حقول الدراسة في قسم الفلسفة. وكانت محاضرة ناجحة ومرجعية، بنظر الأستاذ وقيدي، توجت بإصدار كتابه: “ما هي الإبستمولوجيا؟”(دار الطليعة، بيروت، 1983)، ويفتح عهد جديد لتدريس الإبستمولوجيا في الجامعة، سرعان ما ستتمدد من قسم الفلسفة إلى أقسام أخرى.د، وكان الأستاذ وقيدي فارسها الأول.

Loading...