الثقافة

الجنوب الشرقي المغربي ”أسامر” مجال غني بالميثولوجيا

بقلم الفنان عمر أيت سعيد//

الى حدود علمنا ليس هناك شعب بدون ميثولوجيا، كما أنه لا يمكن أن تنشأ أي ثقافة بدون معتقدات ولا أساطير، فالميثولوجيا إذن هي جزء لا يتجزأ من الثقافة، ونجد ان هذا المفهوم تطور يتطور العلوم الإنسانية نفسها ، فيمكن تقسيمه  إذن الى جزئيين  الميثولوجي أي الأسطورة واللوكس أي العلم، بمعنى علم الأسطورة أوعلم الأساطير .

في السياق التاريخي بصفة عامة اعتمد الإنسان الأساطير كمحاولة منه لفهم الظواهر ولفهم ماهية النشأة وأصولها.  نجد جل الأساطير مرتبط بالمقدس أو الدين وتشكل الحضارة المتوسطية مهدا كبيرا للأساطير عبر العالم . وفي مقالنا هذا سنقتصر على المجال الجغرافي للجنوب الشرقي الذي يزخر هو كذلك بعدة رموز وعلامات توحي بأن الميثولوجيا تسكن هذه البقاع الجغرافية من قدم العصور .

صحيح أننا نعتقد أن الأمور أصبحت تتغير وتتطور كثيرا  وأن حكاية  الأساطير قد طمست من امد بعيد، لكن في الحقيقة الأساطير لا تزال تسكننا ونسكنها فالأشكال والأنماط تغيرت لكن حضورها لا يزال في ذهنيا تنا وسلوكياتنا وطقوس أعراسنا وأفراحنا وأتراحنا كدلك .

فما هي بعض مظاهر الميثولوجيا في الجنوب الشرقي يا ترى ؟ وما هي بعض وظائفها وكيف يمكن الحفاظ على بعضها وتوظيفها توظيفا يتلاءم والزمن الحاضر ؟

تشكل الأعراس بمختلف أوجهها بالجنوب الشرقي المغربي نافذة نحو الماضي أو لنقل مدرسة تساهم في نقل الميثولوجيا عبر الأجيال. فقصيدة ”وارو ن ويرو” مثلا توحي بالآلهة إلهة الحب والفرح. كما أن مرافقة العروس في يوم ”الشرب” ”أس ن تيسي ” في أحد العيون أو السواقي يشير الى أسطورة الماء المقدس … كما أنه من مظاهر الأسطورة نجدها حاضرة في علاقة الإنسان في أسامر بالطيور فمثلا طائر ”TIBIBT   أو ‘’تكرامت’’ غالبا ما ينضر اليه بعين التقديس والإجلال فلا يؤديه أحد . كذلك بنواحي مدينة تنغير، توجد بركة ماء فيه سمك سمي بالسمك المقدس .أو السمك الأزرق ثم توقيره لعصور وفق الميثولوجيا دائما. أمام هذا الأمر الواقع ساهمت هذه الأساطير في الحفاض على الموروث البيئي بالجنوب الشرقي، حيت ثم توقير العديد من النباتات كالسدر والقصب والزيتون و اعتبرها السكان نباتات مقدسة فلا تقطع ولا يمارس عليها الرعي الجائر ..كما تبرز الميثولوجيا كذلك في تلك القصص الشفاهية التي كانت تحكيها الجدات في ليالي الشتاء الباردة قبل ظهور التلفاز والكهرباء، قصص تضج بأسماء توحي بأساطير ”كإسم ترير” الغولة  و”خو/الوحش ” بالشدة على الخاء وتسردونت ن اسمضال /بغلة القبورو تتبيرت تاوراغت/الحمامة الصفراء  …

أمام هذا الغنى المتراكم للأسطورة بأسامر قام الإنسان باستثمارها في عدة مجالات فأصبحت لها وظائف تختلف من جماعة الى أخرى ومن سياق الى أخر. ففي مجال التربية مثلا ثم اعتماد القصص باستثمار الميثولوجيا قصد التربية أي تربية الأبناء من خلال ثنائية الخير والشر . فرموز الميثولوجيا تحمل تارة صفة الخير وتارة صفة الشر ..إذن فالميثولوجيا ساهمت في بناء الشخصية الأسامرية من خلال تمرير مضامينها في التنشئة الاجتماعية. هذه الاخيرة تستمد بعضا من جذورها من هذه الأساطير ولعل من وظائف الميثولوجيا كذلك أنها تخلق توازنا نفسيا لذى الإنسان بصفة عامة ليقتنع بالحياة البسيطة وليجد إجابات لبعض الإكراهات التي قد تعترض حياته الطبيعية و استقراره . فمثلا أمام مرض البقرة او الغنم في بعض الأحيان تؤول الأمهات الأمر الى ”أطوس ” أو المس أي بفكر ميثولوجي يتحقق الرضى بالواقع المعيش. كما أن الألعاب التقليدية القديمة تزخر كذلك بالميثولوجيا هذه الالعاب التي في مجملها تبني الشخصية الأسامرية ذكرانا وإناثا ليصيروا محاربين ومقبلين على التحديات من خلال مضامين ترفيهية ومسلية فمجمل هده الالعاب تكون على التركيز والمثابرة و التحدي والعيش المشترك ….

بعد كل هذه الأفكار نستشف ان أسامر جنة الميثولوجيا نظرا لكونه أولا مجالا لالتقاء القوافل التجارية عبر الأزمنة التاريخية ولكونه صلة وصل بين الجنوب والشمال .كل هذه الاساطير على كثرة أسمائها أنزار ، تسليت ن انزار ، ترير، تسردونت ن اسمضال ، وارو ن ورو ، أمون ، أوعري ،… أساطير تستدعي المزيد من الأبحاث والدراسات و لابد من اعتماد علم الأنثروبولوجيا هذا العلم الذي يعتمد الملاحظة و تتجاوز أحيانا التاريخ ليذهب أكثر الى اعتماد الحفريات والنقوش الصخرية واعتبارها مصادر للتأريخ ولا تكتفي الأنثروبولوجيا بالوثائق التاريخية التي تنعدم في كثير من الأحيان بل تجعل من المجال والنقوش الصخرية والعمارة   مصادر للتأريخ . وهذه النقوش يمكن استثمارها  لخلق قوة لمجال و جاذبية مجالية لجهة درعة تافيلالت بحيث أن الرموز تنتصر لعبقرية الإنسان في محاولته لفهم الماضي وما يدور وهو بذلك يعمد الى نقش العلامات في الكهوف وعلى الاحجار.

فإذا كانت شعوب أسيوية مثل اليابان والصين قد استثمرت جل أساطيرها الحقيقية منها والمصطنعة وحولتها الى تحف وشخصيات في أفلام ورسوم متحركة، فكذلك في أسامر وغيرها من جهات المملكة يمكن الاشتغال على هذه الأساطير وتوظيفها في الرسوم المتحركة المنتجة وفي الأدب المكتوب والمسرح والأنشودة التربوية أو في أي مجال يمكن أن يعطيها حياة أكثر وبأبعاد اخرى…

وكخلاصة لهذا المقال فكل بقاع شمال افريقيا تزخر بميثولوجيا وقد سبق لبعض الباحثين الأوروبيين أن تناولوا بالدراسة والتحليل  بعضا منها دون أخرى لكن أن الاوان أن نقوم نحن كشباب مهتمين بالثقافة الأمازيغية أن نوثق هذا الموروث الثقافي كمرحلة أولى وأن نقوم بدراسات تحليلية لمضامين المتون المجمعة لنحافظ عليها أكثر لكي يعتز الأبناء بهذا المجال الترابي وبتاريخه وليكون في خدمة الأدب والعلوم على حد السواء ويساهم في تطور الجهة بصفة عامة .

هوامش

[1]- See: Abbagnano, Nicola (1976) “Humanism”, Encyclopedia of Philosophy, Ed. Paul Edwards New York, Mc Millan.

[2]- إرنست كاسيرر، افسانه دولت (باللغة الفارسية)، ترجمه إلى الفارسية نجف دريا بندري، إيران، طهران، منشورات «خوارزمي»، 1983م، ص 376.

[3]- Hamilton, Edith, 1969, Mythology, Doris fielding Reid, p. 13 – 1

أظهر المزيد

مقالات مرتبطة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Pin It on Pinterest

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: