أقلام

الإلهام الشعري عند العرب و الأمازيغ

تختلف نظرة العرب و الامازيغ حول مصدر الإلهام الشعري، و بالتالي تختلف المرجعية الفكرية لكل منهما حول هذ الإلهام. فكيف تنظر المرجعيتان العربية و الأمازيغية الى العالم اعتمادا على وسيلة تعبيرية فنية و هي الشعر الذي تعتبر لديهما من ارقى الكلام الفني للتعبير عن الاحاسيس و عن الواقع المعاش و عن رؤى الى العالم و الى الوجود؟
سنقتصر هنا على فترة ما قبل التدوين عند العرب و الامازيغ.
بالنسبة للشعر العربي، يمثل الشعر الجاهلي الشفوي قبل تدوينه نموذجا لهذا الشعر الذي يرتبط فيه الإلهام الشعري بمصدر خارجي، و قد امتد هذا الفهم للإلهام الى فترات متأخرة من العصر العباسي بعد ان إكتملت فترة التدوين عند العرب و انتقل الشعر الى الصنعة الشعرية بموازاة مع تطور النقد.
بالنسبة الامازيغ ساقتصر هنا على بعض النصوص المدونة التي وصلتنا و التي تمتد الى القرن الثامن عشر.( نظرا لشح المصادر و المراجع في هذا الشأن).
اذا كيف ينظر الشعراء العرب في هذه الفترة الى الإلهام الشعري؟ و كيف ينظر الشعراء الامازيغ اليه؟
و ما هو مصدر الإلهام الشعري عند كليهما؟ هل هو الهي ام شيطاني؟
و بالتالي فمصدر الإلهام الشعري سيحدد منظور كلا من العرب و الامازيغ الى الشعر، لتمتد الى باقي مناحي الامور الاخرى الثقافية و القيمية….
– الشعر عند العرب:
يقترن الشعر عند عرب الجاهلية بالجن لما لهءا الشعر من تأثير سحري على النفوس، فكانوا يعتقدون ان الشاعر يرتبط بملهم له من الجن، لذلك ربطوا كل شاعر بشيطان يلهمه الشعر { يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا } سورة الأنعام.  و غالبا ما نجد كل شاعر نابغة لديهم يقرنونه بشيطان يوحي اليه الشعر، فالاعشى مثلا ربطوا الهامه الشعري بشيطانه ” مسحل” يقول في بيتين له ( او منسوبين له):
و ما كنت ذا قول و لكن حيرتني
اذا مسحل يبرى لي القول أنطق
خليلان فيما بيننا من مودة
شريكان جني و انس موفق(1).
و في هذا الشأن يقول المعري :
و قد كان ارباب الفصاحة كلما
رأوا حسنا عدوه من صنعة الجن.
لذلك قرنوا كل شاعر بشيطانه و بجنيه، فقد عرف امرؤ القيس بشيطانه ” لافظ بن لاحظ”, و النابغة الذبياني بشيطانه ” هادر”..
لذلك كثيرا ما نسمع الى اليوم تعبير ” شيطان الشعر” للتعبير عن الإلهام الشعري، فلا غرو أن القريشيين اتهموا النبي بأنه شاعر ، و وصفوا القرءان في بداية الأمر بالشعر، فكان رد القرءان على هذا الاتهام بالكثير من الآيات التي تفند هذا الاتهام:
– ” و ما هو بقول شاعر قليلا ما تومنون” سورة الحاقة الآية 41.
– ” و يقولون أإنا لتاركوا آلهتنا لشاعر مجنون” سورة الصافات الآية 36.
– ” و الشعراء يتبعهم الغاوون” في نهاية سورة الشعراء.
اقتران الإلهام الشعري عند العرب في الجاهلية بالجن الشيطاني هي النظرة السائدة آنذاك الى حدود القرن الرابع الهجري، مما يجعل بلاغة الكلام لديهم تحتل مرتبة عليا مقارنة مع الكتابة و الفكر قبل أن يترجم التراث الفكري و العلمي اليوناني و الفارسي و الهندي الى العربية…و ما زالت هذه البلاغة يفتخر بها الى اليوم على حساب الفكر و العلم.
الشعر عند الامازيغ:
قليلة هي الدراسات التي تناولت الشعر الامازيغي و مصادره، لكن يمكن الإشارة إلى مصدر الإلهام الشعري عند الشعراء الامازيغ خصوصا عند “الروايس” و” إنظامن” و الذي ما يزالون يومنون به و يمارسونه من خلال طقس معروف لديهم، و هو طقس زيارة ولي مشهور و المبيت في ضريحه، و تقديم قربان له، و غالبا ما يأتي الإلهام على شكل رؤيا. لذلك كان مصدر الشعر عند شعراء الامازيغ مصدر مقدس يحيل الى الاله، و وسيطه هنا هو الولي او “الشيخ “, و لا بد من القيام بطقس مقدس يلتزم به من يريد الدخول الى عالم الشعر بقوة الإلهام الشعري . فالشاعر المقبل على الإلهام الشعري غالبا ما يستند إلى “شيخ” اي ولي يكون واسطا بينه و بين الاله, و ما زال المثل الامازيغي يحمل هذا المعنى” ؤدماون س ؤدماون أر دار ربي”. يتم الإلهام الشعري كما قلنا عبر طقس مقدس معروف لدي الشعراء، وهو المبيت في ضريح “ولي” معروف ليلهمه الشعر و غالبا إذا ما نجح العبور الى الشعر يتلقى الشاعر رسالة هي رؤيا دليلا على قبوله في عالم الإلهام السعري. هل هذا الطقس الديني له علاقة بعبادة الاسلاف كما عرفها الامازيغ قبل الاسلام؟ هل لها علاقةبإحدى الديانات المعروفة قبل الاسلام؟ هل لها علاقة بالآلهة التي عبدها الامازيغ قديما؟؟
في كتاب ” الشعر الامازيغي المنسوب لسيدي حمو الطالب”(3) للأستاذ عمر امرير، ورد فيه مصدر شعرية الشاعر سيدي حمو الطالب, و هو اقدم شاعر امازيغي وصل الينا شعره، كتب الباحث عمر امرير بأن هذا الشاعر قبل ان يكون شاعرا كان طالب فقه.
حضر الطالب سيدي حمو احد اللقاءات الشعرية الجماعية التي اقامتها القبيلة التي يدرس في مدرستها الدينية، فانبرى شاعر و هجا فتاة مشاركة في اللقاء هجاءا مذقعا و كانت ابنة أسرة تطعم سيدي حمو الفقيه و اسمها ” فاضما”، فلم يستطع سيدي حمو الطالب الرد للدفاع عنها فآلمه الامر، لذلك:
” غادر سيدي حمو أسرة ” فاضما” متوجها إلى قريته …و اختار من اغنام اهله رأس غنم، و سافر الى ضريح مولاي ابراهيم، حيث ذبح ذلك الخروف راجيا من الله ان ينعم عليه بنعمة النبوغ في قول الشعر…فنام بجوار قبر الصالح..فإذا به يحلم ان فمه كان مملوءا…جواهر..و قد أول الحلم و فهم ان كلامه سيصير جواهر..” (4).
هل الشعر بهذا المفهوم له علاقة بالآلهة كما عرفها الامازيغ قبل الاسلام؟
هذا المفهوم لمصدر الإلهام الشعري عند الامازيغ يقترب من مفهوم مصدر الإلهام الشعري و الفني عند الاغريق. فاليونانيون ربطوا الشعر و الفنون بالآلهة، لذلك تعددت عندهم الآلهة الملهمة للشعر و للفن و الادب، الى حد أن لكل نوع شعري إلهته الخاصة.
فكما أن مصدر الشعر مرتبط بالالهة بمعنى ان مصدره مقدس، فالامازيغ بدورهم يرجعون الإلهام الشعري الى المقدس, يصل اليه الشاعر وفق طقس مقدس.
هل لهذا الأمر علاقة بالفكر العقلاني الذي يتميز به الامازيغ؟
الأمر يتطلب دراسات و دراسات.

ذ. الحسن زهور.
_______________________
1- كتاب “ثمار القلوب في المضاف و المنسوب” لابي منصور عبد الملك النيسابوري، تحقيق محمد ابو الفضل ابراهيم، دار المعارف ص 80.
2- سقط الزند 2،ص 917. تحقيق مجموعة من الأساتذة بإشراف طه حسين. طبعة ثالثةمصورة عن نسخة دار الكتب 1945, الهيئة المصرية العامة للنشر.
3- للباحث عمر امرير ، جامعة الحسن الثاني كلية الآداب. الدار البيضاء، أصل الكتاب رسالة جامعية للباحث.
4- نفس المرجع ص 161.

أظهر المزيد

مقالات مرتبطة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Pin It on Pinterest

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: