السياسة

ناديري: لا مكان للإعلام الأحادي .. وثقافة “نْضَوي البلاد” فاشلة

اعتبر توفيق ناديري، الناقد الفني والصحافي، أن اقتحام قنوات عربية، سواء كانت فضائية أو إلكترونية، للفضاء السمعي البصري المغربي يعد قدرا لا مفر منه، معتبرا ألا مجال للاحتماء وتكريس الإعلام الأحادي في ظل الطفرة التكنولوجية العالمية.

وشدد الصحافي المغربي على استحالة الاستمرار في تبخيس عمل المبدع والفنان بشكل عام والمساهمة في تفقيره، معتبرا أنه لا يمكن للنقابات والهيئات ذات العلاقة بالممارسة المهنية أن تظل مستمرة في صمتها وسلبيتها إزاء ما يقع في المجال السمعي البصري من تهور وازدراء للمكون البشري في عملية الإنتاج.

وأكد ناديري، في إطار حديثه حول الحكامة في العملية الإنتاجية بالمغرب، على ضرورة تطبيق القانون على الجميع دون استثناء، وألا يتم السماح بالتلاعب بالمال العمومي دون مساءلة.

وإليكم نص الحوار مع الناقد الفني والصحافي توفيق ناديري.

  • تطرقت، في مقالات سابقة، لبعض حيثيات دخول قناة “إم بي سي 5” إلى المغرب.. ما هي التحديات التي ترافق هذا الولوج؟

يجب الاتفاق أولا أن اقتحام قنوات عربية، سواء كانت فضائية أو إلكترونية، للفضاء السمعي البصري المغربي يعد قدرا لا مفر منه.. وأعتقد أن هذا الولوج جاء متأخرا بالنظر إلى الطفرة التكنولوجية العالمية التي أصبحت فيها المعلومة متاحة والفضاءات مفتوحة للجميع، ولا مجال فيه للاحتكار أو تكريس الإعلام الأحادي؛ لكن السؤال الأكثر دقة: هل الفضاء السمعي البصري مهيئا لاستيعاب أو احتواء هذا المستجد؟ هذا أمر تتداخل فيه العديد من المعطيات.

أول المعطيات يتعلق بالقدرة على التنافسية بين قنوات تنتمي بشكل مبدئي إلى القطب العمومي وبتمويل حكومي محلي وبين قنوات خاصة تخصص لها إمكانيات مهمة، مع اختلاف هامش التحرك وتكريس الإبداع الحر والمستقل القادر على جلب قاعدة جماهيرية قوية ومستدامة.

ثاني المعطيات يهم وجود وتنافسية قنوات خاصة مثل قناة “شدى تي في” التي حصلت على ترخيص الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري وقناة “تيلي ماروك” التي تبث من خارج المغرب، بالمقارنة مع تنافسية قنوات عربية خاصة، وهي مقارنة صعبة يجب أن تأخذ بعين الاعتبار النموذج الاقتصادي للقنوات الخاصة المغربية الذاتية التمويل وبين القنوات الأجنبية ذات التمويل الضخم العالمي.

ثالث المعطيات أن بنية العملية الإنتاجية في المغرب تتميز بالهشاشة والضعف، لا سيما مع يتعلق بغياب اتفاقية جماعية تهم الوضعية القانونية لاشتغال للفنان المغربي، وهذا ما يدخله في مستنقع الاستغلال المحلي الذي يسقط حاليا على أغلب التعاقدات الإنتاجية الأجنبية.

رابع المعطيات أن فلسفة التعاطي مع الإنتاج الخارجي من لدن القنوات المغربية تشوبه العديد من الاختلالات البنيوية الخطيرة التي تخلق أجواء غير صحية بين كل الأطراف المتدخلة في صناعة الإعلام السمعي البصري المغربي؛ وهي اختلالات تجعل التعامل مع قنوات مجهولة التوجه أمرا مصيريا ومنقذا من الحيف أو الإقصاء البعيد كل البعد عن تكريس الفعل الإبداعي الصرف والناضج والتفاعلي والمواطن.

خامس المعطيات، وهو الأهم بتقديري، ويتعلق بحضور أو غياب مفهوم الحكامة؛ فإذا كانت القنوات الأجنبية تحكمها مساطر خاصة ما دامت بتمويل أجنبي يمنحها هامش المناورة أو التلاعب أحيانا، فالقنوات المغربية ملتزمة بنصوص قانونية تهم ضرورة احترام المساطر والشروط الخاصة بدفتر تحملات الشركات أو شروط دفتر تحملات لجان الانتقاء، مع مراعاة الجودة والجدة والتنافسية الشريفة البعيدة عن الشخصنة أو الدفاع عن مصالح شركات أو أشخاص دون سند قانوني واضح ولا تشوبه أي شائبة قانونية، وهذه بتقديري معادلة صعبة جدا.

سادس المعطيات، وتهم السوق الإشهارية؛ فإذا كانت الهيئة العليا قبل سنوات قد بررت عدم منح تراخيص لقنوات خاصة جديدة بعدم قدرة السوق الإشهارية على استيعاب دخول متعهدين جدد في إشارة للقنوات الخاصة، فقد أصبح الأمر الآن قدرا، ويجب التفكير في فتح نقاش عمومي وشجاع حول النموذج الاقتصادي الموحد للقطب العمومي والقطب الخاص الذي بدأ يتشكل بشكل تدريجي في المغرب.

-لنعد إلى النقطة الأولى، هل القطب العمومي قادر على التنافسية مع القنوات الخاصة المغربية والعربية؟

هذا نقاش سبق أن تطرقت له منذ سنوات، إن بناء قطب عمومي حقيقي ومهيكل يمكن أن يخلق تنافسية كبيرة ومهمة، لا سيما أن المشاهد المغربي متعلق بقنواته المحلية، سواء كانت عمومية أو خاصة..

وحينما نتحدث عن القطب يجب أن نعي ما نقوله، ولا نطلق التوصيفات بشكل عبثي واعتباطي؛ فالقطب يجب أن نخلق له الشروط القانونية والهيكلية والمالية واللوجستيكية والتقنية والبشرية.. وقبل هذا وذاك، يجب أن تتبلور إرادة سياسية واضحة حول ماذا نريد من هذا القطب العمومي؟ فهل يتعلق الأمر بتدبير شهور أم أننا نؤسس لمرحلة؟. هذا هو السؤال الجوهري الذي يجب أن يحسم فيه.

كيف تنظر إلى مستقبل القنوات الخاصة المغربية؟

يجب أن نتذكر أن القناة الخاصة “شدى تي في”، التي أسسها الإعلامي رشيد حياك، والقناة الخاصة، “تيلي ماروك” التي أسسها الإعلامي رشيد نيني، ظهرتا في فترة لم تكن فيها إرادة التحرير واضحة، واشتغلتا بالوسائل المادية المستقلة، على الرغم من الإكراهات التقنية التي جعلتهما يبثان من خارج المغرب، واستطاعا أن يقدما القيمة المضافة للمجال السمعي البصري، وأصبحنا نتحدث عن الإعلام المستقل والخاص.

لكن يجب أن ننظر إلى مستقبل القناتين في علاقة بالسوق الإشهارية المغربية الضعيفة، كما يجب أن نستحضر بشكل شجاع النموذج الاقتصادي للقنوات العمومية والقنوات الخاصة المغربية، ويجب البحث، بناء على تجارب دولية، عن صيغة لدعم الإعلام الخاص والقادر على إعطاء مبرر لوجود قطب عمومي في مقابل قطب سمعي بصري خاص، فلا يمكن أن تتنافس قنوات عمومية على الكعكة الإشهارية مع قنوات خاصة ذاتية التمويل.

أثرت فكرة ضعف بنية العملية الإنتاجية، ماذا تقصد بذلك؟

ما أقصده بشكل دقيق أنه لا يمكن أن نستمر في تبخيس عمل المبدع والفنان بشكل عام ونساهم في تفقيره، لا يمكن أن تبقى النقابات والهيئات ذات العلاقة بالممارسة المهنية، مستمرة في صمتها وسلبيتها إزاء ما يقع في المجال السمعي البصري من تهور وازدراء للمكون البشري في عملية صناعة الإنتاج..

ويجب أن نقولها بكل صدق وشفافية إن الفنان يحس بالغبن حينما لا يجد صدى لآلامه وصيحاته، لا يمكن أن نقبل باستمرار تكريس ثقافة النجم الوحيد (أنا وحدي نضوي البلاد) على حساب مئات الفنانين الذين يعيشون العطالة القسرية بسبب التواطؤ. كما لا يجب أن نقبل تبخيس أجرة الفنان المغربي، سواء في المنتوج المغربي أو الخارجي. من الصعب أن نقبل اشتغال هذا الفنان بشروط مجحفة دون حسب أو رقيب، يجب القطع مع ثقافة الجبن والصمت السلبي الذي يسيء إلى الفنان المغربي وصورته ووضعيته.

إن تبني اتفاقية جماعية تحدد الحقوق والواجبات للفنان المغربي في علاقته بالقنوات العمومية أمر في غاية الأهمية والراهنية، لا يمكن لقنوات أجنبية تشتغل وفق الأهواء والصداقات على حساب القاعدة الفنية الأكبر في المغرب ودون احترام للحقوق.. هذا عبث وهراء.

أشرت، في جوابك الأول، إلى إشكالية الحكامة في القنوات العمومية.. ما هي أبرز الاختلالات؟

إن العملية الإنتاجية الخارجية بالمغرب مؤطرة بقوانين صارمة تعزز الحكامة وتؤسس لفلسفة ربط المسؤولية بالمحاسبة، وهي بلورة لأساس دستوري واضح وحيوي جاء به دستور 2011. وهذا يعني أن العملية محاطة بسياج قانوني يتأسس على قانون الصفقات ودفتر تحملات الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة وشركة صورياد دوزيم ودفتر تحملات اللجنتين.

وهذا يعني أن العملية جلها تقع تحت طائلة المساءلة القانونية والتتبع الدقيق والجزئي من لدن الهيئات المختصة، وأي خرق في العملية يعد إجهازا على قانونية المساطر وروح القوانين، فضلا عن أن أي خرق هو بمثابة مس صريح بمبادئ الحكامة والشفافية وتكافؤ الفرص والتنافسية الشريفة والعادلة، وهي أسس دستورية واضحة ولا تحتاج إلى أي اجتهاد أو تواطؤ.

كما أن العبث بالقوانين أو التلاعب بها أو لا يمكن أن يتقادم أو يتم الالتفاف عليه بمبررات غير قانونية، القانون يجب أن يطبق على الجميع دون استثناء، ولا يجب أن يحس أي مسؤول أو عضو في لجنة ما بأنه فوق القانون أو يتخيل لمجرد التخيل، بأنه يمكن أن يخرق القانون أو يتلاعب بالمال العمومي، دون مساءلة حاليا أو مستقبليا، ولنا فيما يقع من متابعات واعتقالات وتتبع الإثراء غير المبرر في العديد من المؤسسات دليل واضح على عدم تقادم جرائم المس بالمال العام.

وإن الحكم على نجاح العملية أو فشلها رهينٌ بالعودة للتقارير المراقباتية والتفصيلية، التي واكبت وتواكب عملية تتبع تطبيق القانون في صفقات القنوات العمومية. كما أن هناك هيئات رسمية ومهنية يناط بها تعديل أو تقويم العملية بما ينسجم مع احترام القوانين الصارمة وخلق الجودة، وهذه معادلة بتقديري الخاص، صعبة لم ننجح فيها إلى حد الساعة

أظهر المزيد

مقالات مرتبطة

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Pin It on Pinterest

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: