أقلام حرة

القطاع السياسي غير المنظم كما عشت تفاصيله بمدينة انزكان

يُستعمل في الأدبيات الاقتصادية مصطلح القطاع غير المنظم، وهو يحيل إلى قطاعات غير منظمة أو غير مهيكلة، ولا تدخل في خانات القطاع الأول، أي الزراعي، ولا الثاني الصناعي، ولا الثالث، أي الخدمات، ولا تندرج في البيانات المعتمدة ولا الإحصائيات الرسمية، وقد يُشغّل ذلك القطاع فئات واسعة، ويسهم بنسب تختلف قوة وضعفا في الناتج القومي. ويمكن بالتبعية أن نتحدث عن قطاع سياسي غير منظم، بعيد عن خطاب الدولة، ولا يدخل في خانات الأحزاب، ويختلف مجاله وتأثيره حسب هامش الحرية الذي يسود في بلد ما والاحتقان الذي قد تعرفه المؤسسات القائمة.
اللافت هو وجود قطاع سياسي غير منظم في العالم العربي يزداد قوة أمام ضعف الدولة، أو القيمين عليها، وأزمة الأحزاب السياسية، وضعف المجتمع المدني المرتبط بالخارج وأدبياته.
كنت ضيفا على لقاء بمدينة إنزكّان المغربية، إحدى مدن منطقة سوس الأمازيغية، الأسبوع المنصرم، حول التحولات العالمية في الشرق الأوسط وشمال افريقيا. كان لافتا أن ينتظم لقاء حول ما يموج في العالم العربي، ليس في حاضرة، ولكن في مدينة من مدن الأطراف، وكان لافتا أن يتبنى اللقاء التسمية المتداولة عالميا، من الشرق الأوسط وشمال افريقيا…والطريف أو اللافت أن المدينة حاضرة من حواضر سوس الأمازيغية، وجرى الحديث في اللقاء والنقاش باللغة العربية الفصيحة. ولولا الآيات القرآنية التي افتتحت بها فتاة اللقاء، لكان اللقاء والنقاش مشابهين لأي لقاء لهيئة علمانية أو «حداثية». ولم يفت مرافقي، وهو إسلامي من حزب العدالة والتنمية، من الإسرار إليّ، في الطريق إلى الندوة، بضرورة تحييد الدين في الشأن العام، واحترام خصوصية الأفراد. كنت أمام شيء لافت، هو عدم مطابقة قوالبنا الذهنية لواقع معقد، مثلما كنت ألحظ أن أداة التغيير ليس التنظير، ولكن الواقع، وأن هناك تطورا في الجسم السياسي، لا تعكسه البنيات الفوقية من حيث الخطاب والاهتمامات.

سبب وجود قطاع سياسي غير منظم في العالم العربي هو الالتفاف على لوحات القيادة وتعطيلها، أو كسرها

في تلك العينة التي انتظمت أمام ناظري من هذا القطاع السياسي «غير المنظم» لفت اهتمامي تلهف الحاضرين لفهم ما يجري في العالم، كما لو أن ما يحدث بعيدا عنهم، له تأثير مباشر على سير حياتهم. كانت المحاور الكبرى للنقاش، في تدخلات المشاركين تنصب على مآل دول ثلاث من العالم العربي، السعودية ومصر والجزائر، وبخاصة على الديناميات التي تعتمل فيها، ومن شأنها أن تؤثر في المنطقة، فضلا عن الانتخابات الرئاسية الأخيرة في تونس. اللافت في التدخلات أيضا هو التركيز على الجانب الاجتماعي، وهو ضمنيا نعْيٌ للنظريات النيوليبرالية التي غلّبت الفعالية على العدالة، والإنتاج على حسن التوزيع. وكان الاتجاه الغالب في النقاش يذهب إلى أن الاختلالات الناجمة عن سوء توزيع الثروة لا يُحَل من خلال التصدي للأعراض، ولكن للأسباب، ولا محيد من دور فعال للدولة.
والعنصر الآخر الذي استشففته في ما انتظم في تلك العينة لقطاع سياسي غير منظم، هو أن أعمار غالبية المشاركين، هي أقل من ثلاثين سنة، وكلها مرتبطة بالثورة الرقمية، تعرف لغتها وتتقن أدواتها. كانت النتيجة التي انتهيت لها، هو أن القطاع السياسي غير المنظم، مشدود الاهتمام إلى ما يمور في العالم العربي، وأن أولى أولياته تنصب نحو الدمقرطة، أو على الأدق مثلما عبّر متدخل، على السيادة الشعبية، وأن هذا المسار لا يمكن أن ينعزل عما يجري في أرجاء أخرى من العالم العربي. أما الأولوية الثانية من أولويات القطاع السياسي غير المنظم، فهي حسن توزيع الثروة، بعيدا عن لغة الأرقام التي يكلف بها تكنوقراطيو الدولة، والسمة الثالثة، أن غالبية هذا القطاع من الشباب دون الثلاثين.
إنها ظاهرة تسائل كل متتبع وكل مهتم، تفرض تحدياتٍ على الدولة وعلى الجسم السياسي والقوى الحية، وأصحاب الرأي، كي يستجيب خطابهم للأولويات الثلاث، الدمقرطة والعدالة الاجتماعية وبث الأمل لشريحة مؤثرة في المجتمع، مكونة في الغالب من الشباب. سبب وجود قطاع سياسي غير منظم، في العالم العربي هو الالتفاف على لوحات القيادة وتعطيلها، أو كسرها. لوحة القيادة هي تلك المكونة من القوى الحية، من أحزاب سياسية مستقلة ومجتمع مدني فاعل وصحافة حرة، وقضاء مستقل ونزيه. كسر لوحة القيادة، يفضي إلى السياقة من غير معرفة بما يجري في المحرك. لوحة القيادة لا تزيد عن نقل ما يجري في دواليب المحرك، هي التي تنقل حجم البنزين في الخزان، ووضع البطارية، وماء المبرد، ولا يمكن سياقة سيارة من دون لوحة قيادة. يجري غالبا وضع لوحات قيادة صورية، تبدي صورا زاهية، غير مرتبطة بالمحرك تعطي صورة خاطئة للسائق، إلى أن تتعطل العربة.
كسر لوحات القيادة كما جرى في انتخابات مصر لسنة 2010، هو ما أبان بعد شهور عن تعطل المحرك، وذات الشيء في الجزائر، حينما فقد أصحاب القرار حينها وسيلة لمعرفة ما يمور به المحرك، واكتفوا بقراءة بيانات لوحات صورية، وذهلوا عما يمور في القطاع السياسي غير المنظم. المجتمعات التي استطاعت أن تعانق التغير عوض أن يفاجئها ويعصف بها، هي تلك استطاعت أن تتبني أفكارا جديدة وفعاليات جديدة، انطلاقا من الإبقاء على لوحة القيادة، من أجل معرفة ما يجري في المحرك. القطاع السياسي «غير المنظم»، يُعبر عن وعي، وهو حامل للتغير، وكلما تم الالتفاف عليه، وعدم الإصغاء إليه، انتقل إلى الشارع، وهو المحطة الطبيعية لمجتمعات كسرت لوحات القيادة أو استبدلتها بلوحات صورية، وكلما تم الإصغاء إلى المجتمع السياسي غير المنظم، أمكن تجنب المغامرة. لقد أصبح المجتمع السياسي غير المنظم فاعلا في العالم العربي، ومن العمى أن نذهل عن وجوده وتأثيره.

أظهر المزيد

مقالات مرتبطة

Pin It on Pinterest

إغلاق