أقلام حرة

العين الأخرى  :نتفليكس…هل هو موت معلن للسينما

  محمد بكريم

للسنة الثانية على التوالي يطرح مهرجان البندقية سؤالا وجوديا على قطاع السينما وذلك باستضافته ضمن مسابقته الرسمية أفلام من انتاج منصة نتفليكس. في دورة 2018 حقق الموسترا (وهو أعرق تظاهرة سينمائية) ضربة إعلامية و سبق مهني فريد عند منحه لجائزته الكبرى (الأسد الذهبي) لفلم “روما” للمخرج المكسيكي الفونصو كوارون. و قد اعتبر الحدث مثيرا لأن الفلم أنتج خصيصا للعرض للجمهور المشترك في المنصة الأمريكية في حين أن العرف السائد هو أن المهرجانات السينمائية مناسبة لتقديم أفلام موجهة بداية للتوزيع التجاري على شبكة القاعات السينمائية. بل تشكل هذه المهرجانات موعدا للموزعين والمستغلين للتسوق وعقد صفقات مع المنتجين لبرمجة أفلامهم حسب نسق متفق عليه ينظم عملية بث الافلام وهو المعروف ب”كرونولوجيا الوسائط” .

 يخضع عرض الفلم حسب ترتيب يضع القاعة السينمائية في مقدمة الموزعين. وتعتبر فرنسا من أكبر المدافعين عن هذه المنظومة الخاضعة لضوابط صارمة وترتيب زمني دقيق:

– العرض الأول: القاعة السينمائية

– بعد أربعة أشهر : فيديو تحت الطلب/ قرص دف د

– بعد 10 أشهر قناة كنال بليس

–  بعد 22 شهر: القنوات الشريكة في انتاج الفلم

– بعد 30 شهر: القنوات الأخرى

– بعد 36 شهر: فيديو تحت الطلب (مؤدى عنه)

– بعد 48 شهر: فيديو تحت الطلب (مجانا)

هذا النظام الدقيق الذي سمح لفرنسا ان تعرف حركية سينمائية متميزة ووتيرة انتاج مستمرة وإقبال منقطع النظير على القاعات السينمائية (أكثر من 200 مليون تذكرة نباع سنويا).

غير أن رياح التغيير بدأت تهب بقوة قادمة من الولايات المتحدة زارعة بذور الشك في منظومة ربما تظهر ملامح محدوديتها. ففي أواخر سنة 2007 وعلى اثر إغلاق شركات سينمائية كبرى (بارامنت, مراماكس, نيو لاين…) اثر عجزها التجاري و رغم النجاحات الفنية لبعض أفلامها (من انجاز مثلا الأخوين كوين أو بول توماس اندرسون…) ستظهر وفق المنظومة الرأسمالية الجشعة شركات ستضع نظاما استغلاليا جديدا يتجاوز العرض التقليدي للقاعة السينمائية بتوفير تحت الطلب.

 وسمح هذا الأسلوب الجديد في توصيل أفلام محدودة التوزيع إلى جمهور متعطش لتنوع في العرض, فمثلا منذ البداية وضعت نتفليكس نصب عينها 300 ألف إيراني المقيمين بالولايات المتحدة وفي هذا الاتجاه قامت باقتناء جميع الأفلام المتوفرة لدى الموزعين. ونتفليكس تعتمد مقاربة ثقافية في تنظيم سوق مشتركيها (توجه سائد اخل جزء من النخبة الأمريكية المتشبعة بنظرية “الدراسات الثقافية كولترال ستوديز”).ويتجلى ذلك حضور العربية في ترجمات عموما جيدة في العرض الموجه للناطقين بالعربية مع توفر مجموعة من عناوين أفلام و سلسلات قادمة من الشرق الأوسط.

إننا أمام تحول تاريخي لم تعد فيه القاعة السينمائية الوطن الأصلي للفلم السينمائي. وقد تبدو مجتمعاتنا خارج هذا النقاش فسينمانا “تعيش” من زمان بدون سوق داخلية .ف 95 في المائة من مدننا لا تتوفر على قاعة عرض سينمائي.

    محمد بكريم

أظهر المزيد

مقالات مرتبطة

Pin It on Pinterest

إغلاق