أقلام حرة

العين الأخرى: أي نموذج سينمائي لأي نموذج تنموي؟

محمد بكريم//

أعاد خطاب العرش لهذه السنة النقاش حول “النموذج التنموي” الى نقطة البداية. أو نقطة الصفر بالأحرى. وهذا في حد ذاته مؤشر بليغ ودال ينفتح على قراءات متعددة و استنتاجات تصب في مجملها في تأكيد لمعطى يسم هذه المرحلة و هو الأزمة العميقة و الهيكلية لمنظومة سياسية كانت مبنية على وهم كبير نلخصه في مفهوم “التمثيلية” واعلان عن فشل نظام الوسائطية الاجتماعية التي جسدتها لمرحلة الأحزاب والنقابات, اللجوء إلى هيئة خارج هذه المنظومة التقليدية بحثا عن نموذج تنموي تعبير عن وصول المنظومة برمتها الى الباب المسدود. ان اللجوء الى تشكيل لجنة مختصة لا يشكل إلا نوع من الحل المؤقت لأن بلورة مشروع لنموذج تنموي لايمكن أن يتحقق خارج صراع القوى الاجتماعية والذي يحسم فيه في أخر المطاف سيطرة وهيمنة قوى اجتماعية تتحكم في دواليب السلطة. ليس هناك نموذج تنموي لايعكس تصورا مهيمنا داخل المجتمع, ان الديمقراطية من حيث المبدأ هي تنافس و صراع بين مشاريع مجتمعية متباينة والحاصل أن ماعشناه طوال سنوات هو أن الديمقراطية تحولت الى تنافس حول المناصب واللعبة الانتخابية أصبجت رهينة طبفة اجتماعية جديدة مكونة من المنتخبين همها هو اعادة انتاج نفسها. وتم تفريغ النقاش السياسي من محتواه الفكري وتعويضه بمصطلحات فضفاضة مستوحاة من الحقل المعجمي لصندوق النقد الولي ( الفقر – الهشاشة – الفئات المهمشة…)

والحاصل أن الخروج من هذه الوضعية الهجينة يتطلب قطيعة فكرية و ابستمولوجية مع هو سائد من المقاربات التسييرية (management) و الانفتاح على أطروحات جذرية تعيد النظر في كثير من البديهيات بما فيها مفهوم “التنمية” و “معدل النمو” و التصنيع …هذا يطرح على كل الفاعلين إعمال التفكير كل في مجال تدخله
وهذا يشمل قطاع السينما الذي يعاني نموذجه الاقتصادي من أزمة هيكلية تنعكس على عطائه الفني و الاشعاعي.
إن إحدى سمات مرحلة التحول التي تعيشها السينما المغربية تكمن في استنفاد منظومتها الإنتاجية لدينامكيتها التي أطلقها صندوق الدعم العمومي. إن أزمة الإبداع الفني، التي أصبحت لازمة لبعض الخطابات، تعود أولا إلى أزمة نمط الإنتاج السائد والذي يستدعي طفرة جديدة بدأت ملامحها تظهر هنا وهناك تحت تأثير الثورة الرقمية (أفلام يتم إنتاجها بالهاتف الذكي) وتأثير وصول جيل جديد من المخرجين لم يكتشفوا السينما في القاعات السينمائية؛ بل عبر الوسائط الاتصال الرقمية الجديدة.
السينما الجديدة تستدعي بالضرورة اقتصادا سياسيا جديدا. لنتأمل لحظة الوضع التجاري العام للسينما المغربية لنصل إلى خلاصة أولية مذهلة: إن الدولة تضخ سنويا في القطاع حوالي 110 ملايين درهم (مكسب نعتز به ويجب الحفاظ عليه وتطويره) مقابل رقم معاملات لا يصل إلى 50 أو 60 مليون درهم، ثم إن الدعم العمومي للسينما (70 مليون درهم) ينتج حوالي 20 فيلما سينمائيا لا يتجاوز عدد مشاهديها 400 ألف سنويا. إنه عجز صارخ لا يمكن أن يستمر.
إن القفزة التي ندعو إليها ثقافية جمالية واقتصادية. يجب تبني منطق آخر يتجلى في نمط إنتاج جديد يقطع مع الأسلوب السائد حاليا، والذي يعتبر متجاوزا؛ لأنه يعيد إنتاج بطريقة بدائية النمط الهوليودي (انظر فيلم دالاس وانتقاده بسخرية لأجواء إنتاج فيلم مغربي).
نمط جديد يتبنى التبسيط والعقلانية وعلاقات إنتاج ناجعة وفعالة (حول عدد التخصصات داخل طاقم التصوير حيث يمكن دمج بعضهما في بعض، حول مدة التصوير، حول الآليات)..
سينما فقيرة أي أفلام بأقل تكلفة أو بتكلفة أقل إن صح التعبير، وهذا لا يعني فقيرة في خيالها وتفكيرها.
ولنا تجارب عالمية ومحلية في هذا الاتجاه. إن الطفرة النوعية التي عرفتها السينما الفرنسية في بداية الستينيات جاءت نتيجة الثورة التي أنجزتها الموجة الجديدة في نمط الإنتاج حيث جرى تحرير هذه السينما من ضغط وثقل المنتجين التقليديين. وبالتالي تم تحرير الخيال وانتقلت السينما إلى اكتشاف جغرافية جديدة في المكان والخيال.
وفي المغرب استطاعت بعض الأسماء أن توقع على أفلام جد متميزة بأسلوب إنتاجي خفيف وكتابة جديدة، لعل أبرزها فيلم “هم الكلاب” لهشام العسري؛ فبميزانية الدعم الحالية يمكن إنتاج 60 فيلما في السنة مع ما يرافق ذلك من انعكاس إيجابي على اشتغال كتّاب السيناريو والتقنيين والممثلين…
وفي نقاش مع أحد أبرز مخرجي هذه المرحلة الذي وقّع على أفلام نالت جوائز وطنية وقارية دافع عن الفكرة نفسها مقترحا أن ينحصر الدعم العمومي في معدل مليون درهم للفيلم على أساس أن يتم بشكل جذري حل إشكاليات التوزيع والقاعات السينمائية. التوزيع الجماهيري هو مفتاح الانتقال إلى مرحلة جديدة في السينما المغربية.
إن تجربة سينما نوليوود (نسبة إلى نيجيريا) تساءلنا بقوة وتدعونا إلى إعادة التفكير في أفلام تنتج بأموال ضخمة دون أن تجد صداها لدى محيطها الأول وهو مجتمعها.

أظهر المزيد

مقالات مرتبطة

Pin It on Pinterest

إغلاق