أقلام حرة

بين التكوين المهني والتكوين الجامعي : أي إنسان نريد؟

 

 

الحسين بويعقوبي

أثار الخطاب الملكي الأخير بمناسبة ذكرى ثورة الملك والشعب ( 20 غشت 2019) نقاشا ركز أساسا على النقطة التي أثار فيها الملك التكوين الجامعي والتكوين المهني, حيث فهم منها نوع من التشجيع على التكوين المهني بدل التكوين الأكاديمي الجامعي. هذا الأخير الذي استنفذ أهدافه في تكوين أطر وزارة التربية الوطنية والأجيال المساهمة في بناء دولة الإستقلال ثم منظري مختلف التيارات الفكرية التي بنت المغرب المستقل. خلال هذه الفترة كان التكوين المهني ملجأ لمن لم يستطع لسبب أو لآخر استكمال تعليمه الجامعي، كما تعقدت مساطر وإمكانيات التسجيل في الدكتوراه طيلة النصف الثاني من القرن العشرين، حيث اضطر من له رغبة في الحصول على الدكتوراه للهجرة الى الخارج خاصة فرنسا. ومع مرور الزمن تغيرت متطلبات سوق الشغل في المغرب دون أن تسايره التكوينات الجامعية ذات الإستقطاب المفتوح فاختارت العائلات الميسورة المدارس الخاصة والمعاهد المتخصصة الأجنبية لضمان مستقبل أفضل لأبنائها، بتهييئهم لتولي المناصب العليا في تسيير الدولة، في مقابل بقاء التعليم العمومي حصرا على أغلبية الفئات الشعبية، ولا يسمح إلا استثناء لأبناء الفقراء بالرقي الإجتماعي، الذي أصبح مرتبطا باللغات الأجنبية أساسا وبالتكوين في ميادين محددة. فالسياسة التعليمية كما وضعت مند الإستقلال كرست علاقات الهيمنة في المجتمع وأعادت إنتاج تراتبية اجتماعية تسمح للأغنياء وذوي القرار بالحفاظ على موقعهم على حساب الفقراء الذين يجدون صعوبة في تجاوز وضعهم، وفي أحسن الحالات ينتقل بعضهم ليصبح ضمن ما يعرف ب”الطبقة الوسطى”. هذه الأخيرة التي تضمن التوازن في كل المجتمعات أضحت في المغرب تقترب إلى الطبقة الفقيرة أكثر مما تقترب من الفئة الغنية.
إن التكوين المهني في حد ذاته ليس عيبا، باعتبار حاجة المجتمع لمتخصصين في مختلف المهن، لكن هذا المجال مفتوح فقط وبالضرورة لأبناء الفئات الشعبية، أي تكوين يد عاملة ستشتغل لدى أبناء الفئات الميسورة التي تتولى بحكم تكوينها مناصب التسيير. كما يمكن لذوي المهن وفي حالات معينة خلق مؤسسات وشركات صغرى قد تشغل بعض الأفراد وتساهم في تقليص نسبة البطالة.
في خضم هذا النقاش يطرح السؤال حول دور الجامعات ذات الإستقطاب المفتوح، خاصة كليات الآداب واللغات والعلوم الإجتماعية، كما يطرح إشكال الطالب خريج الجامعة الذي نريد وما هي الإمكانات المعرفية التي يجب أن يتوفر عليها وما موقع القيم والفكر النقدي والتكوين السياسي والبحث العلمي في مضامين التكوين الجامعي إذا كان المطلوب هو الإستجابة لسوق الشغل الذي يبحث عن “آلات”تشتغل وليس عن ذوات تفكر.
الأكيد أن معضلة البطالة تؤرق الجميع، دولة ومجتمعا، وشاب ذو مورد محترم قار خير من شاب معطل و فاقد للأمل حيث يصبح عرضة لكل الإحتمالات. لكن في نفس الوقت تكوين أجيال عاملة دون حد أدنى من الفكر ولا رأي له في مختلف القضايا التي تهم مستقبل بلده ولا منظور لديه للحياة ولا حس فني أو أدبي لديه قد تكون له مستقبلا عواقب وخيمة على الوطن. فالهدف من كل تكوين، مهنيا كان أو جامعيا، هو تكوين الإنسان أولا ليكون ذاة مفكرة وصالحة لنفسه ولبلده، ويجب أن يضمن نفس الحظوظ للجميع في العيش الكريم والترقية الإجتماعية.

أظهر المزيد

مقالات مرتبطة

Pin It on Pinterest

إغلاق