أقلام

اليسار المغربي: نحو مراجعة جذرية لخياراته الهوياتية

عبد الله الفرياضي *

أعادت مقتضيات الأرضية الإديولوجية – التي شرعت السكرتارية الوطنية لمشروع حزب التغيير الديمقراطي في الترويج لها مؤخرا – أعادت النقاش من جديد حول ارتهان اليسار المغربي لأطروحة القومية العربية، مع ما يترتب عن هذا الإرتهان من إشكالات تمس تصور تنظيمات هذا اليسار لطبيعة الهوية الجمعية للشعب المغربي.

فرغم أهمية المُنجَز النضالي والترافعي الذي حققته الحركة الأمازيغية منذ الإستقلال وعلى مدى العقود الماضية، إلا أن أغلب أحزاب الصف اليساري المغربي لم تستطع تحقيق مراجعة حقيقية تمس أدبياتها السياسية المتعلقة بالإشكال الهوياتي الجمعي للمغاربة. بل ظلت وفية للمبادئ المؤسسة لليسار البعثي والناصري المستمدة أساسا من تنظيرات رواد القومية العربية أمثال قسطنطين زريق وساطع الحصري وجورج حبش وميشيل عفلق ثم محمد عابد الجابري وعلال الأزهر على المستوى المغربي.

ولتوضيح المواقف المبدئية للتنظيمات الحزبية المنتمية إلى اليسار المغربي من قضية الهوية؛ يمكننا تفيئة هذه التنظيمات إلى ثلاثة فئات على النحو التالي:

تنظيمات اليسار التقليدي: ونقصد بها أساسا حزبي الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والتقدم والإشتراكية. إذ في الوقت الذي استطاع فيه رفاق علي يعتة تطوير تصور نظري متقدم نوعا ما في ما يتعلق بالإقرار بالطابع التعددي لروافد الهوية الوطنية من خلال تنصيص مذكرتهم الخاصة بالتعديل الدستوري سنة 2011 على ضرورة اعتماد الأمازيغية كلغة رسمية. ظهر رفاق المهدي بن بركة مشدودين بشكل نوستالجي إلى أطلال القومية العربية باقتراحهم التنصيص الدستوري على الأمازيغية بوصفها لغة وطنية فقط.

تنظيمات اليسار الجديد: ونعني بها أساسا الأحزاب الثلاثة المشكلة لفدرالية اليسار الديمقراطي. حيث لا يخفي حزبا الطليعة والمؤتمر الوطني الإتحادي دفاعهما عن القومية العربية كمنظومة إديولوحية والوحدة العربية كخيار استراتيجي مع التعبير عن مناهضتهما الصريحة للهوية الأمازيغية للمغرب. وهو ما عززاه بالإكتفاء في مذكرتيهما المرفوعتين إلى لجنة التعديل الدستوري لسنة 2011 بالمطالبة بالتنصيص على الأمازيغية كلغة وطنية فحسب. وهو الأمر الذي اختلف فيه معهما الحزب الإشتراكي الموحد حليفهما في الفدرالية، حيث طالب بالتنصيص في الوثيقة الدستورية على الأمازيغية بوصفها لغة رسمية، لكنه لا ينفك في المقابل إلى الدعوة إلى تحقيق وحدة عربية تضم كل دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا !

تنظيمات اليسار الراديكالي: يمكننا الإكتفاء في هذا الإطار بنموذج حزب النهج الديمقراطي، على اعتبار عدم وجود تنظيمات حزبية أخرى تتبنى نفس التوجه. فحزب النهج وإن كان يقدم نفسه كمدافع عن ترسيم الأمازيغية إلى جانب العربية، فإن مطلبه هذا حسب أطروحات مؤتمريه الثالث والرابع إنما ينطلق من تصور معين للهوية الوطنية التي يشدد على ضرورة أن تفضي إلى وحدة الشعوب المغاربية في أفق وحدة شعوب العالم العربي !

الخلاصة التي يمكن الوصول إليها من خلال استقراء مواقف مختلف التنظيمات الحزبية المنضوية تحت لواء اليسار المغربي تتلخص في كون هذه الأحزاب ما تزال رهينة للنسق الإديولوجي للقومية العربية ولم تتمكن بعد من إنجاز مصالحة تاريخية وجذرية مع العمق الهوياتي للمغرب، وإن كانت بعضها تحاول الظهور بمظهر المدافع المنافح عن الأمازيغية، فإنما بشكل خجول ومحتشم وداخل منظومة القومية العربية نفسها.

وبخلاف هذا التصورات التي أضحت متجاوزة للهوية الجمعية للشعب المغربي، اجترحت أرضية حزب التغيير الديمقراطي لخيار هوياتي بديل مؤسس على مسلمة أنثروبولوجية مفادها أن مفهوم الهوية الجمعية ينطوي في بنيته العامة على عناصر الثبات المستمرة عبر  الزمان والمكان بالقدر ذاته الذي تعتريه عوامل التحول المساعدة على مواكبة العصور والتأقلم مع مختلف المتغيرات. وهو ما يعني بالنتيجة أن الهوية الجماعية للشعب المغربي وإن كانت نتاج فعل تراكمي ساهمت العديد من البنيات الثقافية والحضارية في تشكيله عبر التاريخ (التأثير الفينيقي – الروماني – الوندالي – البيزنطي – العربي – الإسلامي- اليهودي – المسيحي…) فإنها ظلت رغم ذلك محافظة على جوهرها الأمازيغي الثابت منذ آلاف السنين.

وبخلاف إرتكان العرض السياسي اليساري القائم إلى الفرش النظري الذي أسس له منظروا القومية العربية في مواجهة سياسة التتريك العثمانية، شدد حزب التغيير الديمقراطي على أن الشعب المغربي قد تمكن من ضمان استمرارية الجوهر الثابت في هويته من خلال آلية الممانعة الحضارية التي ظل يتمتع بها منذ القدم في مواجهة مختلف عمليات الإلحاق الحضاري التي تعرض لها، مما أهله ليتفاعل بالأخذ والعطاء مع مختلف الحضارات الوافدة التي استدمج بعضا من مقوماتها الثقافية دون أن ينصهر فيها بشكل نهائي.

ليبقى السؤال الذي أثارته أرضية مبادئ “التغيير الديمقراطي” هو: هل يستطيع اليسار المغربي أن يحقق ثورة إديولوجية فعلية، تمكنه من إنجاز مصالحة تاريخية مع تاريخ المغرب وحضارته ويأخذ بزمام التغيير الديمقراطي الفعلي من جديد، أم أن الجمود العقدي سيظل مطوقا بأغلاله على أدبياته السياسية؟

*عبد الله الفرياضي: عضو السكرتارية الوطنية لحزب التغيير الديمقراطي المكلف بالعلاقات الخارجية

أظهر المزيد

مقالات مرتبطة

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Pin It on Pinterest

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: