أقلام

عن المشروع المجتمعي للخطاب الامازيغي

الصافي مومن علي//

من المحقق ان الخطاب الامازيغي يتميز عن غيره من الخطابات الفكرية الاخرى المتواجدة في بلادنا بخصوصية مفاذها انه لم يكن في بداية ظهوره مشروعا فكريا محددا ، واضح المعالم والأهداف ، بل كانت ملامحه تتشكل مع مرور الزمن، بمبادرة رواده افرادا وجمعيات، متكيفا في نموه مع الظروف والحاجات والاهتمامات وكذا الإكراهات ، ما جعل مساره في حياته شبيها بمسار كائن حي يترعرع ببطء وبشكل تدريجي ، ولهذا اعتقد أن مقاربته بصفته هذه ، ككائن حي تجعلنا قريبين اكثر من فهم تشكلاته المختلفة ، وانه في هذا السياق يمكن تشبيه نموه بنمو شجرة سنديان فتية ، وسـط أعشاب وأشجار اخرى معادية تحاصرها من جميع الجوانب لمحاولة خنقها ، فنعتبر بذالك ريادة الأستاذ محمد شفيق في الاهتمام بالتراث الشفوي الأمازيغي لإبراز جوانبه الإيجابية المجهولة ، بمثابة البدرة الاولى لهذه الشـجرة الامازيغية ، ونعتبرتأسيس الجمعية المغربية للبحث والتبادل الثقافي التي نقلت الخطاب الأمازيغي من العمل الفردي المعزول ، الى العمل الجمعوي الجماعي بمثابة انبثاق غصنها الأول ، ثم نعتبر تحول هذه الجمعية من الدفاع عن الثقافة الشعبية الامازيغية ، الى الدفاع عن إحياء اللغة الأمازيغية بالذات ، عن طريق الإبداع والكتابة بها ، عوض مجرد الكتابة عنها بلغات أخرى ، أقول أن هذا التحول النوعي الهام شكل بزوغ غصــنها الثاني ، كما شكل تأسيس جمعية تاماينوت غصنها الثالت نظرا لما قامت به هذه الجمعية من نقلة نوعية للخطاب الامازيغي بربطها اياه بالحقوق اللغوية والثقافية، وشكل ايضا تأسيس جمعية الجامعة الصيفية بأكادير انبثاق غصنها الرابع على اعتبار أن الخطاب الأمازيغي برهن من خلال اعمال هذه الجمعية ، على اعتماده على ركيزة العقل وعلى ما أفرزه هذا العقل من علوم وتقنيات حديثه ، في الإقناع بمشـروعيته وبنبل أهدافه ، معلنا لاول مرة عن تبني هذا النهج العلمي – المعتمد على قوة حجة وليس على حجة القوة – في ندوة السبت 23 غشت 1980 المنعقدة في الدورة الأولى لهذه الجمعية ، أما ميثاق اكادير التاريخي الصادر عن تكثل الجمعيات الامازيغية الرائدة المعروفة ، فيمكن اعتباره بمثابة بزوغ غصنها السادس ، الذي انتقل به الفعل الأمازيغي من النضال الجمعياتي الداخلي المحدود ، الى النضال الجمعوي المشترك والموحد ، ذي الطابع السياسي من منطلق صياغته – في هذا الميثاق – تصوراته في شكل مطالب محددة موجهة لاول مرة الى السلطة والى الرأي العام ، كما يعتبر تأسيس مجلس التنسيق بين الجمعيات الأمازيغية الهادف الى تطوير العمل الأمازيغي المشترك ، بمثابة غصنها السابع ، والكونجريس العالمي الأمازيغي بمثابة غصنها الثامن ، هذا وبعد ان فقد العمل الامازيغي قوته ووهجه بسبب تأزم مجلس التنسيق وانحلاله ، جاء بيان شفيق من أجل أمازيغية المغرب ، ليعيد الى هذا العمل حيويته ونشاطه فشكل بذلك غصنها التاسع.
وطبعا لا يمكن لاحد أن ينكر ما اعطاه خطاب العرش لسنة 2001، وكذا خطاب أجدير لنفس السنة ، من دفعة قوية للخطاب الامازيغي ، اذ بفضلهما ازداد هذا الخطاب انتشارا وتوسعا ، وبفضلهما أحدث لاول مرة في التاريخ معهدا يعنى باللغة الامازيغية وبتطويرها وتوحيدها ، ولذلك أرى ان مفعولهما الكبير في المحافظة على الامازيغية وفي النهوض بها ، له قوة السـماد الغذائي الضروري ، الذي أمد الشجرة الأمازيغية ككل بقوة الحياة التي كانت بحاجة اليها، والذي زاد جدعها صلابة وضخامة واستقامة.
ومما يلاحظ انه على الرغم من تتويج الخطاب الامازيغي بصدوردستور سنة 2011 الذي نص على ترسيم الأمازيغية ، وعلى الاعتراف بالبعد الامازيغي في الهوية الوطنية ، فإن نمو شجرته لم يتوقف ، بدليل انبثاق أغصان أخرى جديدة لهذه الشجرة من قبيل الغصن الذي ربط الخطاب الامازيغي بالدفاع عن الأرض ، وعن الممتلكات الخاصة لحمايتها من الضم الى الملك الغابوي ، ومن الاستغلال الجشع للشركات التجارية، وكذا الغصن الذي ربطه بالعلمانية وبالدولة المدنية التي تقر بالهوية الأمازيغية للمغرب ، ثم ايضا الغصن الذي ربطه بدستور ديموقراطي يكرس حقوق الإنسان ، ويعتبر القانون الطبيعي والأعراف الأمازيغية المتطابقة مع هذا القانون مصدرا للتشريع ، مع إقرار سـمو المعاهدات والاتفاقيات الدولية على القانون الوطني.
ومما لاشك فيه ان هذا التشخيص التوضيحي لنمو الخطاب الامازيغي سيثير بداهة في الذهن هذا السؤال :
– ما هو يا ترى المدى الاعلى لهذه الشجرة الامازيغية ؟ أو بعبارة أوضح ، متى يكتمل بالضبط نمو الخطاب الامازيغي ؟
والحق انني كنت مشغولا كثيرا باشكاليات هذا السؤال ، ما جعلني اطرحه على اعضاء اللجنة المكلفة بصياغة البيان الختامي للدورة العاشرة لجمعية الجامعة الصيفية سنة 2012 ، على اعتبار ان الخطاب الامازيغي كان في ميثاقه الصادر باكادير ، قد ركز كل مشروعه على الاهداف التالية : الاقرار بمشروعية اللغة الامازيغية مع التنصيص عليها في الدستور، وادماجها في التعليم والاعلام وفي مجالات الحياة العامة ، ثم على الاعتراف بالبعد الامازيغي في الهوية الوطنية ، ثم ايضا على انشاء معهد للدراسات الامازيغية ، فجاء دستور سنة 2011 ليستجيب لكل هذه الاهداف ، بل ويزيد عليها أهدافا اخرى أكثر تقدمية ، مثل تحرير ارض وطننا من التبعية للوطن العربي في الشرق، بتأكيده انتمائها الى وطنها الام: المغرب الكبير ، والتنصيص كذلك على جعل الامازيغية لغة رسمية ، وهما المبتغين الذين لم يكونا واردين في ميثاق اكادير السالف الذكر، وانه والحالة هذه فان الحركة الامازيغية ان لم يكن لها اهدافا اخرى جديدة ، فان مشروعها يمكن ان يعتبر في حكم المنتهي بصدورهذا الدستور، من منطلق ان الاقتصار فقط على المطالبة بتفعيل مقتضياته ، لا يعتبر من قبيل الاعمال الاستراتيجية الكبيرة للخطاب ، بل فقط من قبيل التدابير الاجرائية والتنفيذية ، وبعد تداول اعضاء اللجنة في كل الاشكاليات المطروحة صاغت بيانا في شكل نداء سمته : ” نداء اكادير” الذي يستشف منه تبني الحركة الامازيغية لاهداف استراتيجية جديدة تعلن بموجبها للرأي العام ان مشروعها المجتمعي لم ينته بعد.
اذن يبدو مما سبق ان الخطاب الأمازيغي بعد ان كان في بداياته يعمل من دون ان يتوفر مسـبقا على مشـروع فكري محدد ، واضح المعالم والأهداف ، فإنه حاليا يمكن القول ان ملامح مشروعه أصبحت واضحة ، وشبه محددة ، بإمكان أي ملاحظ لبيب أن يرصدها من جماع أعمال وأدبيات هذا الخطاب منذ نشأته الى الآن.
هذه الملامح يمكن حصرها في ما يلي :
أولا : أن هذا الخطاب يعتبر في جوهره قضية وجود ، اي قضية حياة او موت ، لأنه في سعيه الى بعث الحياة في اللغة الأمازيغية ، وكذا بعثها في الشعب الأمازيغي ، يجعل من نفسه بامتياز حركة إحياتية ، بالنظر الى هدفه النبيل الرامي الى ضخ الحياة في هذين الكائنيين الحيين الطبيعيين.
وهنا اعتقد ان تعريف ارسطو للحركة يجعلنا مدركين لقيمة هذا الهدف الاحيائي السامي الذي كرس الخطاب الامازيغي حياته من اجله ، فهذا الفيلسوف قسم الحركة الى ثلاتة انواع هي :
1)- حركة تبتغي من عملها نقل الشيء من العدم الى الوجود ، اي من الموت الى الحياة ، وهذه الحركة تسمى حركة احياء ، لاستهدافها مد الشيء بالحياة.
2)- وحركة ثانية هي نقيض للاولى لابتغائها من عملها نقل الشيء من الوجود الى العدم ، اي من الحياة الى الموت ، وهذه الحركة تسمى حركة ابادة وقتل ، لتوخيها انتزاع الحياة من الشيء.
3)- ثم حركة ثالتة تقصد من نشاطها نقل الشيء من وجود ، الى وجود اخر ، وهذه تسمى حركة تغيير ، لانها تبقي على الشيء مع تغيير شكله او مكانه.
اذن، بتطبيق هذا التعريف الارسطي على حركات المجتمع المدني المنتشرة في بلادنا في تعاملها مع اللغة الامازيغية ، نفهم ان الحركة الامازيغية تصنف ضمن النوع اللاول اي حركة احياء لاستهدافها اعادة الحياة الى هذه اللغة ، بينما حركة القومية العربية وكذا الحركة الاسلامية تصنفان ضمن النوع الثاني لتوخيهما زرع الموت فيها.
ثانيا : ان الخطاب الامازيغي يعتبر كذلك خطابا تحرريا ، لأنه في سعيه الى تحرير وطننا من التبعية للوطن العربي في الشرق ، فانه بذلك يجعل من نفسه أيضا حركة تحررية حقيقية ، تراهن في نضالها من أجل كرامة شعبنا ، بتحقيق سيادته الكاملة القائمة على الأثافي الأربع التالية :
– سيادة الوطن
– سيادة الكيان
– سيادة اللسان
– وسيادة الجنان ، أي سيادة العقل ، من منطلق ادراك ان الاركان الاربعة للسيادة الكاملة ، لا تتحقق الا بسيادة العقل.
هذا ومما يؤكد الطابع التحرري للخطاب الامازيغي ، سعيه كذلك الى تحرير تاريخنا القديم من الاقصاء والتهميش ، وسعيه ايضا الى استرداد إنتاجنا الثقافي والحضاري لمختلف العصور من الهيمنة الأجنبية.
ثالتا : انه ايضا خطاب تنويري ، لأنه في اعتماده على العقل وعلى ما أفرزه هذا العقل من علوم وتقنيات حديثة ، يجعل من نفسه حركة تنويرية ، تراهن على تخليص مجتمعنا من القصور الفكري ، الذي قيده عن الالتحاق بعالم الأنوار والتطــور.
رابعا : انه خطاب نهضوي ، لأنه بسعيه الى تحقيق دولة مدنية علمانية تقر بحقوق الإنسان ، وبدسـتور ديموقراطي يعتبر القانون الطبيعي والاعراف الأمازيغية المتطابقة معه مصدرا للتشريع، مع سمو المعاهدات والاتفاقات الدولية على القانون الوطني، فانه بذلك يجعل من نفسه حركة نهضوية ، تراهن على تقدم مجتمعنا ، بوضعه في الطريق الصحيح للحداثة وللرقي.
ومن المفارقات العجيبة أن المرتكزات التي كانت الشعوب الأوروبية قد استندت عليها في نهضتها، والتي تتمثل كما هو معلوم في:
1- انفتاحها على تراثها القديم وعلى التاريخين اليوناني والروماني.
2- واعتمادها في نهضتها على لغاتها الوطنية المحلية بدلا من اللغة اللاتينية السائدة
3- ثم اعتمادها أيضا على استخدام العقل بغير توجيه من أي كان، وإيمانها بقدرة هذا العقل على السير بها في طريق نهضتها.
أقول هذه المرتكزات نفسها استند عليها الخطاب الأمازيغي في مشروعه النهضوي ، بدليل انفتاحه على تاريخ شعبنا القديم بعد أن كان هذا التاريخ يعتبر في عرف ثقافتنا السائدة من مخلفات الجاهلية المنبوذة ، وبدليل ايضا انه دعا الى اعتماد اللغة الأمازيغية الوطنية في الثقافة وفي التنمية ، ثم بدليل ثبوت استخدامه للعقل وما أفرزه هذا العقل من علوم وتقنيات حديثة في الدفع بمجتمعنا الى التصالح مع ذاته ، ومع لغته ، ومع تاريخه ، ومع دينه ، ومع نظامه السياسي ، ومع كل مكونات وطنـــه.
خامسا : واخيرا انه خطاب تقدمي مستقبلي ، لانه لا يقصد من احيائه للغة الامازيغية وللشعب الامازيغي مجرد الاحياء الماضوي الرجعي المتخلف ، بل يقصد منه تطويرهما الى الافضل ، في وطن حر ومزدهر ، وفي دولة ديموقراطية حداثية ينعمان في ظلها بالعيش الكريم.
الصافي مومن علي

أظهر المزيد

مقالات مرتبطة

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Pin It on Pinterest

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: