أقلام حرة

هل انتقل الإسلاميون بالمغرب إلى محاكمة المفكرين قضائيا؟ 

ما قام به أحد المتعصبين مؤخرا و الحاملين لصفة أستاذ باحث في العلوم الشرعية خصص لنفسه تخصصا غريبا ( و كل مرة يتحفنا المتطرفون الاسلاميون بما يحمل الجهل و التخلف ) سماه تخصص” محاربة الإلحاد و العلمانية”, حين أعلن عن عزمه رفع دعوى قضائية ضد فكر و كتابات المفكر التنويري أحمد عصيد.

فرغم أن هذه الدعوة الغريبة تثير السخرية في بلدنا المتميز بثقافته المنفتحة و المرتكزة تاريخيا على حضارة تمتد آلاف السنوات, و على نظام دولة ممتد زمانيا و مكانيا في هذا البلد منذ ثلاث آلاف سنة تتخللها بعض التقطعات, لكن هذا التميز الحضاري يجب أن لا يغرنا لنستهين بمثل هذه الدعوة الغريبة لهذا الباحث عن التطرف; فالمثل الأمازيغي يعلمنا ٱن العود الصغير الذي تستصغره هو من سيعميك في نهاية الأمر ” أكشوض للي تحكرت أر أك سول ئسبوكوض”.
يعرف هذا الباحث السالك مسالك التطرف أن المغرب ليس هو مصر, و أن مسٱلة “الحسبة” في القانون المصري و هي الثغرة التي استغلها الإخوان في مصر للتنكيل بمفكري مصر أمثال: د. نصر حامد أبو زيد الذي فرقوه عن زوجته قضائيا, ففر الزوجان الى هولندا ( و بعد فوز الإخوان بحكم مصر أطلقوا سراح قتلة السادات و قتلة المفكرين و منهم قتلة المفكر المصري فرج فودة…).
هذه الثغرة أي رفع دعوى ضد مفكر بقانون “الحسبة” لا توجد في القانون المغربي.
و يعرف هذا الباحث السالك مسالك الإخوان أن استنساخ تجربة الإخوان المصرية الهادفة إلى جر المفكرين إلى المحاكم و بذر هذه البذرة اللعينة في المغرب لن تسمح به الدولة المغربية الآن, لأنها لن تسمح لنفس المقدمات الإخوانية السابقة التي شجعتها و نتج عنها هذا التطرف أن تجد لها موطئ قدم قانونية في البلد لٱنها ٱي الدولة ستكون كمن سن للأفعى حق اللدغ ببند قانوني, و غالبا ما يموت الحاوي بسم أفعاه.
إذن ستبدو هذه الدعوة للبعض أول الأمر تافهة و مثيرة للسخرية و لا تستحق الرد, لكن إذا رجعنا إلى كيفية انتشار التطرف الديني ببلدنا سنلاحظ أنه بدأ بممارسات و بأشكال بسيطة. فقد بدأ في بداية السبعينات ببعض الأشكال البسيطة التي لا تثير بالا ( رغم أن الآباء وعوا خطورتها فحاربوها لكنهم لم يجدوا سندا لهم) بدأت هذه الأشكال الممهدة للتطرف الديني الغريب عن ثقافتنا و عن تديننا المغربي بنشر شكل القبض في الصلاة, و محاربة القراءة الجماعية للقرءان و الدعاء الجماعي, و تبديع ( من البدعة) المواسم و حفلات الزواج المرتبطة بالثقأفة المغربية لينتقل الأمر إلى استيراد اللباس البدوي الوهابي و الباكستاني و الٱفغاني ليتحول الجمال المغربي إلى سواد أكثر من سواد ليلة حالكة سوادها, ليصل الى تغيير التدين المغربي من تدين منفتح يحتضن الاختلاف و الحرية الى تدين منغلق ينفي و يجرم كل اختلاف.. وهو ما نراه يوم في مجتمعنا.
لكن هذه الدعوة الغريبة الداعية إلى محاكمة فكر المفكرين المغاربة يحب أن لا تحجب عنا أنها إيذان بانتقال المشروع الإخواني بالمغرب الى مرحلة تالية هي مرحلة إسكات المفكرين المتنورين و ارهابهم, فبعد نجاحاتهم في أسلمة قسما من المجتمع المغربي حسب أيديولوجيتهم باستنساخ التجربة المصرية( من الٱسرة الإخوانية الى الجماعة الصغيرة, إلى الجماعة الكبيرة…) و توظيف الجمعيات و المخيمات الصيفية لتغيير البنية الثقافية و الهوياتية للمغرب انطلاقا من تنشئة جيل جديد متشبع بأيديولوجيتهم, و توظيف المساعدات الاجتماعية و الانسانية لاحتلال المواقع الاجتماعية و السياسية كل هذا بأموال طائلة لا يستطيع الرأسمال الداخلي للمنتسبين الى الجماعة أو الجماعات الدينية الأخرى توفيره, أي أن هناك تمويل سخي خارجي يسلك مسارات أخرى ظاهرها خيري انساني و باطنه فيه العذاب للبلد, و هنا مكمن خطورة أموال الإحسان و نشر الدعوة الآتية من الخليج و من غيره.
هذه المدارج في تنزيل المشروع الإخواني هو ما يجب مواجهته, و أخوف ما نخافه أن تتحول جامعاتنا التي زحفت إليها الإديولوجية الإخوانية الى مخصب لإعادة انتاج هذا الفكر سيما ما نراه اليوم من نمط الفكر الذي بدٱ يهيمن على هذه الجامعات. فهل انتقل المشروع الى مرحلة محاكمة المفكرين المتنورين? خصوصا أولائك الذين يواجهونهم فكريا, سيما بعد هزيمتهم الكبيرة مؤخرا في مواجهة إقرار اللغةالفرنسية كلغة لتعليم المواد العلمية تلك اللغة التي يحاربها الإسلاميون لا كلغة محتل سابق – كما يدعون- و إنما يحاربونها كلغة تحمل في طياتها الفكر التنويري و فلسفة الأنوار التي يعادونها أشد العداء لٱنها تهد أسس فكرهم الإديولوجي.
نريد فقط من إسلاميي المغرب شيأين لا ثالث لهما:
– أن يحملوا هويتهم وثقافتهم المغربية الممتدة مئات القرون قبل الإسلام و في ظل الإسلام و المنفتحة على الفكر الإنساني و الحضاري و العلمي..
– أن يومنوا بالاختلاف و التعدد و هي سنة الله في الكون, و الاختلاف يعني الإيمان بالإنسان كإنسان و كمواطن بغض النظر عن جنسه أو دينه أو فكره .. و لن يتحقق ذلك إلا في دولة مدنية ديموقراطية لا دينية.
ذ. الحسن زهور

أظهر المزيد

مقالات مرتبطة

Pin It on Pinterest

إغلاق