أقلام حرة

العين الأخرى: السينما المغربية ورواية الفلم الأول

    محمد بكريم    

منهجيا سبق أن اقترحنا التمييز بين تاريخ السينما بالمغرب و تاريخ السينما المغربية. وكانت إحدى خلاصات الحديث عن السينما بالمغرب ضرورة رد الاعتبار لأفلام أنتجت إبان الحقبة الاستعمارية والمنتمية لجنس “السينما الكولونيالية” مع الإشارة إلى أهمية دمجها ضمن التراث السينمائي الوطني .

خاصة أن هناك تقاطعات تحصل مع هذا المتن ألفلمي عند تناول السينما المغربية من الزاوية التاريخية. ونقترح كنموذج الانطلاق من التساؤل حول أول فلم مغربي.

للوهلة الأولى يتبادر إلى الدهن أن الجواب يمكن أن يكون بديهيا والحاصل أننا أمام إشكال ذو أبعاد متعددة و مداخل متشعبة ومقاربته لا تخلو من تشويق ومن تحفيز نظري و منهجي. وكل  مساهمة في الإجابة تبقى موسومة بصيغتها الفرضية وبعيدة عن الأحكام القطعية. لهذا  اقترح دائما على طلبتي بمدرس الفنون البصرية بمراكش مقاربة السؤال عبر ثلاث مستويات هي تعبير عن وجهات نظر مؤسسة على خلفية نظرية معينة:

وجهة نظر سينيفيلية

وجهة نظر مهنية

وجهة نظر تاريخية

وقبل سرد هذه الفرضيات أود أن أذكر بأنه على المستوى المؤسساتي اختارت مهنة السينما بالمغرب سنة 2008 أن تحتفي  بخمسينية أول فلم من انجاز مخرج مغربي و هو فلم الابن العاق-1958-  لمحمد عصفور (1927-2005 ) وأنشأت جائزة استثنائية تلك السنة (كانت من نصيب ” أماكننا الممنوعة” الفلم الوثائقي من إخراج ليلى كيلاني)   لتخليد  هذه الذكرى التي أصبحت شبه رسمية. وإذا استثنينا الجانب الرمزي و الاستعراضي لهذا الاحتفال فإننا أمام اختيار يطرح عدة تساؤلات تبرز هشاشته منها مثلا وليس حصراً:

لماذا اختيار فلم متوسط الطول (أقل من 60 د) كنقطة انطلاق السينما المغربية في حين أن تاريخ السينما العالمية يبدأ من أول فلم “الخروج من معامل لوميير” – 1895- وهو فلم من أقل من دقيقة. ونجد أيضا أن الاحتفال بمائوية السينما المصرية سنة 2007 كان انطلاقا من فلم قصير “وصول الخديوي باشا ” أنجزه مخرج تركي (1907) إبان الاحتلال العثماني لمصر.

وهذا يدفعنا إلى التساؤل حول “الأفلام” التي أنجزها عصفور قبل الابن العاق: ألا تنتمي إلى السينما المغربية’؟

ثم إذا اتفقنا على اعتبار سنة 1958 هي نقطة البداية فما هو مصير الأفلام المنجزة ما بين 1955 و 1958 ومنها أفلام أنتجها المركز السينمائي المغربي؟ ومن ضمنها فلم “إبراهيم – بداية و أمل” لجان فليشي (1957) و الذي مثل المغرب رسميا في مهرجان برلين, وهو فلم جميل جدا من بطولة حسن الصقلي و الطيب ألصديقي و آخرين وتسنده اختيارات جمالية مستوحاة من الواقعية الجديدة والتعبيرية (الانتقال من الظل إلى الضوء – أداء الممثلين باقتصاد – الاشتغال على اللقطة الواسعة والمتوسطة…).

إن الطبيعة المفتوحة لسؤال الفلم الأول تفتح شهية الاجتهاد.

فبالنسبة للسينيفيليين فان الفلم المغربي الأول بدون منازع هو فلم “وشمة” لحميد بناني (1970). فهو فلم افتتاحي و تأسيسي. فهو يفتتح اتجاها جماليا سيبصم السينما المغربية وهو اتجاه سينما المؤلف.  و تأسيسي لاعتماده لغة سينمائية تبحث على مشروعية ثقافية وفنية داخل الموروث التخييلي المجتمعي.

وهناك وجهة نظر مهنية احترافية محظة تدفع في اتجاه اعتبار فلم “الحياة كفاح” لمحمد التازي  واحمد المسناوي  (1968) هو أول فلم مغربي إنتاجا و إخراجا و أداءا حسب شروط مهنية. فهو فعلا من إنتاج المركز السينمائي المغربي في سياق الإعداد لتنظيم المهرجان الدولي لسينما المتوسط بطنجة (سيعرف دورة ثانية بالرباط ثم يختفي). وقد جاءت فكرة المهرجان قبل توفر المغرب على أدنى فلم. وقد طلب وزير الأنباء (حسب التسمية الأصلية) من المركز السينمائي الاستعداد للمهرجان و تم الشروع في تصوير فلمين. وكان أول فلم شرع في انجازه هو “عندما تنضج الثمار لعبد العزيز الرمضاني والعربي بناني. وبما انه صور بالألوان فقد تم إرساله الى روما وتأخر بالتالي عن الخروج مما جعل فلم “الحياة كفاح” الذي أنجز بالأبيض والأسود وتم  تحميضه محليا يكون أول فلم  مغربي من الناحية المهنية. والفلمين تبقى قيمتهما تاريخية توثيقية أساسا…كل فلم يعتبر وثيقة على الأقل حول ظروف إنتاجه بالإضافة إلى حمولاته الدلالية الأخرى

وتبقى المقاربة التاريخية أكثر إثارة و أكثر تشويقا لكونها نوع من الاركلوجية المفتوحة دوما على نتائج البحث والتنقيب واجتهادات الباحثين. فإذا اعتمدنا معادلة الإنتاج  (هوية المال تحدد هوية الفلم) السائدة في المدرسة الأمريكية نجد أن أول فلم أنتجته شركة مغربية يكون فلم “عرس الرمال” لاندري زفوبدا (1948) وهي شركة ستديو مغرب لصاحبها محمد الغزاوي ( صاحب شركة النقل الشهيرة بفاس  و النواحي  ومدير الأمن غداة الاستقلال) بالاضافة الى أسماء مغربية أخرى في تنفيذ الانتاج (لكبير الفاسي..). وسيتصدر رمز التاج الملكي  جنيريك الفلم. كما أن القصة “محلية” وهي عبارة عن إحدى تنويعات أسطورة اسلي وتسليت كما أن غالبية الممثلين مغاربيين( ايطو بنت لحسن المنحدرة من اقليم طاطا في دور هام…)

أما إذا اعتمدنا جنسية المخرج فيمكن أن نسافر بعيدا في التاريخ مع الصديق الباحث بوشتى المشروح الذي أثبت أن أول مغربي تعامل مع الكاميرا هو…السلطان مولاي عبد العزيز الذي كان شغوفا بكل تعبيرات الحداثة آنذاك لدرجة أنه استقدم أحد مصوري الإخوان لوميير ليكون مستشاره الخاص في مجال التصوير (انظر ” مع حميمية السلطان” لكابرييل فاير و فلم “ورثة لوميير” لبوشتى المشروح).

وبشكل تركيبي لمجموع هذه الأطروحات يمكن تلخيص وجهة نظرنا بالقول أن أول فلم مغربي هو الفلم القصير “صديقتنا المدرسة” للعربي بنشقرون (1956). فلم بالأبيض و الأسود (11 دقيقة). فلم سينمائي المبنى، مغربي المعنى، وإنساني المرمى…

أظهر المزيد

مقالات مرتبطة

Pin It on Pinterest

إغلاق