الثقافة

ملاحظات حول مسلسل اغبالو الخاص بحياة المرحوم الحاج بلعيد

قدمة متواضعة:                                              

ان الثقافة الامازيغية عاشت عقود من الاقصاء و الحيف بسبب سيطرة ثقافة المركز أي التعريب و الطرب الاندلسي على مختلف مناحي الحياة العامة من قبيل التعليم و الاعلام و الشان الديني الخ من هذه المجالات الجوهرية ..

و لا يمكننا التصور في تلك العقود مثلا ان التلفزة المغربية قد أنجزت مسلسل حول حياة الحاج بلعيد او حياة امير الريف عبد الكريم الخطابي الخ من رموز الثقافة الامازيغية لان السلطة مارست سياسة الابادة ضد الامازيغية بشموليتها منذ سنة 1956 الى سنة 2001 بمعنى ان هذه المدة يستحيل للغاية ان نشاهد فاعل امازيغي في التلفزيون الوطني و هو يدافع عن حقوق الامازيغيين الثقافية و اللغوية بصريح العبارة بمعنى كان حصار فضيع على الهوية الامازيغية قبل تاسيس المعهد الملكي للثقافة الامازيغية سنة 2001 على كل الاصعدة و المستويات ..

كما قلت في احدى المقالات لقد انطلقت السينما الامازيغية في اوائل عقد التسعينات بمنطقة سوس من منطلق نضالي صرف الا و هو ابراز الامازيغية وقتها كلغة و كثقافة و كبعد ديني ضخم كما اسميه لان ذلك السياق كان لا احد يستطيع ان يقول في العلن ان الظهير البربري هو اكبر اكذوبة سياسية في المغرب المعاصر ..

كان لا احد يستطيع ان يقول في العلن ان الامازيغية هي ثقافة اسلامية ضمن اطارها العلماني المغربي كما اقوله الان لكن السينما الامازيغية قالت هذه الحقائق الاجتماعية في ذلك السياق من خلال افلام الفيديو المتميزة باعتبارها حاملة لهذه الحقائق على شكل قصص و احداث الخ من خصوصيات ثقافتنا الام..

اذن ان السينما الامازيغية هي مراة ننظر من خلالها الى أنفسنا و الى تقاليدنا و عاداتنا كامازيغي المغرب منذ اوائل عقد التسعينات حيث كنت انذاك صغيرا عندما شاهدت اول فيلم امازيغي بالنسبة لي على جهاز الفيديو تحت عنوان اليتيمة سنة 1993 ثم شاهدت فيلم تامغارت ؤورغ أي امراة من ذهب الخ من هذه الافلام الامازيغية الاولى التي خلقت مظهر من مظاهر الثقافة الامازيغية المعاصرة خارج مؤسسات الدولة ..

و تصوروا معي ان التلفزيون الوطني لم يعترف بوجود الافلام الامازيغية الا في 2001 أي بعد خطاب اجدير التاريخي من طبيعة الحال أي منذ انطلاق السينما الامازيغية اوائل التسعينات الى حدود محطة خطاب اجدير كان التلفزيون المغربي لا يبث الافلام الامازيغية على الاطلاق لان الراحل الحسن الثاني كان يريد ترسيخ التعريب اللغوي في الاعلام البصري تحديدا من خلال بث المسلسلات المصرية و المسلسلات المكسيكية المترجمة الى اللغة العربية كمحاولة لفرض العروبة باعتبارها لغة مقدسة و باعتبارها قيم مشرقية صرفة ساهمت في العقود الماضية في تشكيل وعي عام بان المسلسلات المصرية مع كامل احترامي لاصدقاءنا المصريين تمثل حياتنا و تقاليدنا المغربية أي ان المشرق العربي هو مرجعنا في كل شيء تقريبا ..

و بعد تاسيس القناة الامازيغية سنة 2010 ظهرت المسلسلات الامازيغية بفروعها الثلاث حيث ان هذه الدراما الامازيغية حاولت ابراز مشاكل المجتمع الامازيغي المعاصرة من قبيل زواج الصغيرات و الدعارة الخ .

و كما حاولت هذه الدراما احياء قصص الاجداد كتراث غني بالحكمة و تجارب الاوائل مع الحياة التقليدية و القيم من قبيل الخير و الشر الخ .

الى صلب الموضوع :                       

لقد قدمت القناة الامازيغية في رمضان الماضي مسلسل اغبالو الخاص بحياة المرحوم الرايس الحاج بلعيد بمشاركة ابرز فناني سوس القدماء و الجدد مثل عبد اللطيف عاطف و احمد بادوج و الحسين برداوز و احمد نتاما و فاطمة السوسي و عبد الله التاجر الخ من هذه الوجوه الموقرة لدى الجميع سواء داخل المغرب و خارجه.

 و المستشار الفني لهذا المسلسل الرائع هو الاستاذ احمد عصيد باعتباره باحث متخصص في فن الروايس خصوصا و في الثقافة الامازيغية عموما و المخرج هو الاستاذ مصطفى اشور ..

في تقديري المتواضع كمشاهد عادي ارى ان هذا المسلسل المتميز قد عرف نجاحا كبيرا على الصعيد الوطني باعتباره يبث في وقت الافطار و باعتباره يجمع بين الدين و التاريخ في اول تجربة امازيغية في تاريخ اعلامنا البصري ببلادنا حيث انني ادافع عن هذا العمل الدرامي الرائع الى حد معين بحكم وجود بعض السلبيات في اعتقادي المتواضع …..

 ان هذا المسلسل قد حاول تناول جانب من حياة المرحوم الحاج بلعيد الذي ولد ما بين سنة 1875 و سنة 1885 في نواحي اقليم تزنيت داخل مجتمع متدين أي ان استعمال الدين بشكل كبير داخل هذا المسلسل التاريخي هو امر طبيعي للغاية بالنسبة لي لان الاسلام هو احد ابعاد الشخصية الوطنية منذ 14 قرنا و لان الاسلام الامازيغي قد طمسه المخزن التقليدي منذ سنة 1956 الى الان بغية ان ينخرط المغرب في دعم الوهابية العالمية و اخواتها و النتيجة نراها جمعيا الان عبر انتشار افكار التكفير و القتل في مجتمعنا الراهن .

اذن ان استعمال الدين داخل هذا العمل الدرامي قد اضاف الجمالية و الاحترام حسب رايي المتواضع لان الحاج بلعيد هو انسان متدين و متصوف حيث كان يجالس علماء عصره الخ من هذه الاسباب …

ان من بين سلبيات هذا المسلسل هي تهميشه للاعراف الامازيغية و تشجيعه لثقافة المخزن التقليدي بحكم ان سوس وقتها كان واحة لممارسة الديمقراطية المحلية عبر القوانين العرفية التي لا تتعارض مع مقاصد الاسلام الكبرى أي هناك قيم امازيغية اصيلة من قبيل عدم وجود عقوبة الاعدام في القانون الوضعي الامازيغي و اعطاء المراة حقوقها بعد الطلاق أي انقسام الثروة و ابطال الحدود الشرعية و تعويضها بعقوبات مثل النفي و مصادر الاملاك الخ ……

لقد كان من المفروض على هذا المسلسل استحضار كل هذا التاريخ الاجتماعي اليوم للاظهار ان اجدادنا كانوا مثال للديمقراطية و الفصل بين الدين و الشان العام لكن هذا المسلسل قد تجاهل هذا المعطى التاريخي لصالح نظرة المخزن تجاه الامازيغيين بشكل و باخر أي ان هذا المسلسل الرائع قد سقط في فخ التاويل المخزني لتاريخ الامازيغيين بشكل معين حيث ان أي عمل تاريخي من هذا الحجم عليه تفادي السقوط في مثل هذه الاخطاء الكبيرة مثل اظهار العلم الوطني مجسد عبر ملابس اولاد سيدي احمد بن موسى في طفولة الحاج بلعيد أي في اواخر قرن التاسع عشر علما ان هذا العلم ظهر سنة 1912 مع دخول الاستعمار الفرنسي لبلادنا رسميا بعد توقيع عهد الحماية بمدينة فاس .

ان من بين سلبيات هذا المسلسل الرائع هي عدم ذكر السنة التي ولد فيها الحاج بلعيد او السنة التي بدا فيها الغناء الخ من هذه التواريخ لان هذا المسلسل سيبقى وثيقة تاريخية ناقصة للاجيال القادمة باعتباره لم يتطرق الى جوانب مهمة من حياة الحاج بلعيد من قبيل اسفاره الى فرنسا و الى الحجاز و لقاءه بالفنان العربي محمد عبد الوهاب…

لكن بالمقابل ان من حسنات هذا المسلسل هي اظهار احتفال الامازيغيين بالسنة الامازيغية في الحلقة الاولى من مسلسل اغبالو من خلال قراءة القران الكريم من طرف الرجال و انشاد الامداح النبوية بالامازيغية من طرف النساء كرسالة قوية لتيارات الاسلام السياسي مفادها ان الاحتفال بالسنة الامازيغية لا يتعارض مع اسلامهم كما يحاول دعاة الاسلام السياسي نشره على نطاق واسع لاجل ايهام العامة من الامازيغيين بان هذا الاحتفال هو ينتمي الى الجاهلية الاولى كأن العرب لم يرجعوا الى جاهليتهم الاولى بعد وفاة رسول الاسلام عليه الصلاة و السلام و كأن هؤلاء الدعاة يملكون مفاتيح الجنة لوحدهم دون غيرهم من المذاهب الاسلامية الاخرى …

ان من حسنات هذا المسلسل هي الغوص في تقاليدنا الامازيغية الاسلامية كما اسميها لان منذ تاسيس التلفزيون المغربي سنة 1963 تم التركيز في الدراما الناطقة بالدارجة على ابراز تقاليد المركز أي فاس و الرباط و سلا حيث ان هذه السياسة تدخل في اطار ايديولوجية الظهير البربري أي تغييب البعد الديني لدى الامازيغيين على مستوى التلفزيون المغربي لعقود طويلة.

 مما سيعني ان مسلسل اغبالو بالرغم من بعض سلبياته قد خلق الحدث داخل مجتمعنا حيث ان الكل يتحدث عن هذا المسلسل بالايجابية او بالسلبية لدرجة انني سمعت الممثل الامازيغي لحسين سرحان على احدى الاذاعات الخاصة و هو ينتقد هذا العمل الدرامي على طول الخط دون مراعاة قيمة الفنانين المشاركين فيه و دون مراعاة الاشراف الفني على هذا المسلسل حيث علينا ان نفرق بين النقد الهادف الى تصحيح الاشياء والتحطيم من اجل التحطيم لا اقل و لا اكثر.

و خلاصة القول ان مسلسل اغبالو يعد خطوة اولى نحو الاعمال التاريخية الاخرى بفروع اللغة الامازيغية الثلاث لان الاشتغال في مجال التاريخ هو صعب للغاية خصوصا في المغرب لان المخزن قد فرض منظوره الاحادي لتاريخ المغرب في التعليم و في الاعلام بمعنى ان من الصعب ان نشاهد مسلسل عن امير الريف عبد الكريم الخطابي في السنوات القادمة …….

المهدي مالك                                                             

أظهر المزيد

مقالات مرتبطة

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Pin It on Pinterest

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: