نظارات بنكيران و تعويضات القضاة.

ait yder
محمد آيت ايدير

 عندما كان السيد عبد الإله بنكيران رئيس الحكومة هو و صحبه في المعارضة يمكن القول أن مطالبه الإجتماعية مقبولة ومنطقية، هذا بطبيعة الحال في السابق و في الأيام التي نادرا ما استعمل فيها النظارات الطبية، و ربما كان يرى الأمور بشكلها الطبيعي. أما اليوم و هو يتحمل مسؤولية رئاسة الحكومة و يستعمل نظارات طبية فقد إنقلب على كل ما يذكره بأيام المعارضة من المطالب الى الخطاب، و تغيرت نظرته لكثير من الأمور، و أصبح يرى الأشياء بطريقة تختلف تماما عما كان يراها قبل 2011، كما تغيرت نظرته أيضا لمكونات الشعب المغربي.

ما لفت انتباهي قبل أيام، أن السيد بنكيران قد اعتذر للقضاة في ندوة صحفية لرفيقه في وزارة العدل و الحريات لتقديم حصيلة الوزارة، حيث وصف تعويضات القضاة بالهزيلة و أكد أنه من غير المقبول أن تكون تعويضات القضاة أقل من تعويضات البرلمانيين بحجة انهم ينوبون عن الأمة في حين أن القضاة يحكمون فيها، و وضع تعويضات البرلمانيين مقياسا بالرغم من الرفض الواسع لشرائح الشعب المغربي لحجم تلك التعويضات و التقاعد الذي يليها.

بنفس المنطق الذي تحدث به رئيس الحكومة حول أحقية القاضي في تعويض مماثل لتعويض البرلماني لأن الأول يحكم في الأمة و الثاني ينوب عنها، لا بد من النظر إلى كل فئات المجتمع و الأدوار التي تقدمها، لكن باستعمال نظارات تمكننا من رؤية الأمور بشمولية عكس نظارات بنكيران التي لا تنظر إلا إلى زاوية ضيقة و في اتجاه واحد، فهناك فئات تقدم خدمات أهم و مع ذلك فإن رواتبها هزيلة جدا و لا تتناسب مع الأعمال التي تقوم بها، و وجب الإهتمام بها و إعادة الإعتبار لها.

و في نفس الإتجاه لا بد من القول أن رواتب و تعويضات رجال التعليم هزيلة مقارنة مع البرلمانيين و القضاة و الوزراء و المدراء …و إذا كان البرلماني ينوب عن الأمة و القاضي يحكم فيها فإن رجل التعليم هو معلمها، و معلم البرلماني و الوزير و القاضي و…. حتى وصلوا إلى المراتب التي يحتلوها اليوم، و هو أيضا مربي و معلم الأجيال القادمة. كما أن تعويضات رجال الصحة جد هزيلة مقارنة بالتعويضات السالفة الذكر، رغم ان الأطباء و الممرضين هم الساهرون على صحة المواطنين بما فيها صحة القاضي و البرلماني و الوزير و الوالي و المدير…

أيضا لا يعقل أن تقل رواتب و تعويضات الموظفين المكلفين باستخلاص الضرائب و الرسوم… عن تعويضات الفئات التي راها بنكيران، لأنهم يسهرون على استخلاص مداخيل الدولة و الحفاظ على المال العام الذي تتقاضى منه جميع الفئات رواتبها و تعويضاتها ومن ضمنها الفئات العليا. و من غير المقبول أن تقل رواتب و تعويضات رجال الأمن و أعوان السلطة من شيوخ و مقدمين و قوات مساعدة… عن رواتب الموظفين الكبار، رغم الأدوار الأساسية التي يقومون بها من أجل أن ينعم المواطنون بالأمن و الأمان و على رأسهم معالي الوزير و البرلماني و القاضي و الوالي…،

فما فائدة البرلمان و الحكومة و القضاء و مصالح أخرى دون وجود الأمن في البلاد. و هل من المقبول أن تقل رواتب الجنود عن رواتب و تعويضات فئات اخرى؟ و هم المرابضون على الحدود للدفاع عن حوزة الوطن، الجندي او الحارس الأمين على هذه البلاد عندما ينام الجميع، و حين ينام الوزير و القاضي و البرلماني و الوالي … يبقى الجندي العين التي تحرس الوطن و الشعب ضد الأعداء، و عندما يستمتع الجميع بعطلة نهاية الأسبوع، و حين ينامون في حضن أولادهم عليهم أن يتذكروا ذلك الجندي الذي ترك وراءه عائلته و اتجه صوب أبعد نقطة على الحدود من أجل الوطن و الشعب بكل فئاته، هل مهمته تقل عن مهام الطبقة المذكورة؟!

لا يعقل كذلك أن تقل رواتب عمال النظافة عن رواتب و تعويضات الآخرين، لأن عمال النظافة هم الساهرون عن نظافة كل شوارع و أزقة الوطن، و هم القائمون على جمع نفايات و فضلات المواطنين بكل فئاتهم ، و لو لا رجل النظافة لتعفن كل شيء و انتشرت كل الأمراض و الأوبئة و لا أظن أنها ستستثني الوزير أو البرلماني أو القاضي أو الوالي أو المدير العام … و عائلاتهم.

إلى غير ذلك من الفئات و خدماتها الجليلة التي تقدمها للوطن، و لا يمكن تمييز و تفضيل فئة معينة و اعتبار خدماتها أهم من كل الخدمات، و جعلها مقياسا لقياس درجة أهمية الفئات الأخرى و التعويضات التي تستحقها. إن الخدمات التي يقدمها المواطنون بجميع الفئات كلها ذات أهمية كبرى، هي سلسلة منسجمة و حلقاتها متشابهات تكمل بعضها البعض. إذ كانت بعض النظارات ترى البرلماني أحسن من موظف آخر، فإن هناك الكثير من النظارات التي تنظر إلى عامل النظافة على أنه أفضل من الوزير. على سي بنكيران أن يستبدل نظاراته بين الفينة و الأخرى، و يستحسن أن ينظر إلى الشعب المغربي بدون نظارات و على طبيعته بدون فئوية و دون تمييز، لأن الإقرار بوجود الأفضل يعني وجود الأحقر.

محمد آيت ايدير


اكتشاف المزيد من azulpress.ma

اشترك للحصول على أحدث التدوينات في بريدك الإلكتروني.

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. الموافقة قرائة المزيد

اكتشاف المزيد من azulpress.ma

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading