الصفحة الرئيسية

من ذاكرة “أمريك” الحلقة  9/30 : وثيقة باريز (1973) حول “الثقافة الشعبية في المغرب”

أزول بريس – الحسين أيت باحسين //

“الذي لا ذاكرة له، لا تاريخ له”

 بول ريكور
05
كما هو معلوم كانت، ولا زالت، “دار المغرب” (La maison du Maroc) بباريس في فرنسا؛ مأوى طلبة المغرب الذي حصلوا على منح استكمال الدراسات العليا بباريس، وكذا للأساتذة والباحثين في إطار مهمات علمية وثقافية. وقد كانت، في بداية السبعينيات فضاء للمعارك الفكرية بين مختلف التيارات الأيديولوجية التي ينتمي إليها الطلبة القاطنين بها، علما أن خطاب التيار اليساري المتطرف هو السائد فيها آنذاك؛ وفي فترة لاحقة سيسود فيها التيار الأيديولوجي الإسلاموي، لتُغلَق أبوابُها ويتم إصلاحها لتصبح مؤسسة إيوائية مثل كل الأحياء الجامعية المتواجدة ب”المدينة الجامعية” بباريس (Cité Universitaire) التابعة لمختلف بلدان العالم.
هذه الوثيقة تعتبر بمثابة بيان (Manifeste) حول واقع “الثقافة الشعبية في المغرب” وما ينبغي أن تكون عليه؛ علما أن المقصود في الجوهر هو “الثقافة الأمازيغية في المغرب” والتي كانت، آنذاك تُنعت ب “الثقافة البربرية في المغرب”. كما أن هذه الوثيقة تمّ التعامل معها ك”منشور” (Tract) تمَّ إيلاجه من تحث أبواب غرف الطلبة لكي يثير النقاش حول القضية الأمازيغية التي يناهضها، آنذاك اليسار المتطرف، وفعلا ذلك ما حدث.
ففي تلك الفترة كان النقاش السائد بين جل الطلبة يدور حول الفكر الماركسي بمختلف مدارسه وتوجهاته، وحول سبل العمل على الاستعانة به لتغيير الأوضاع السياسية التي خلفها الاستعمار الغربي في بلدان العالم الثالث. وبصدد علاقة الثقافي بالسياسي يرى التيار اليساري المتطرف أن علينا أن نحل أولا المشكلة السياسية ثم نعالج المشكلة الثقافية. وكان جل الطلبة المغاربة منخرطين في ذلك المناخ الأيديولوجي؛ لكن بمجيء الطلبة المنتمين لأمريك والمتعاطفين مع نظرتها للقضية الأمازيغية آنذاك؛ وخاصة الأستاذ علي صدقي أزايكو والأستاذ أحمد بوكوس ومجموعة أخرى (سوف أشير إلى أسمائهم حسب اللائحة التي مدني بها مصدري في الحصول على الوثيقة وفي مدي بالمعلومات التي ترتبط بها وهو الصديق إبراهيم أقديم الذي أشكره على كل ذلك)؛ أصبح، بعد ذلك، النقاش مركزا أكثر على موضوع قضية “الثقافة الشعبية في المغرب” (أي قضية “الثقافة الأمازيغية في المغرب).
فبعد أن بادر كل من علي صدقي أزايكو وعبد الرحمان الخصاصي وسعيد الراجي؛ قبل أن يعود علي صدقي أزايكو إلى المغرب في إطار مغربة الأطر الجامعية؛ بتخصيص يومي السبت والأحد للقيام ب”محارية الأمية” في صفوف التجار والعمال الأمازيغ ب “جينيفيليي” (Gennevilliers) بضواحي باريس؛ التأمت المجموعة التالية لتخصيص لقاءات فيما بينهم لكتابة “بيان” موضوع هذه الوثيقة التي تتكون من 21 صفحة والتي سيتم الاختصار على نشر 5 صفحات منها المشكلة لمقدمة الوثيقة-البيان؛ وقد تكلف، آنذاك الأستاذ أحمد بوكوس بالصياغة النهائية لها؛ وتمّ توزيعها، بالشكل الذي تمت الإشارة إليه أعلاه نظرا للاحتقان السياسي القائم آنذاك والذي تعتبر القضية الأمازيغية الضحية المشتركة بين ما عدى مناضليها. وهذه هي لائحة المجموعة: أحمد بوكوس (لساني)، أحمد أكواو (لساني)، أحمد العواني (خبير في قانون الشغل)، أحمد الحسايني (خبير في التربية)، سعيد الراجي (خبير في المحاسبة)، مسعود المسعودي (خبير في مجال الفن)، عيسى الدرهم (خبيرفي الرياضيات)، عبد الرحمان الخصاصي (أنتروبولوجي).
تتكون هذه “الوثيقة-البيان” من ثلاثة أوراق:
– ورقة حول “الثقافة الشعبية في المغرب” في 5 صفحات، وهي المنشورة رفقة هذه التدوينة؛
– ورقة حول “واقع الأمازيغية” (Le Fait Berbère) في 11 صفحة؛
– ورقة “حول اللغة الأمازيغة” في 5 صفحات.
وقد تتم العودة إلى باقي أوراق تلك الوثيقة اعترافا بما بذله أولئك الطلبة-الأساتذة المناضلين الذين أدّوا ثمنا باهضا نتيجة مواقفهم تلك، التي أثبت الزمان؛ بعد ذلك، مشروعيتها اللغوية والثقافية والهوياتية والحضارية باعتراف الدولة الرسمي وإحداث المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية من أجل تأهيل الأمازيغية لتقوم بالمهام المنوطة بها كلغة رسمية إلى جانب اللغة العربية، بعد دسترتها والمصادقة على قوانينها التنظيمية بما لها وما عليها، في انتظار تفعيلها.

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.