الصفحة الرئيسية

مع الكاتب محمد بنعزيز : وزير خصوصي لإصلاح التعليم العمومي

بفضل ريح الربيع العربي الأمازيغي عرفت حكومة عبد الإله بنكيران (3 يناير 2012) تعيين وزير تعليم صريح أكثر من اللازم. كل ملاحظة قالها صارت مشكلة، ليس لأنه على خطأ بل لأنه قال الحقيقة المؤلمة التي يتجاهلها الجميع. وقد اتهم الوزير محمد الوفا مرارا بالشعبوية فأتت الحملة أكلها. قال في البرلمان والجلسة منقولة على التلفزيون “سأصمت”. صمت ثم غادر الحكومة وقد كان سفيرا يعيش على حساب الدولة.

في حكومة بنكيران الثانية (10أكتوبر 2013) المعدلة جينيا وسياسيا بعد قص ريش الإخوان المسلمين، جاء وزير من القطاع الخاص لإدارة التعليم العمومي. وزير هو في الأصل مهندس إعلاميات. فمن أين جاء رشيد بلمختار وماذا سيجد؟

جاء من رئاسة جامعة الأخوين غير المجانية. والأخوان هما الملكان الراحلان الحسن الثاني وفهد بن عبد العزيز. في “الأخوين” يدفع الآباء غاليا لتعليم أبنائهم. وهي تتبع الطراز الأنكلوسكسوني بعد أن كانت كل الجامعات المغربية تتبنى النظام الفرنسي الذي أثبت محدوديته على مستوى التكوين.

لدى طلاب الجامعة إحساس عال بالفخر. يقول خالد بادو الرئيس السابق لجمعية خريجي الأخوين ” أهم ما يتعلمه الطالب في النظام الأنكلوسكسوني هو أهمية الاعتماد على النفس، فالساعات التي تُقضى داخل الفصل لا تتجاوز الخمسة عشر في الأسبوع، حيث يكون الطالب ملزما بقضاء ضعف تلك الساعات في تحضير الدرس والبحث في المراجع. أضف إلى ذلك أن من بين عناصر التكوين المهمة دروس روح المقاولة… أضف إلى ذلك إجبارية التدريب والاقتراب من عالم المقاولة الخاصة كشرط أساسي قبل الانتهاء من الدراسة”.

تهدف الجمعية إلى تأمين التواصل بين الخريجين وإدارة الجامعة. وهي تنظم سنويا معرض “فرص الشغل”. في دورة 2012 استقبلت الجامعة ثلاثين مقاولة وأزيد من 600 طالب من الخريجين في مجالات إدارة الأعمال والمالية وهندسة النظم المعلوماتية والموارد البشرية والاتصالات والعلاقات الدولية.

لدى بادو تصور مخالف للقطاع العام وصورة سلبية عن الإدارة العمومية كونها مركزا للاستقرار يخلو من التنافسية أو تقييم المردودية لإعطاء الأفضل. يقول أن الدولة قد فتحت أبواب الإدارات للتوظيف بُعيد الاستقلال. فكوّن ذلك لدى الأجيال المتعاقبة فكرة مفادها أن الشغل في “الدولة” مضمون ومريح وللأبد، لكن مساهمة الدولة في التوظيف يجب أن تضمحل من الآن فصاعدا.

belmakhtar yaklabas

بعد مهاجمة القطاع العام عدّد السيد بادو مميزات القطاع الخاص ومنها تعدد الفرص. فعددُ مؤسسات وإدارات القطاع العام لا يصل إلى عُشر عدد شركات القطاع الخاص. ومنها التدرج في المسؤولية، وبالتالي رفع الدخل بسرعة.

من خريجي جامعة الأخوين الأمير إسماعيل بن عم الملك محمد السادس وإدريس ابن شقيقته. جامعة خرّجت 2750 طالبا وطالبة حصل 88% على شغل في أقل من ستة أشهر بعد التخرج وبعضهم خلقوا مقاولات خاصة. اللهم لا حسد.

من هناك جاء الوزير فإلى أين جاء وماذا وجد؟

جاء إلى حيث النسبة السابقة مقلوبة في ظل بطالة خريجي الجامعات العمومية الذين يقدسون الوظيفة العمومية. جاء فوجد أمامه مقترحا – من شخصية مقربة من القصر – لنزع الطابع الديني عن التعليم الأولي. إن تجاهل الوزير الاقتراح خاف وإن نفذه أغضب بقايا الإخوان المسلمين في الحكومة. غالبا سيغلفه بغشاء أخضر.

وجد تعليما ابتدائيا جد متدهور في البوادي وضواحي المدن الكبرى خاصة. إذ يوجد شك في الأوساط الريفية في جدوى المدرسة. في هذه الفضاءات لا تترك التلفزة وقتا للأطفال. فالأمهات يحرصن على عدم تضييع أية حلقة من مسلسلات الحب التركية والكورية والهندية… مسلسلات تعرض رفاهية فادحة وتزرع في الأطفال وعيا رومانسيا مفارقا لواقعهم… وحتى حين تهاجر الأسر الريفية لضواحي المدن الكبرى الفقيرة تستمر في ترديد موقفها “ماذا ستعطينا المدرسة؟”. ويتسرب هذا الموقف إلى وعي الأطفال. وهكذا تنطبق عليهم مقولة “انتبه لأقوالك فهي ستصير أفعالك”. ولن يجدي قول الوزير بأن التعليم هو الاستثمار الأفضل لمستقبل الأفراد والبلدان. ما يهم الفقراء هو الآن. وبما أنهم مستقيلون من مراقبة ابنائهم فهم غير معنيين بطلب بيل غيتس من الآباء أن يراقبوا أبناءهم في المدرسة والشارع، بدل أن يدعوا المدرسة وحدها تتولى الأمر.

وجد في المستوى الثانوي حاجة ملحة لبناء أكثر من 300 ثانوية وتوظيف 8500 أستاذ. وجد ثانويات تضم أكثر من 1000 تلميذ يعمل بها ثلاثة إداريين: حارسان عامان ومدير. يتولى كل حارس مراقبة 500 تلميذ يوميا.

وجد تعليما ثانويا يسير بسرعات متباينة. في ثانوية وسط الدار البيضاء اجتاز 200 تلميذ امتحان البكالوريا نجح منهم 140. في ثانوية بحي شعبي شمال المدينة حيث آلاف عمارات تحديث البؤس اجتاز الامتحان 130 تلميذ نجح منهم 14. حاليا يأتي الراسبون بنفسيات مغلفة بطبقات يأس سميكة جاهزون لأي شيء. حتى أن تلميذا أضرم النار في جسده داخل ثانوية بسبب رفض إدارة المؤسسة طلب إرجاعه للدراسة بعد أن تم فصله بسبب كثرة الرسوب.

في مقهى إنترنيت قرب ثانوية فحصتُ ذاكرة الأبحاث السابقة على جوجل. جلها ألعاب ومواقع تواصل اجتماعي وجنس. لا أحد يبحث عن المقررات الدراسية. من فرط النظر لشاشة الحاسوب المضيئة يجد التلميذ صفحات دفاتر الدروس مظلمة. كثيرون يجدون صعوبة للقراءة في الأوراق، أدمنوا الشاشة.

وجد الوزير مدرسين يخيفهم الشغب والضجيج الذي يسبب السكري ويرفع الكولستيرول في الدم. تخيفهم مقالب الحكومة لتأخير الترقيات. مدرسين تراجع لديهم الحس النضالي وكثير منهم تستهلكهم الدروس الخصوصية…

أمام هذا الوضع أعلن الوزير أنه كفى من تشخيص أزمة التعليم وأن من يريد أن يصلح لابد أن يَكسر. سنرى ماذا سيكْسر وكيف سيكسر وسنه فوق سبعين سنة.

المهم أن الوزير يعد بالجديد والمعلقون يقولون أن القصر الملكي استعاد قطاع التعليم من يد الأحزاب. وقد أرجع الوزير الجديد موظفا كبيرا لمنصبه كان قد عزله الوزير السابق. موظف جلبه الوزير الاسبق المقرب من القصر. والقصر يتبع توجهات الشعب. فقد اشتد امتداح التعليم الخصوصي فجيء بوزير منه. في المغرب يتخذ القرار السياسي تبعا للمناقشات الجارية لتجنب الاصطدام. يحصل المحتجون على ما يطلبونه بسرعة أكثر مما توقعوا. أحيانا يعين المسئولون بهدف اختبار فرضيات سياسية على أمل إطفائها قبل أن تتدحرج فتكبر. سنرى هل سينهض التعليم الخصوصي بالعمومي.

التعليقات مغلقة.