الصفحة الرئيسية

فين غادي بيا خويا؟

بقلم محمد لحميسة

قبل أشهر كان الشارع المغربي يحمل في صدره ذرات أمل طال غيابه ، أمل زرعه السياسيين بكلامهم المعسول (تحول لحنظل) ووعودهم الرنانة ورفعهم لشعار الدولة الاجتماعية ، كل ذلك جعل الناس يبنون قصور فخمة من قش احترق لحظة تحمل المسؤولية ، لحظة الحقيقة التي بدءوا للتو في اكتشاف وتجرُّع مرارتها .

تبددت غيوم الشعارات والوعود وظهر الأفق بوضوح ، ميزانية مثقلة بالديون ، هشاشة ، فقر ، بطالة ، وعديد الآفات التي يحزنني سردها وفي كل مرة أخوض فيها أتذكر مطلع أغنية الغيوان التي تتساءل مستنكرة “فين غادي بيا خويا ؟ “.
التعليم كان ولا يزال من النقط السوداء في لائحة الأمور التي لا تسعد أحد ، إشكال التعليم أنه لا يعرف ما يراد منه ، يعيش صراع مستمر ، يضيع بين تيارين كلاهما بنفس القوة والبأس ، بين الفرنسة والتعريب ، بين التعاقد والتوظيف الرسمي ، بين الابداع واعادة الانتاج ، بين الأستاذ والمناهج …الخ .

كل تيار يرى الآخر هو الآثم ، الظالم ، المستبد ، أساس المشكل . مما يستوجب “حكيما” يرسوا بسفينة التعليم الى بر الأمان ، لجأ كل هؤلاء الى تحكيم رجل له تاريخ طويل في وزارة الداخلية ، وهذا يكفي كوصف لطبيعة الرجل وافكاره وشخصيته ، ويكفي أيضا القول ان القمع اللا انساني لانتفاضة افني كانت بأوامره ، زد على ذلك القمع الذي طال الصحافة والمثقفين في فترته ، هذا الرجل ليس سوى السيد شكيب بنموسى ، رئيس لجنة النموذج التنموي ، ووزير التربية والتعليم والتعليم الأولي والرياضة .

يظن هذا الرجل أنه وجد الحل لمعضلة التعليم ، فسقف سن الولوج للتدريس في 30 سنة ، اعتمد الإنتقاء وفق الميزة وعدد سنوات الحصول على الاجازة ، أعفى أصحاب الاجازة في علوم التربية من الانتقاء في افق أن تقتصر في السنوات المقبلة مهنة التدريس على هؤلاء فقط دون اصحاب الاجازات الاساسية .

يصنف الوزير هذه القرارات ضمن خانة الإصلاح ، والسؤال هو :هذا الإصلاح يخدم من ؟وعلى حساب من ؟ سؤال سيظل بدون جواب .
هل فكر هؤلاء فعلا في تلك القرارات وتبينوا نجاعتها قبل أن يطلقوا عليها اعتباطا لفظ الإصلاح ، لأن المفهوم وكما يبدوا يعارض دلالاته في هذا السياق . فالأمر لا يختلف كثيرا عن شعار الإصلاح الذي حمله المستعمر لنهب ثروات البلاد في القرن الماضي ، ويشبه الإصلاح الذي حمل مشعله هتلر وموسوليني حتى حولوا اوربا الى ساحة حرب ومصارعة ، والأمثلة مثل هذه كثيرة في التاريخ .

تحمل القرارات في جوهرها نزعة إقصائية تعارض مبدأ الدولة الإجتماعية التي تحاول الحكومة والدولة تسويقه .

السن ، ليس أبدا معيار للكفاءة ، وهذا الشرط لا يلقي بالا للحالات التي لم تلج التعليم في الوقت المحدد ، أو لتلك التي انقطعت لعام او عامين لظروف قاهرة ، أو لذلك الذي أراد تنمية معارفه واستكمال مساره الأكاديمي فتعدى السن المطلوب .

الميزة وعدد سنوات الحصول على الإجازة تظهر أن السيد الوزير غير ملم بواقع الحال في الجامعات المغربية ، حيث النقط جواهر نادرة لا تعطى الا بشكل شحيح ، وفي حالات اخرى شادة نرى الجنس مقابل النقط ، وكذلك هيمنة نموذج العلاقة البطريركية في المدرج والجامعة بين رجال ونساء (أكاديميين) وطلبة ينظر إليهم كقطيع من القاصرين لا يقبل منهم الا الإمتثال والتنفيذ والإعتراف الدائم بعجزهم النظري والعملي عن تجاوز دروس ومعارف تدعي الكمال والإطلاقية (محمد جسوس) ، هل هذا ما تريد الدولة والوزارة أن يكون ، الجنس مقابل النقط ، الغش ، هل يحاول بنموسى أن يشرعن هذه الآفات التي تسيء للتعليم والعلم .

اما قضية الإعفاء من الإنتقاء لحاملي إجازة علوم التربية ، وعزم وزارته ان يختص مجال التعليم بهم في قادم السنوات ، فهذا برأيي الأخطر من كل الشروط ، وهذا القرار هو المسمار الآخير في نعش الجامعة المغربية ، وان كان الأمر جديا وكانت هذه نية الوزارة فيجب هدم تلك المؤسسات الجامعية وتحويلها الى مصانع ضخمة .

بعدها نأتي بفريدريك تايلور من قبره ليطبق مبادئ الإدارة العلمية التي صاغها ،  آنذاك لن يكون هناك حاجة لمدرسين ومدارس ، نصف المؤسسات التعليمية سنحولها لمؤسسات للتكوين المهني والنصف الآخر لمصانع ، سيكون هناك تعليما أوليا فقط من باب تجزية الوقت حتى تشتد سواعد الفتى والفتاة ليلتحقوا بقدرهم المحثوم في المصانع .

آنذاك لن يكون للإنسان أهمية (كما لو كانت لديه الأن ) ، سيكون آلة ، قوة عضلية ، كمبيوتر مبرمج ، وسيلة من وسائل الإنتاج مثله مثل المطرقة والسكين والعجلة …الخ ، هل هذا ما تريده الدولة ؟ لأنها تسلك نفس الطريق !
تقزيم الجامعة والعبث في شواهدها هو حرب ضد تلك المؤسسة المعرفية العلمية ، وحرب ضد الفقراء الذين يحملون هم التكوُّن في المعرفة وحلمهم في ولوج مهنة التعليم .

هل يفتح بنموسى الباب لداروينية إجتماعية القوي فيها يلتهم الضعيف ، بمعنى أن الذي لديه ظروف أحسن يستحق أن يأخد منصب أفضل ، هل القرار هو من أليات الدولة السياسية في إعادة انتاج التفاوت الإجتماعي؟ تتعدد الأسئلة لكن الذي سيجيب فهو في برج عاجي لايرى البنية الإجتماعية ولا يرى الواقع في إطار ميكرواجتماعي يستطيع من خلاله فهم واستيعاب مشاكل البلد وانتظارات الشباب العاطل .

في ذات الصدد يقول جسوس ما مفاده أن حملة تقزيم الجامعة هي محاولة لتقليص حجم الطبقة المتوسطة وتعزيز للسلطوية ، لأن هذه الطبقة هي الأخطر ، لأنها تعي الوسائل والآليات الإديولوجية والمادية التي تستعملها الطبقة المهيمنة في السيطرة ، وهذا مخطط هدفه خلق جيل من ” الضباع ” .

ختاما أريد أن أوصل رسالة للوطن لعله يتعظ . يكفي القهر واللاعدالة الذي تعيشه الطبقات الفقيرة ، يكفي الهشاشة والاعتباط الذي يتخبطون في رماده ، أما آن الوقت للمصالحة ؟ ألم يحن زمن البعث والنهضة ، أما زلت يا وطن تحب أبناءك ؟ هل تستصيغ مئات الآلاف والافواج التي تقطع البحر من أجل كرامة ولقمة خبز تَرَفَّعت عن تقديمها له ؟ أ يُغمض لك جفن وأنت ترى زهر الشباب رمز الحيوية يذبل ؟ أم أنك مستلب وفي أيادي منيعة تحبسك عنا ؟ أقول لتلك الأيادي مستنكرا ” فين غادي بينا أخويا ؟ فين غادي بينا ؟”

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.