عصيد: “التخوين” يدمّر الحركة الأمازيغية.. ورغبات “التحزيب” محدودة
حوار مع موقه هسبريس
أزول بريس – (حاوره: نور الدين إكجان لهسبريس)
قال أحمد عصيد، أستاذ باحث في الثقافة الأمازيغية فاعل حقوقي، إن عمل البعض بقاعدة “من تحزّب خان” ليس صائبا؛ وذلك في معرض تعليقه، ضمن حوار مع جريدة هسبريس، على السجال الذي دار في صفوف الحركة الأمازيغية، عقب انضمام نشطاء إلى حزب التجمع الوطني للأحرار.
وأضاف الباحث في ليركام، في الحوار ذاته، أن شروطا كثيرة تلزم لتأسيس “حزب أمازيغي”؛ لكن في عمق الأمور، فالاستجابة لهذه النداءات تكون محدودة، لأن أغلب النشطاء يريدون جعلها قضية وطنية للجميع، عوض خندقتها ضمن لون سياسي معين.
إليكم نص الحوار:
ما تقييمكم للنقاش العام المصاحب لانضمام نشطاء من الحركة الأمازيغية إلى حزب التجمع الوطني للأحرار؟
النقاش الدائر من المفروض أن يكون نقاشا سياسيا تنتج عنه حصيلة من الأفكار السياسية، مع قدر من التحليل والمقاربة النقدية وتبادل الآراء؛ لكن ما حدث قد يكون مخيبا لآمال الكثيرين، حيث غلب السجال والجدل والتخوين الموسوم بالرغبة في تصفية حسابات شخصية على كل حوار جدّي. وأعتقد أن ذلك عائد إلى اختلاف الأمزجة وطرق العمل كذلك، حيث لا يستوعب البعض أن السياسة مجال للخلاف والاختلاف ونسبية التفكير والعمل؛ ما يجعله يُحول قناعاته إلى نوع من “الدوغما” التي تجعل تقبله للاختلاف ضيقا أو منعدما. كما أرى أن الجبهة التي اختارت التفكير في العمل السياسي منذ مدة لم تكن منسجمة، إضافة إلى التفاوت الكبير الموجود في خبرات وتجارب أعضائها.
هل ترى أن التنظيمات السياسية الحالية تلتقي مع الحركة في بعض مواقفها؟ هل يتحقق شرط الاستقلالية عن السلطة داخل هذه الأحزاب، وهو معطى دائما تتبناه الحركة؟
أفكار الحركة الأمازيغية لم تعد مجرد مطالب؛ بل تحولت إلى قرارات للدولة نفسها، وصار يسندها الدستور ونصوص قانونية. من هنا، صار من الصعب على حزب ما أن يعلن معارضته الصريحة لها. أما مبدأ الاستقلالية فقد تبلور أصلا داخل العمل المدني للحركة، ويقصد به أنها حركة مستقلة عن السلطة وعن الأحزاب السياسية. الآن نحن أمام مجموعة من الفاعلين المدنيين اختاروا الانتقال إلى العمل السياسي المباشر داخل المؤسسات، وهذا اختيار حرّ لهم فيه كل الحق؛ لكنهم لن يبقى لهم نفس التأثير داخل الحركة المدنية، لأنهم سيصبحون فاعلين سياسيين يخضعون لتوازنات أخرى، ودورهم حسب ما تعارفت عليه الحركة الأمازيغية منذ عقود هو أن يحملوا أفكار الحركة ومطالبها إلى التنظيم الحزبي وليس العكس. وهذا ما كان يفعله دائما مناضلو الحركة الجمعوية من المتحزبين والذين كان الفاعلون الجمعويون يعملون معهم ويتعاونون بدون مشاكل، حيث كان لهم انتماء مزدوج للعمل المدني والسياسي في الوقت نفسه. وبذلك، كانوا مستقلين في حضورهم داخل الجمعيات رغم تحزبهم، إذ لم يكونوا يتلقون تعليمات من تنظيماتهم السياسية.
وأعتقد أن المجموعة الحالية التي اختارت العمل الحزبي تقصد توزيع الأدوار مع الفاعلين المدنيين، وهو أمر إيجابي وضروري، وهو ما لم يفهمه الذين يقومون بتخوينهم، الشيء الذي يذكرني بشعار قديم لمعمر القذافي يقول “من تحزّب خان”.
إن القضية الأمازيغية بحاجة إلى جميع أبنائها، مدنيين كانوا أم سياسيين، والذين عليهم توزيع الأدوار فيما بينهم بشكل ذكي وتكاملي؛ فإذا كان دور الفاعلين المدنيين التذكير بالمطالب والترافع حولها وتأطير المجتمع وتجديد المفاهيم الفكرية والبحث عن سبل الشراكة مع المؤسسات، فإن أدوار الفاعل الأمازيغي السياسي تتمثل أساسا بالدفع بالملف الأمازيغي، وخاصة تفعيل الطابع الرسمي في كل قطاعات الحياة العامة، وتوفير الإمكانيات المؤسساتية لذلك التفعيل من داخل دواليب الدولة، كالبرلمان والحكومة. وهذا دور حيوي ومطلوب، خاصة في الظرف الراهن الذي يعرف جمودا في تفعيل الدستور والقانون التنظيمي للأمازيغية.
لماذا يلاحظ وجود مساندة للانخراط في العمل السياسي داخل الأحزاب القائمة؛ لكن هناك رفض أو تردد في تأسيس حزب سياسي بمرجعية أمازيغية؟
في الواقع، كانت هناك مجموعتان من الفاعلين ذوي الطموح السياسي؛ الطرف الذي يسعى منذ سنوات إلى تأسيس حزب سياسي، والطرف الثاني الذي اقتنع بضرورة العمل من داخل الأحزاب القائمة. وأرى بأن هذا الطرف الثاني قد استوعب بوضوح أن شروط تأسيس حزب سياسي قائم الذات غير متوفرة، على الأقل في السياق الراهن، خاصة أن الحديث عن الحزب الأمازيغي استمر لسنوات دون أن يحدث فيه تقدم كبير؛ فالذين يسعون إلى أن يكون لهم دور ما في الانتخابات المقبلة فضّلوا الانخراط منذ الآن في حزب قائم وموجود داخل الحكومة وله فريق برلماني، كما له حظوظ في أن يظل له دور بارز في الحكومة المقبلة، وهي حسابات واقعية وبراغماتية بالنسبة لكل من يريد ممارسة السياسة والمشاركة في تدبير الشأن العام في ظل قواعد اللعبة السياسية والتوازنات القائمة حاليا. وقد سمعت من يقول إن هؤلاء لهم طموحات شخصية، وأنا لا أعرف سياسيين يخوضون غمار السياسة بدون طموحات شخصية بجانب قضاياهم وبرامجهم، وهذا ينطبق على السياسيين في جميع بلدان العالم.
ما هي الشروط التي تعتقدون أنها غائبة لتأسيس حزب سياسي مستقل؟
هي أربعة شروط أساسية لا غنى عنها: أن يكون الحزب تلبية لحاجة اجتماعية تتمثل في وجود قاعدة جماهيرية واسعة بحاجة إلى تأطير سياسي بديل عما هو موجود في الأحزاب القائمة، أن يكون ثمة مشروع مجتمعي بديل كذلك للأطروحات الموجودة على الساحة ويحقق التكامل بين السياسي الاجتماعي الاقتصادي والثقافي ـ الهوياتي، ثم لا بد من نخبة اقتصادية مالية تؤمن بذلك المشروع وتعمل على تمويله ودعمه ماديا، وأخيرا لا بد من التفاوض مع السلطة لإقناعها بأن الحزب الجديد يمثل قيمة مضافة، خاصة أن النسق السياسي المغربي لا يقبل التنظيمات الحزبية التي لا يجد لها مهمة محدّدة في التوازنات التي يسعى إلى الحفاظ عليها؛ وهي التوازنات التي ترسم كذلك الحدود المفروضة على كل تجربة. ومعلوم أن أية نخبة سياسية تريد ممارسة “العمل في إطار الشرعية”، كما يسميها النظام، ملزمة بإقناع السلطة بأن وراءها قواعد وجماهير تعمل على تأطيرها. وكلما كانت القاعدة الجماهيرية أوسع كلما اقتنعت السلطة أكثر بأهمية الورقة التي ستلعبها من خلال هذا التنظيم الجديد، وطبعا لا يشمل هذا المعيار التنظيمات الراديكالية التي لا تعترف بالنظام السياسي.
هل ترى أن الحركة ضعفت بسبب غياب صوتها على المستوى السياسي؟
لا علاقة بين عمل الحركة وتوازنات الحياة السياسية؛ لأن الحركة الأمازيغية لا تحركها بوصلة السياسة، وإلا فلن تكون مستقلة عن السلطة والأحزاب.
إن ما يُسمى فتورا في عمل الحركة مرجعه أساسا إلى تحقق الكثير من المطالب التي عملت من أجلها الجمعيات والنخب الأمازيغية منذ عقود؛ فكثير من الناس يريدون أن تستمر الحركة في العمل بنفس أسلوبها القديم بغض النظر عن التطورات المتلاحقة والمكتسبات المتحققة. وهذا غير ممكن، مثلا لقد صارت اللغة الأمازيغية رسمية في الدستور، وقبل ذلك دخلت المدرسة ووسائل الإعلام والبحث العلمي. كما بدأ مسلسل إدراجها في كل مناحي الحياة العامة، ولو ببطء وتعثر وعراقيل كثيرة؛ لكنها لا يمكن أن تعود إلى وضعيتها السابقة قبل 2001. كما أن الحركة الأمازيغية لا يمكن أن تعود كما كانت قبل ذلك التاريخ. إنها اليوم ملزمة بأن تضغط، من خلال اللوبي المدني، من أجل تفعيل قانون تنظيمي خاص بالأمازيغية. كما أن عليها أن تعمل على جعل اللغة الأمازيغية لغة إنتاج يومي وتواصل وإبداع وعمل مؤسساتي؛ ما يؤدي إلى كثير من الاحترافية والتخصص، وهذه كلها أدوار جديدة.
هل تتجه الأمازيغية نحو التحول من الطرح الثقافي إلى السياسي؟
لم يكن العمل الأمازيغي، في يوم من الأيام، عملا ثقافيا خالصا؛ فحتى عندما كانت الجمعيات تتحدث فقط عن اللغة والتراث الثقافي كانت تفعل بأفق ووعي سياسيين من خلال سعيها إلى إعادة النظر في أسس هوية الدولة وإعادة قراءة تاريخ المغرب وتنمية الجهات المهمشة.. وهذه كلها قضايا في عمق السياسة.. طبعا حدث تطور ملحوظ في الخطاب الأمازيغي بعد ميثاق أكادير سنة 1991، حيث امتد الخطاب ليشمل قضايا مِلكية الأرض وفصل الدين عن الدولة وتوزيع الثروة وغيرها من القضايا التي تمثل طابوهات سياسية حساسة، وتم هذا كله في ظل العمل الجمعوي ذاته. ولعل هذا التوسع في الخطاب هو الذي جعل بعض الأفراد يعتقدون بأنه قد حان موعد الانتقال إلى العمل السياسي المباشر بالمعنى الحزبي؛ لكن يلاحظ أنه كلما تمّ استفتاء رأي الفاعلين الأمازيغيين في موضوع التحزيب تكون الاستجابة محدودة جدا، ما يعني في الواقع أن أغلبية الفاعلين يُفضّلون أن تظل الأمازيغية قضية الجميع ـ أي قضية وطنية ـ عوض أن تصبح لونا سياسيا خاصا
اكتشاف المزيد من azulpress.ma
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
التعليقات مغلقة.