شيطنة الفعل الثقافي الحزبي

بديعة الراضي

ليس من قبيل الصدفة أن يُستقبل الفعل الثقافي حين ينبثق من الهامش بالتصفيق المشروط، ولا أن يتحول هذا التصفيق فجأة إلى ارتباك مكتوم ما إن يُكتشف أن وراء المبادرة فاعلًا ينتمي إلى حزب سياسي. كأن الثقافة مسموح لها أن تعيش فقط إذا كانت منزوعـة السياسة، وكأن العمل الجاد يُغتفر ما دام معزولًا عن أي أفق مؤسساتي. هذا المنطق لا يكشف حرصًا على الثقافة بقدر ما يفضح خوفًا عميقًا من السياسة حين تُمارَس خارج التحكم.
إن الأحزاب السياسية، مهما حاول البعض تصويرها كعبء أو كوصمة، ليست كائنًا طارئًا على الدولة، بل هي أحد شروط وجودها الحديث. لم تُنصَّب الأحزاب في الدستور المغربي كديكور، ولم تُمنح شرعيتها مجاملة، بل لأنها الإطار الذي تنتقل عبره الأفكار من مستوى النوايا إلى مستوى القرار، ومن هامش المبادرات الفردية إلى قلب السياسات العمومية. الدولة التي تُدار بدون أحزاب قوية ليست دولة فعّالة، بل إدارة صمّاء، تفتقر إلى الوسائط، وتخشى المجتمع بدل أن تؤطره.
ما يثير القلق حقًا هو هذا الإصرار على الفصل القسري بين الفعل الثقافي والانتماء السياسي، وكأن الثقافة فعل طاهر يفسده الاحتكاك بالحزب. حين يُشاد بمبادرة علمية في منطقة تكاد تعزلها الجغرافيا والمناخ عن المركز، ثم يُستدرك الثناء بعلامة استفهام بسبب موقع حزبي، فنحن أمام تناقض لا يمكن تبريره. فإما أن نؤمن بالفعل الثقافي كقوة تغيير، أو نريده نشاطًا فولكلوريًا بلا امتداد ولا أثر. الثقافة التي لا تجد سندًا مؤسساتيًا تظل رهينة الصدفة، وتعيش على الهشاشة مهما بلغت نبل نوايا أصحابها.
الخطاب المعادي للأحزاب لا يصدر غالبًا عن حرص على المصلحة العامة، بل عن رغبة في إفراغ السياسة من مضمونها، وتحويلها إلى شأن تقني تدبره دوائر مغلقة بلا مساءلة. أخطر ما يمكن أن تواجهه الدولة هو إدارة منفصلة عن السياسة، وخبراء بلا تفويض، وسلطة بلا تمثيل. في هذا السياق، تصبح شيطنة الأحزاب أداة مريحة لتبرير الرداءة، وللتهرب من المحاسبة، ولإدامة ماضٍ تم تجاوزه نظريًا لكن يُستدعى عمليًا كلما هدد الفعل الواعي مصالح راسخة.
لا أحد ينكر أن الأحزاب تعاني أعطابًا حقيقية؛ ضعف التأطير، تراجع الثقة، الانتهازية، وتحول بعضها إلى هياكل انتخابية ظرفية. لكن الاعتراف بهذه الاختلالات لا يقود منطقيًا إلى إلغاء الأحزاب أو التشكيك في دورها، بل إلى إصلاحها وتحصينها. فكل التجارب التي حاولت القفز على الوسيط الحزبي انتهت إما إلى الفوضى أو إلى سلطوية ناعمة تُدار باسم الكفاءة وتُمارس بلا رقابة.
إن الهامش، الذي يُستحضر غالبًا كشعار، لا يحتاج صدقات ظرفية ولا مبادرات معزولة، بل يحتاج تمثيلًا سياسيًا واعيًا قادرًا على تحويل الفعل الثقافي إلى مشروع مستدام. حين يلتقي الوعي الثقافي بالمسؤولية السياسية، يصبح للهامش صوت داخل المؤسسات، وتتحول المبادرات من استثناءات إلى سياسات، ومن مجهودات فردية إلى اختيارات عمومية. أما الإصرار على عزل الثقافة عن السياسة، فلا يخدم الهامش، بل يعيد إنتاج تهميشه تحت مسميات أنيقة.
المغرب الذي يُراد له أن يحتل موقعًا استراتيجيًا في محيط إقليمي ودولي متحول، لا يمكن أن يُبنى بعقلية الخوف من الأحزاب أو بالتشكيك في كل فاعل جمع بين الثقافة والسياسة. بل يحتاج إلى قيادات واعية لا تخجل من انتمائها، ولا تتنصل من مسؤوليتها، وتدرك أن البناء المؤسساتي الجاد يمر عبر أحزاب قوية، متجددة، وقادرة على استيعاب الثقافة كرافعة لا كتهديد.
وضع علامة استفهام على الانتماء الحزبي، في لحظة الاعتراف بالفعل الثقافي، ليس موقفًا بريئًا، بل تعبير عن أزمة ثقة في السياسة نفسها. إما أن نؤمن بالدولة ومؤسساتها ووسائطها الدستورية، أو نستمر في اجترار خطاب الشك الذي لم ينتج يومًا إلا التعطيل. الدفاع عن الأحزاب اليوم ليس دفاعًا عن أشخاص أو مواقع، بل دفاع عن المستقبل، وعن مغرب يُدار بالعقل والمسؤولية لا بالخوف.


اكتشاف المزيد من azulpress.ma

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. الموافقة قرائة المزيد

اكتشاف المزيد من azulpress.ma

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading