شومسكي أسطورة كبيرة آن الأوان لتفكيكها …

د. عبدالله الحلوي//

اسمح لي يا عزيزي القاررئ أن أشارك معك قصتي الطويلة مع شومسكي … نوعام شومسكي. اسم “نوعام” اسم عبري معناه “الناعم” أو “المُنعم به”. قصة مع شومسكي ليست “ناعمة” بشكل كامل، ولكنها من البركات التي “أُنعِم علي بها” والتي استفدت منها الكثير.

بدايات

دعوني أولا أحكي لكم شيئا عن سبب اهتمامي باللغة واللسانيات .. في سن الخامسة عشرة بدأت أتأمل في فكرة لم أكن أعرف كيف أعبر عليها بشكل واضح ولكني وجدت في التأمل فيها متعة كبيرة. سأعطيك مثالين عن هذه الفكرة وبعد ذلك سأصوغها بشكل معمّم:

1ـ هل تعرفون العدد 3،14 .. العدد “پي” في الرياضيات؟ إذا ضربت شعاع الدائرة في نفسه ثم ضربت الحاصل في العدد “پي” فإنك تحصل على مساحة القرص. كان السؤال الذي أبحث دائما عن جواب له هو: “هل للعدد پي وجود حقيقي في العالم أم أنه مجرد ابتداع لعقولنا؟” .. الدوائر والأقراص موجودة في الفضاء قبل أن نرشمها بالقلم أو الطباشير، لذلك فإنها مساحة ومحيط كل واحدة منها موجود باستقلال عن وعينا به، مما يعني بالضرورة أن العدد پي حقيقي وموجود بذاته!! لكن كيف يوجد عدد (عشري غير محدد) وجودا موضوعيا مستقلا عن فكرنا وعن لغتنا؟!

2ـ عندما أنطق الصوت “ب”، ماذا يحدث؟ .. الذي يحدث هو أني أصدر موجات صوتية تنتهي إلى ذهن السامع، فيختبر هذه الموجات على أنها “الصوت ب”. أنا الذي أسبِّب الموجات الصوتية لكن لست أنا الذي يجعل هذه المويجات تتحول إلى اختبار صوت “ب”. من أين يأتي الصوت “ب”؟ إنه عالم قائم بذاته “أخلقه” من عدم. فكيف يحدث ذلك؟ إذا كنا “نخلق” هذه العوالم من عدم، فهل يمكننا أن نخلق أشياء أخرى من عدم؟ وهل يعقل أن تخلق الأشياء من عدم على أية حال؟

لألخص، السؤال الغامض الذي كنت دائما أطرحه على نفسي هو: هل المفاهيم الرياضية (مثل العدد پي) والإختبارات التي نسببها (مثل الصوت “ب”) مجرد كائنات لغوية أو عقلية نستعملها أدوات لتبسيط الواقع، أم أنها كائنات موضوعية مستقلة عنا وذات وجود خاص بها؟

كنت أفضل أن يكون الجواب الصحيح هو الجواب الأول: العدد پي والأصوات مجرد تمثلات ذهنية وأدوات “إجرائية” نتعامل بواسطتها مع الواقع. ازددت تمسكا بهذه الفكرة خصوصا عندما سمعت بمدرسة فلسفية تسمى ب”الوضعية المنطقية” تحاول أن تقنع الناس بأن كل مشاكل الميتافيزيقا (مثل مشكلة وجود العدد پي) مجرد مشاكل ناتجة عن سوء استعمال اللغة. كنت أفضل هذا الرأي التبسيطي، ولكني لم أكن مقتنعا به بشكل تام.

سنة 1988، كان أحد أساتذتنا في مادة الفلسفة يحدثنا عن عمق اللغة وتعقدها، وإذا به يذكر لنا بأن هناك عالما لسانيا أمريكيا اسمه شومسكي يقول بأن اللغة فطرية ..؟ “ماذا؟ .. اللغة فطرية!! ما هذا العبث؟ .. كيف يتجرأ هذا المجنون أن يقول بأن اللغة فطرية والماركسية علمتنا بأن الوجود الإنساني يتحدد بالمحيط ويتطور شيئا فشيئا؟” قررت أن أنسى أمر هذا “العالم اللساني” وأن أهتم ب”الأهم” .. و”الأهم” من طبيعة الحال هو أن أعيد قراءة “جورج پوليتزير” مفسر ماركس وإنڭلز الذي يقول “الحقيقة” كاملة .

محاولة لقراءة شومسكي

سنة 1989، كانت متميزة بكثرة قراء اتي .. إنها السنة التي قرأت فيها “نقد العربي السياسي” للجابري (وهي نفس السنة التي صدر فيها هذا الكتاب المهم)، وهي السنة التي قرأت فيه كتابا هاما لفيلسوف أمريكي اسمه شيشولم عنوانه “أساس المعرفة” ، وهي أيضا السنة التي قرأت فيها بشكل كامل أول مقدمة لعلم اللسانيات، كتاب the introduction to language لفرومكين وآخرين. قراءتي لهذا الكتاب، الذي يستعمل مقررا دراسيا لمادة اللسانيات في معظم الجامعات الدولية الكبيرة، عرفني بشكل قريب على علم اللسانيات .. فكل ما كنت أعرفه عن اللسانيات هو تلك التعميمات الجاهلة التي يرددها العوام في الفصول الدراسية عن فردناند دي سوسير، والدال والمدلول وغير ذلك من عامّي الكلام ومبهمه مما يستعمله العوام ل”يؤثثوا” به كلامهم بما قد يوهم بفهمهم للسانيات. أما بعد قراءتي لهذا الكتاب فقد أصبحت أفهم اللسانيات بشكل قريب وملموس .. بل بدأت أمارس اللسانيات من خلال تمارين تطبيقية وأحاول استعمالها لفهم كيفية اشتغال اللغات التي أعرفها.

قراءتي لهذا الكتاب مكنتني من شيء آخر مهم جدا .. وهو قراءة وفهم أول كتاب أحصل عليه لشومسكي: كتاب “تأملات في اللغة”.وجدت هذا الكتاب في نفس السنة، سنة 1989، في الخزانة الأمريكية التي كانت تسمى آنذاك ب”دار أمريكا”. قررت أن أقرأه لأني وجدته واضح الأسلوب، ولأني كنت أرغب أن أفهم ما يقوله شومسكي بشكل ملموس.

لقد كانت حجة شومسكي هادئة وقوية بشكل رهيب: لكي يتعلم الطفل اللغة فلا بد أن يتوفر على “آلة” تمنعه من السقوط في مجموعة من الأخطاء: مثلا، تمنعه هذه الآلة من إنتاج جمل لا فاعل لها، تمنعه من رفع الأفعال الناقصة إلى موقع أعلى متجاوزة مواقع دنيا، تمنعه من استعمال اسم دون أن يسند له إعراب مناسب ودور دلالي مناسب. لا حظ شومسكي أن الأطفال أنفسهم لا يخطؤون في هذه الأمور، فمن أين يأتون بهذه “الآلة” إذن؟ الجواب الوحيد الممكن هو: الإنسان مجهز جينيا بهذه “الآلة”. كنت مضطرا أن أقبل بأن شومسكي يعرف جيدا “عمَّ يتحدث” (كما يقول الأمريكيون) وأن هناك أشياء مهمة جدا لا يعرفها كارل ماركس ولا يعرفها مفسره بوليتزير ينبغي أن أعمق فهمي لها ..

لست أذكر متى قرأت كتابات شومسكي الأخرى مثل syntactic structures و aspects of the theory of syntax (ربما سنة 1992). كل ما أتذكره بشكل جيد هو أنني قررت سنة 1993 أن أمارس اللسانيات الشومسكاوية بطريقة مهنية .. قررت أن أتخصص فيها.

سنة 1994 تجرأت على كتاب” في نظرية الحواجز” ولكني فشلت فشلا ذريعا في فهمه بشكل جيد، فقررت أن أبحث عن كتاب تقديمي عملي أتعلم بواسطته ممارسة التركيب الشومسكاوي بشكل مهني .. أرشدني أستاذي الدكتور حسن كجوط لكتاب عنوانه “نظرية الربط والعمل” للليان هيڭمان، وهو نفس الكتاب الذي أستعمله اليوم مقررا دراسيا في مادة التركيب مع طلبتي في سلك الماستر. قضيت صيف 1994 وأنا أدرس هذا الكتاب بشكل مفصل .. أذكر أني كنت أفضل أن أدرس كل فصل من فصوله وأحل التمارين المتعلقة بهذا الفصل في ليلة واحدة. أبدأ الدراسة على الساعة 12:00 ليلا وأنتهي على الساعة 07:00 صباحا .. لانام بعد ذلك حتى الساعة الثالثة أو الرابعة نهارا. أذكر أيضا أني كنت أقوم بهذه الدراسة في مطبخ بيتنا لأن الحرارة كانت مرتفعة جدا في غرفة نومي ..

بعد قراءتي الكاملة لكتاب هيڭمان وإنجازي لتمارينها، بدأت ألمس في نفسي قدرة على فهم كتابات شومسكي بيسر وسلاسة .. أصبح Knowledge of Language 1986 و Some Concepts and Consequences of the Theory of Government and Binding. 1982 وRules and Representations 1980 و غير ذلك كثير نصوصا ممتعة أفهمها كما يفهمها صاحبها. بدأت ألاحظ أني أستطيع أن أتنبأ بما سيقوله شومسكي في فصل من الفصول بمجرد أن أقرأ عنوان هذا الفصل.

عندما بدأت دراستي فيما كان يعرف ب”السلك الثالث” بمدينة الرباط، تعرفت أيضا على ما يسمى ب”البرنامج الأدنوي” وأقرأ النصوص المرتبطة به مثل The Minimalist Program 1995 و Language and Thought 1993 و On Language 1998

عندما بدأت إنجاز رسالة الدكتوراه استطعت، بمعية صديقين آخرين، أن نحصل مرة واحدة على المآت من الكتب والمقالات العلمية في تخصصنا الضيق (لسانيات التركيب) بواسطة صديق لنا حصل عليها بشكل لم أعد أذكره من خارج المغرب … قرأنا هذه المقالات والكتب بنهم شديد حتى أصبح شومسكي ونظريته في اللغة جزءا من حياتنا اليومية، وعاداتنا الكلامية، ونكاتنا، و … فهمنا للعالم.

الإستفادة من شومسكي

بدأت أفكر بشكل نقدي في شومسكي انطلاقا من سنة 2002 عندما بدأت أكتب أول كتاب لي. ووصلت اليوم إلى قناعة مفادها أن حجة شومسكي تتضمن مغالطة أساسية لا أستطيع أن أشرحها الآن. لذلك سأكتفي بأن أذكر هنا ما تعلمته من هذا اللساني الذكي. تعلمت منه أن أتمرد على ما يعتبره العوام من البديهيات، وأن أفكر بعقلانية وأناقة فكرية. تعلمت منه أيضا أن معظم ما يقوله العوام عن اللغة هو مجرد كلام عامي بعيد عن نتائج البحث العلمي الرصين .. وتعلمت أيضا أن السؤال الذي طرحته في مراهقتي عن الوجود الموضوعي لما تدل عليه مفاهيمنا (مثل العدد “پي” و”الإختبار الشخصي للصوت ب”) ليست مجرد أسئلة ميتافيزيقية غامضة، بل هي جوهر السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن نطرحه إذا أردنا أن نفهم طبيعة وجودنا الإنساني.

أنا اليوم مقتنع أن أن اللسانيات الشومسكاوية أسطورة، بقدر ما ننسبها لشومسكي، ومُضلِّلة من حيث مضامينها؟ سأوضح هذا النقطة بشيء من التفصيل أعتقد أن القارئ غير المتخصص سيفهمه بيسر.

اسمحوا لي أولا بشرح مقتضب أتحرى فيه ما استطعت من التبسيط للنظرية المنسوبة لشومسكي:

لنعتبر المثالين التاليين:

1ـ وعدت فاطمة أن تَخْرُجَ.

2ـ أَذِنَتْ فاطمة أن تَخْرُجَ.

تتكون كل جملة من هاتين الجملتين من 4 كلمات لا تختلفان إلا في واحدة منها: الفعل الذي يبتدأ به كل منهما، ‘وعدت” و”أذنت”. لكن إذا تأملت جيدا ستلاحظ أن هناك فرقا آخر غير ظاهر بين الجملتين وهو فاعل الفعل “تخرج” في كل منهما. الذي “يخرج” في 1 هو فاطمة والذي “يأذن” في 3 هو شخص آخر غير فاطمة. كيف يستطيع المتكلم أن يؤول فاعل الجملة المدمجة؟

لاحظ أولا أن فعل “يخرج” فعل غير زمني بمعنى أن زمانه يتحدد بغيره. فنقول:

3ـ وعدت فاطمة أن تخرج أمس (ولم تفعل(

4ـ وعدت فاطمة أن تخرج اليوم.

5ـ وعدت فاطمة أن تخرج غدا.

استعمال الظروف الزمنية (أمس، اليوم،غدا) دليل على أن زمن الفعل “يخرج” متعلق بغير الفعل. نسمي هذا النوع من الصيغ المورفولوجية ب”اللاواقعي” (بمعنى أنه لا يقع في زمن معلوم بل هو موضوع للوعد، أو الإذن، إلخ(

الأمر يتعلق إذن بفاعل فعل غير زمني ولاواقعي. نسمي الفاعل المضمر لهذا النوع من الأفعال ب “ضم” (“ضم” رمز ل”الضمير المستتر المتعلق بالفعل غير الزمني وغير الواقعي”)من خصائص ضم أن فعله يكون غير زمني، ومن هنا لحن الجملة التالية:

6ـ وَعَدَت فاطمة أن خَرجت (في الماضي)

الجملة 6 لا حنة لأن ضم جُعل فاعلا لفعل زمني.

من خصائص ضم أيضا أنه قد يحتاج لاسم سابق عليه يحدد تأويله. هذا الإسم هو “فاطمة” في الجملة 1 . نسمي علاقة ضم بسابقه ب”المراقبة” .. “فاطمة” مراقِب، و “ضم” مراقَب.

لنصغ قاعدة عامة إذن:

ينبغي أن يكون ضم فاعلا لفعل غير زمني.ينبغي أن يكون ضم مراقبا.

لك لماذا تخرق الجملة 2 الجزء الثاني من هذا القاعدة العامة .. أليس فاعل “يخرج” في الجملة 2 مغايرا ل”فاطمة”؟ الجواب عن هذا السؤال هو أن هناك نوعين من أفعال المراقبة: تلك التي يراقب فاعلها (أو مفعولها) الفاعل ضم (فاعل الجملة المدمجة)، وتلك التي لا تراقب ضم، فيكون هذا الفاعل اعتباطي التأويل (يعود على أي متغير مخالف لفاعل الجملة الرئيسة).

العجيب في كل هذا أن المبدأ الذي صغناه أعلاه (ضم فاعل لفعل غير زمني) هو مبدأ كلي بثلاثة معان:

أولها، أنه ينطبق على جميع اللغات

ثانيها، أن الطفل الذي يتعلم اللغة لا يخطأ في تطبيقه (رغم أنه يخطأ في مظاهر أخرى من اللغة)

ثالثها، أن مستعملي لغة الصم يحترمون هذا المبدأ استعمالهم للغتهم حتى ولو أنهم لم يتعرضوا للغة المسموعة.

لذلك يقترح شومسكي أن هذا المبدأ جزء من التكوين البيولوجي للدماغ/العقل الإنساني .. يُضاف إلى هذا المبدإ ستة مبادئ أخرى تشكل في مجموعها ما يسميه اللسانيون ب”النحو الكلي”.

في منتصف التسعينيات تقريبا، بدأ اللسانيون يحسون أنهم أكملوا مهمتهم الأساسية في تفسير قدرة الإنسان على اكتساب اللغة الإنسانية بجميع تعقيداتها: الطفل قادر على اكتساب اللغة بيسر نسبي رغم تعقيدها الظاهري، لأنه يتوفر على جهاز فطري (مكون من مبادئ صورية، هي مبادئ النحو الكلي) يمكنه من إقصاء اللغات المستحيلة بيولوجيا، أي اللغات التي لا تحترم مبادئ النحو الكلي.

يبدو هذا الكلام مقنعا ومدعوما بأدلة لا غبار عليها، فلماذا نريد أن ننتقد شومسكي؟ لقد بحث اللسانيون في لغات متفرقة جغرافيا وزمانيا، ولم يزدهم بحثهم إلا اقتناعا بأن عموم النحو الكلي ينطبق بالفعل على هذه اللغات ويسلط الضوء بشكل واضح على بُناها (طريقتها في بناء التراكيب والجمل)

فهل نقدنا لشومسكي مجرد تجنٍّ وافتراء على واحد من أنبغ مفكري القرن العشرين (والواحد والعشرين أيضا)؟ ..

أرجو أن تكون قد فهمت يا عزيز القارئ الآن أن النظرية المنسوبة إلى شومسكي مبنية على أساس إمبريقي (تستعمل الأدلة التجريبية) قوي وأنه يستحيل ضحدها. فلماذا أريد أن أنتقدها إذن؟ أريد أن أنتقد أمرين إثنين. أولهما أن الجزء الأكبر من هذه النظرية ليس لشومسكي، بل إن شومسكي سطا عليه بطريقة ماكرة (سأتناول هذه الفكرة في الجزء الثاني من المقال). وثانيهما أن شومسكي حرف الرؤية التي انبنت عليها النظرية بطرق مختلفة لأسباب مريبة . شومسكي مخادع كبير. هذا ليس حكم قيمة وليس تجنيا، بل هو حكم موضوعي على شخصية مخادع كبير. كيف؟

لنتذكر بأن “فكرة شومسكي” تقتضي بأن الفرد الإنساني مجهز جينيا بأداة تمكنه من اكتساب لغة من اللغات بمجرد أن يوضع في سياق لساني محفز. يمكن تشبيه هذه الأداة بالزرع الذي نزرعه في الأرض. ويمكن تشبيه السياق اللساني بالماء الذي نسقي به هذا الزرع وأشعة الشمس التي نعرضه لها. الزرع مجهز جينيا للنمو، ولكنه لا ينمو إلا إذا سقي وتعرض لما يكفي من أشعة الشمس.

الأداة التي تمكن الفرد من اكتساب اللغة تتشكل من ستة (أو سبعة مبادئ). أعطيتك مثالا واحدا عن هذه المبادئ (تحريت فيه التبسيط) وهو مثال المبدأ الذي يحكم تأويل وتوزيع فواعل الجمل غير الزمنية.

اسمحوا لي الآن أن أعطيكم مثالا آخر ملموسا : مثال ما يسميه شومسكي ب”المصفاة الإعرابية”. ما هي “المصفاة الإعرابية”؟

المصفاة الإعرابية هو مبدأ كلي يقول بأن كل اسم (في الجملة) ينبغي أن يكون له إعراب محدد. مثلا: في العربية، يأخذ الفاعل إعراب الرفع، والمفعول إعراب النصب، والإسم المجرور إعراب الجر. ستقول لي: ولكن الإعراب لا يوجد في جميع اللغات … الجواب: بلى، هذا مجرد وهم. ليست هناك لغة بدون إعراب! كيف؟

أولاـ الرفع والجر والنصب ليست هي الإعرابات الوحيدة الممكنة. هناك لغات أخرى مثل الألمانية واللاتينية والإنجليزية القديمة تضيف إعرابات أخرى إلى هذه الإعرابات الثلاثة: تضيف إعرابا خاصا بالمفعول به الثاني، وإعرابا خاصا بالإضافة.

ثانياـ اللغات التي فقدت الإعراب الظاهر في الإسماء لم تفقده في الضمائر. مثلا الدارجة المغربية تستعمل ضمير “ــو” للمفعول (شفتو) وضمير “هو” لفاعل (هو شافني)

ثالثا ـ الإعراب لا يلتحق دائما بآخر الكلمة بل يمكن أن يلتحق في بعض اللغات بأول الكلمة أو حتى وسطها. الأمازيغية المعاصرة مثلا تميز بين الإعراب الداخلي (الفاعل المتأخر، فضلة الحرف، …) والإعراب الخارجي (الفاعل المتقدم، …). فتقول: زريغ أفروخ، ولكن: يزرايي ؤفروخ؟

رابعاـ يمكن للإعراب أن يكون ظاهرا كما يمكن أن يكون مستترا: في العربية والألمانية والسنسكريتية والأمازيغية هو ظاهر، ولكن مستتر في الأسماء الإنجليزية (ظاهر في ضمائرها)

خامساـ يتحدد نوع الإعراب الذي يأخذه الإسم بنوع العنصر الذي “يعمل فيه” (أي الذي يسند له الإعراب. الرفع يسنده الزمن، النصب يسنده الفعل، الجر يسنده حرف الجر، الإضافة يسنده الإسم، إعراب المفعول الثاني يسنده عنصر نسميه الفعل الصغير لن أتحدث عنه الآن.

المصفاة الإعرابية هو مبدأ يقول لنا بأن الإسم يكون لاحنا (غير خاضع لمبادئ النحو) إذا لم يحصل على إعراب مناسب من العنصر الذي يعمل فيه.

لنوضح كيف يعمل هذا المبدأ:

لنعتبر الجمل التالية:

1ـ جمالٌ في البيت.

2ـ *أريد أن جمالٌ في البيت.

3ـ أريد أن يكون جمال في البيت.

الجملة 1 مستقيمة لأن إعراب رفع “جمال” مرخص له بواسطة زمن الجملة (انتبه إلى أن هذه الجملة في الزمن الحاضر. يمكنك أن تحولها إلى الماضي بإضافة الفعل الناقص كان، فتقول: كان جمال في البيت.

الجملة 2 لاحنة لأن الجملة المدمجة (أن جمال في البيت) غير زمنية. لإصلاح هذه الجملة ينبغي أن ندخل الفعل الناقص “يكون” الحامل للزمن. يمكن أن نفهم الآن لماذا نحتاج للفعل الناقص: فهو لا يحمل أي معنى محدد .. ندخله في هذا السياق فقط “لإنقاذ” الإسم “جمال” من خرق المصفاة الإعرابية. خذ مثالا آخر:

4ـ هو ذكي.

5ـ * حسبت هو ذكيا.

6ـ حسبته ذكيا.

“هو” يأخذ إعراب الرفع. في الجملة 2، “هو” متروك بدون إعراب لأن الجملة المدمجة غير زمنية. في الجملة 6 ننقذ الضمير من خرق المصفاة الإعرابية بجعله مفعولا بنيويا للفعل “حسب” يأخذ إعراب النصب من هذا الفعل.

“المصفاة الإعرابية”، إذن، مبدأ من مبادئ النحو الكلي يفسر لنا بشكل مقنع التوزيع البنيوي للأسماء داخل الجملة.

شومسكي محق إذن! ما المشكل؟

عندما يقرأ المرء الكتابات الأولى لشومسكي مثل “بنيات تركيبية” (1957) و”مظاهر نظرية التركيب” (1965) سيلاحظ بأن لا أثر لمبدإ “المصفاة الإعرابية”. بل إن شومسكي كان يرى بأن الوظائف مثل “الفاعل” و”المفعول به” مجرد مكونات حشوية تتحدد بموقع الإسم داخل الجملة، وبالتالي لا داعي أصلا لاستعمال هذه المفاهيم. كان شومسكي يدافع بعناد على فكرة مؤداها أن دور البحث هو التركيبي هو صياغة مجموعة من القواعد التوليدية (القواعد التي نصف بها بشكل مقتصِد) مختلف أنواع الترتيب الممكنة داخل اللغة، بحيث تسمح اللغة بعد تطبيق هذه القواعد بنقل عنصر من العناصر المرتبة من مواقع إلى مقع آخر (كما نفعل في حالة البناء للمجهول التي يعوض فيها المفعول الفاعل)

فمن أين أتى شومسكي بفكرة “المصفاة الإعرابية” التي فتحت آفاقا كبيرة على فهمنا لتوزيع الأسماء في اللغات الطبيعية؟

الفكرة أتت من فرنسي اسمه جان روجي ڤيرنيو بعث برسالة سنة 1977 لشومسكي وصديقة لازنيك أوضح فيه لهما أن دراسته للاتينية والفرنسية ومقارنته لهاتين اللغتين بالإنجيزية جعلته يدرك حقيقتين: أن الإعراب يلعب دورا أساسيا حتى في اللغات التي لا يكون فيها الإعراب ظاهرا، وأن هذا الدور يكون واضحا في الحالات التي يغيب فيها الزمن الصرفي. كانت رسالة ڤيرنيو مليئة بالأمثلة والأدلة المقنعة، مما جعل شومسكي يقتنع بالفكرة ويتراجع بشكل كلي عن نظريته الأصلية في توزيع الأسماء بالقواعد وعملية النقل. وهذا عين ما فعله في كتاب له منشور عام 1980 عنوانه “قواعد وتمثيلات” ..

المشكلة ليس هي أن شومسكي صحح خطأه بل هي أنه لم يعترف أنه أخطأ أصلا .. فقد استمر في الكتابة وكأن الأمر يتعلق بالحديث عن نفس النظرية! نظريته الأولى تفترض بأن هناك قواعد توزع الأسماء وتحويلات تعيد تحويلها. أما نظرية ڤيرنيو التي تبناها الآن فهي تتحدث عن مبدإ توزيعي ينبني على إسناد الإعراب بشكل محدد .. فكيف نوفق بين النظرتين؟

لجأ شومسكي إلى حيلة ذكية: النحو قالبي modular بمعنى أنه يتكون من مبادئ منفصل بعضها عن بعض تتفاعل فيما بعد بينها). هناك أكثر من قالب واحد في النحو: قالب “المصفاة الإعرابية” و”قالب القواعد”. بهذا فقد جمع شومسكي بين نظيته القديمة ونظرية ڤيرنيو. المشكلة أن شومسكي بدأ يدرك أن هذه الحيلة لن تنفع أبدا .. فقد برهن لساني فرنسي آخر اسمه ريتشارد كاين أن قواعد شومسكي حشوية ويمكن الإستغناء عنها … ما لا يمكن الإستغناء عنه هو “المصفاة الإعرابية” لڤيرنيو. بكل بساطة ووضوح: كان شومسكي مخطئا وڤرنيو محقا. وهذا ما أخفاه شومسكي بدهاء باستعمال حيلة إغراق قارئه في تفاصيل كثيرة غير ذات موضوع.

هذا مثال على الخداع الشومسكاوي ..

ما هي القالبية؟

حاول شومسكي إذن أن يخفي سرقته الأدبية في فكرة القالبية ..! المشكله هي أن فكرة القالبية نفسها ليست فكرة شومسكاوية! اسمح لي يا عزيزي ثاوفيلوس أن أشرح لك فكرة القالبية، لأكشف لك، بعد ذلك، صاحب هذه الفكرة الأصلي.

لنعتبر المثالين التاليين:

1_ زيد هو من تساءل عمرو متى كانت زينب تحب.

2_ زيد هو من تساءل عمرو متى كانت فاطمة تحبّه.

الجملة (1) لاحنة (غير مقبولة نحويا) والجملة (2) مقبولة نحويا. لماذا؟ الفرق بينهما بسيط جدا: إنه الضمير “ه” الذي يتبع الفعل “يحبُّ” في الجملة (2) ويختفي في الجملة (1). لماذا يغير الضمير “ه” من القيمة النحوية للجملة بهذا الشكل الراديكالي؟

لنفسر الفرق الواضح بين قيمتي الجملتين (1) و(2)، ينبغي أن نفترض أمرين:

أولهما، أن لفظة “زيد” في أصلها مفعول به للفعل “يحب” بحيث تكون البنية الأصلية للجملة هي:

3_ … هو الذي تساءل عمرو متى كانت زينب تحب زيدا.

افتراض هذه البنية الأصلية هو افتراض معقول لأن “زيد” هو الشخص الذي يتساءل عمرو إن كانت زينب تحبه. فتكون زينب هي “المحِبّة” وزيد هو “المحبوب”. للمحمول “يحب” دوران دلاليان هما دور “مختبِر” تجربة الحب ودور “مصدر” هذا الإختبار، فلا غرابة أن يكون الإسمان الحاملان لهذين الدورين الذين يسندهما فعل “يحب” أقرب إلى الفعل “يحب” من أي شيء آخر. بهذا المعنى، فإن افتراض تموقع “زيد” في موقع المفعول به لفعل “يحب”، كما هو مبين في (3)، هو افتراض معقول ومطلوب.

وثانيهما، أن لفظة “زيد” تنتقل من موضعها الأصلي (موقع مفعول الفعل “يحب”) إلى صدر الجملة (حيث نضع الفراغ الذي نرمز له بالنقاط “…”). فتصبح الجملة مماثلة لما هي عليه في (1). المشكلة في هذا الإنتقال أنه لا يحترم مبدأ كليا (ينطبق على جميع اللغات) مفاده أن نقل عنصر من موقع إلى موقع آخر لا ينبغي أن “يقفز” من جملة مدمجة (مثل: “كانت زينب تحبُّ.” في مثالنا) إذا كان صدر الجملة يحتوي على أداة استفهامية (“أداة ميمية”) مثل “متى” أو غيرها.

الجملة المدمجة التي تظهر أداة استفهامية في صدرها تسمى ب”الجزيرة الميمية”. والقاعدة هي أنه لا يجوز للنقل أن يقفز على جزيرة ميمية. هذا القيد على النقل هو الذي لم يسمح ل”زيد” بالانتقال إلى صدر الجملة الرئيسية ما دامت الجملة المدمجة مُصدّرة بالأداة الإستفهامية “متى”.

لكن، ما الذي يجعل الجملة (2) مقبولة نحويا رغم أن اللفظة “زيد” انتقلت إلى صدر الجملة الرئيسة؟ … الآن نحن في وضعية مريحة ستمكننا من فهم إقحام الضمير “ه” في موقع المفعول به للجملة المدمجة. نسمي هذا النوع من الضمير ب”ضمير الإستعادة”. ضمير الإستعادة هو الضمير الذي “يعوض” اللفظة المنقولة بعد نقلها لتتفادى الجملة خرق قيد “الجزيرة الميمية”. دور هذا الضمير هو الإنقاذ: إنقاذ الجملة من اللحن بعد تمكين لفظة من القفز على أداة ميمية في صدر الجزيرة الميمية.

لتفسير الفرق في المقبولية النحوية بين الجملتين (1) و(2) استعملنا مبدأين اثنين:

المبدأ الأول يقول بأن الأسماء ينبغي أن تكون مجاورة للمحمول الذي يسند لها دورا دلاليا. نسمى هذا المبدأ ب”مبدإ” الإسقاط.

والمبدأ الثاني يقول بأن النقل لا ينبغي أن يقفز على الجزيرة الميمية. نسمي هذا المبدأ ب”مبدإ التحتية”.

تقوم اللغة إذن على مبادئ مستقل بعضها عن بعض (مثل مبدأي الإسقاط والتحتية) ولكن تتفاعل مع بعضها البعض (كما يتفاعل مبدآ الإسقاط والتحتية لإقحام الضمير المستعيد من أجل إنقاذ الجملة (1) ) من اللحن. احتواء بناء اللغة على مبادئ مستقل بعضها عن بعض تتفاعل مع بعضها البعض هو ما نسميه ب”القالبية”. كل مبدإ من مبادئ النحو الكلي هو قالب قائم بذاته يتفاعل مع القوالب الأخرى. عبر شومسكي في كتابه المعون ب”محاضرات في نظرية الربط والعمل” (شومسكي 1981: ص.135) عن فكرة “القالبية” كما يلي:

“The system that is emerging is highly modular, in the sense that the full complexity of observed phenomena is traced to the interaction of partially independent subtheories, each with its own abstract structure. “

فكرة “القالبية” ليست لشومسكي بل لعالم متخصص في العلوم المعرفية اسمه “فودر”. وفكرة تقييد النقل ليست لشومسكي، بل للساني موهوب اسمه “روس”. وفكرة الدور الذي يلعبه إسناد الأدوار ليس لشومسكي بل كان يحاربه شومسكي لأنه كان يعتبره غير مهم في اللسانيات. معظم ما ينسبه شومسكي لنفسه ليس له.

شومسكي أسطورة كبيرة آن الأوان لتفكيكها …


اكتشاف المزيد من azulpress.ma

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. الموافقة قرائة المزيد

اكتشاف المزيد من azulpress.ma

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading