الصفحة الرئيسية

دراسات في الادب الحكائي الامازيغي – الحلقة 06: بعض الحكايات الأمازيغية ونظرية جان بياجي.

أزول بريس – الحسن زاهور  //

كما رأينا في الحلقات السابقة، تدخل الحكايات الأمازيغية ضمن الطرق والوسائل الثقافية التي يعتمد عليها في تربية الطفل وتنشئته على المنظومة الأخلاقية والفكرية الثقافية.. التي تحكم المجتمع أو المجتمعات الأمازيغية، الى درجة أن لكل حكاية هدفا تربويا أو تعليميا خاصا بها.
فالخزانة المغربية في هذا المجال، تفتقر كثيرا الى الدراسات التي تتناول علاقة الحكايات الأمازيغية بالتربية وترسيخ القيم الثقافية و كذلك دورها في النمو العقلي والمعرفي للطفل (ولي دراسة حول هذه العلاقة سأنشرها لاحقا).
والملاحظ أن هذه الوظائف التي تؤديها الحكايات لا تقتصر فقط على الأهداف التربوية والمعرفية والتعليمية بل إن نوعا منها (وهي كثيرة) تركز على تنمية ذاكرة الطفل وتعويده على التذكر في مرحلة أساسية من مراحل تطوره نموه العقلي والمعرفي.
فحسب جانب بياجي ( من أهم العلماء الذين اهتموا بتطور النمو العقلي والمعرفي لدى الطفل، حيث قسم مراحل هذا التطور الى اربع اساسية ) فإن المرحلة الثانية من هذه المراحل، وهي مرحلة ما قبل العمليات العقلية والمنطقية (من 2 الى 7 من عمره)، تمتاز بخصائص و آليات معرفية يكتسبها الطفل، من بينها أن الطفل في هذه المرحلة يكون صورة ذهنية عن الواقع ويميل الى اللعب التخييلي و يمثل الأشياء التي يراها على شكل كلمات وصور وبالتالي يستخدم اللغة.. ويقسم بياجي هذه المرحلة الى طورين: الطور القبل- المفهومي(2-4), والطور الحدسي( 4-7).
ومن مظاهر هذه المرحلة- كما لاحظ بياجي- عدم قدرة الطفل على عكس العمليات التي ترجع الحدث او الأحداث إلى وضعها الأصلي أي “ضعف” عملية استرجاع الأحداث كما هي عن طريق الذاكرة والتذكر. فكيف انتبه الامازيغ الى هذه الخاصية وحاولوا تقويمها بواسطة الحكايات؟
فهل عرف الامازيغ بحكم ثقافتهم وتجاربهم ان هناك مراحل تطور النمو العقلي والمعرفي عند الطفل قبل ان يكتشفها بياجي في القرن العشرين؟؟
السؤال سيثير تعجب البعض، واستغراب البعض، كما سيثير استهزاء وسخرية البعض الآخر الذي ينزع عن ثقافته كل تميز تتميز بها لينسبها الى الآخرين فينيقيين كانوا أو رومانا..
واذا طرحنا نفس السؤال من زاوية أخرى: كيف عرف الشعراء العرب اوزان الشعر العربي فنظموا على أوزانها قبل أن يضعها الخليل بن احمد في عروضه في القرن الثاني للهجرة؟ وكيف عرف الشعراء الامازيغ الأوزان الشعرية ونظموا شعرهم على ايقاعاتها دون ان تدون في كتاب؟
فكيف قوم الامازيغ عدم قدرة الطفل على استرجاع الاحداث كما هي وربطها بمسبباتها، اي استرجاع المواقف وتحديد مسبباتها في المرحلة الثانية من مراحل تطوره العقلي والمعرفي؟ وهو ما لاحظه بياجي كخاصية من خصائص هذه المرحلة.
ابدى الامازيغ اهتماما بهذه الخاصية فأفردوا لها أكثر من 16 حكاية- وهو عدد كبير بالنسبة لهذه الظاهرة- بنيت على نسق حكائي خاص بها، بحيث يمكن تغيير شخصيات الحكاية او بعض عناصرها حسب متغيرات المناطق وحسب خصائصها الجغرافية او الاقتصادية أو الاجتماعية.. لكن يبقى النسق الحكائي ثابتا.
وهو نسق مرتبط بتنمية الذاكرة لدى الطفل في هذه المرحلة من مراحل تطوره العقلي والمعرفي عبر عملية تحفيز الذاكرة بطريقة استرجاعية وفق عملية ارجاع تسلسلي مبني على الإعادة والتكرار عند كل حدث جديد يصل اليه الراوي في مسار أحداث الحكاية. و بمعنى آخر، هذا النسق الحكائي الخاص بهذا النوع من الحكايات الهادفة الى تنمية الذاكرة لدى الطفل يتكون من متتاليات حكائية متعددة ومتسلسلة، ترتبط فيه كل متتالية بالمتتاليات السابقة عنها بحيث لا يمكن المرور الى المتتالية اللاحقة الا بعد تذكر وسرد كل المتتاليات السابقة متسلسلة بالقهقرى إلى ان تصل الى المتتالية الأولى الذي كانت سببا في كل المتتاليات التي أتت بعدها، وهكذا تتكرر العملية الاسترجاعية بهذا الشكل في كل متتالية جديدة يصل اليها الحكي إلى نهاية الحكاية، ويجب أن تنتهي الحكاية في المتتالية الأخيرة التي وقف فيها الحكي المتوارث ، وإلا فإن الحكاية لن تنتهي ويتمتد الى ما لا نهاية. لذلك نجد بعض حكايات هذا النسق الحكائي تختلف من حيث الطول والقصر، فالمتغيرات فيها هي بعض الشخصيات فقط وليس كلها ( حسب المناطق) لكن الثابت الدائم هو النسق.
سنعط أمثلة من هذه الحكايات المبنية وفق هذا النسق الحكائي الخاص بتنمية وشحذ الذاكرة لدى الطفل( توجد 16 حكاية امازيغية خاصة بهذا النسق حسب ما توصلت اليه من خلال دراساتي للحكايات الامازيغية).
منها : حكاية” ووشن د ئسكيرن نس” اي الذئب وأفعاله، و” تلكيت د ئوط نس” اي القملة وصغيرها، وهاتان منشوراتان في كتابي” عيشة مي ييغد” اصدار المعهد الملكي للثقافة الامازيغية 2010. وحكاية ” تافروخت ئتلين س توديت” اي البنت التي تبحث عن الزبدة، وحكاية” تاگضيضت د الحاج گضيض”اي حكاية العصفورة والحاج عصفور، وحكاية ” موساسو د تگضيضت” اي موساسو والعصفورة، وهذه الحكايات الثلاثة مدونة في كتابي” ؤميين د ؤميين ن آيت ندي” اصدار رابطة تيرا بشراكة مع وزارة الثقافة2016. وحكاية” أغردا د تغردايت” اي الفأر والفأرة، دونتها الأستاذة فاطمة أكناو وأصدارها المعهد الملكي.
وحكاية” la vieillard et la mouche” وهي حكاية امازيغية قبائلية دونها روني باسي 1887, وحكاية” la fauvette” حكاية امازيغية دونها إميل لاوست في كتابه المعروف… وغيرها من الحكايات التي تفوق 16 حكاية وكلها صيغت في نفس النسق الحكائي الخاص بهذا النوع من الحكايات والذي ذكرته سابقا ليؤدي وظيفة تنمية الذاكرة لدى الطفل في مرحلة هامة من حياته هي المرحلة الثانية من مراحل نمو العقلي والمعرفي.
لذلك نقول: ألم يحن الوقت لواضعي مقررات التعليم في المغرب بمختلف لغات التدريس الالتفات إلى ثقافتهم المغربية وتوظيف حكاياتها في المقررات الدراسية حسب مراحل النمو العقلي للمتعلم؟
و الامر كذلك ينطبق على الجمعيات الثقافية المهتمة بالأطفال.
فكيف ننمي روح المواطنة و الاعتزاز بالانتماء إلى هذه الارض إن لم نوجه الطفل الى الاعتزاز بثقافته المغربية؟
ذ. الحسن زهور.

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.