خداعكم أفقدني الإحساس بالوطنية

9b750024-0171-48fc-9652-e064ddc47b66

بقلم: أحمد الهلالي//

لماذا أستمر بالكذب على نفسي، أعيش في وطن ظاهره يخالف باطنه، لماذا عليّ أن أبذل كلّ هذا الجهد لأثبت لمن حولي أنني أهتم بتعرض وطني  للمؤامرة من طرف أيادي خفية تتقمص الفرص تحت عتمة الظلام والغوص في المياه العاكرة ، فأنا حقًا لا أهتم  . فقدت أحاسيسي منذ زمنٍ بعيد تجاه هذا الوطن، ربّما من الوقت الذي تحوّل فيه الوطن إلى علكة بدون مذاق ومعروضة للمضغ داخل أفواه ناهبي خيرات البلاد. لا يهمني إن دكت كراسي مسؤولينا  وقصفت أوداجهم الحمراء،لماذا يجب ان أهتم وأن أحس بشيء لم يبادلني نفس الشعور والإحساس ، لا يهمني إن أضرب الشعب كلّه عن الطعام إحتجاجاً على المس بشيء مقدس إسمه الوطن حتّى تراه الأمم العمياء فأنا شخصيا أؤمن بشيء مقدس واحد هو كلام الله تعالى. لا يهمني ما يجري في سوريا، ولا حجم القتل الدائر في مناطق النار، لا يهمني من يرغب باقتلاع الحصن الأخير، وترجيح الكفّة للثوّار. لا يهمني تقسيم ليبيا، ولا أسرئلة العراق، لا يهمني من يتعامل مع إسرائيل من تحت الطاولة أو خلف الشباك، ما يهمني فقط هو أنّني أقطن العالم الثالث الذي يدفع ضرائب من يعلوه نوعًا ومال. ما يهمني هو أنني أُباع وأشترى، وأنّ سعريً خاضعٌ لمزادات المصالح وتجّار الأرواح.

في عالمي البعيد عن كلّ تلك الأخبار المقززة، لا شيء يدفعك للاستمرار بالإيمان. لا شيء يحثّك على المتابعة. إنّها المؤامرة، ليست تلك التي تستهدف الدول والحكومات، بل أخرى همّها إيقاف الشعوب مكانها دون حراك. كل من فكّر بإمكانية التغيير، انقلب عليه الأمر ليغدو أقرب للجحيم. كلّ من حوّل التعبير مثلي ونشد كلام الحرية والمشاركة والتعددية إلى فعلٍ، دق قلمه الويلات وألصقت له كافة التهم وفتحت له أبواب السجن على مصراعيها لإحتضانه حينما عجز حضن الوطن عن ذالك وأصرّ على الدخول.

في عوالمه الدامسة،لا تهمني هذه الخرافات والقصص التي تحوكها أيدٍ كثيرة لا شرط في أن تكون داخلية آو خارجية، في ذلك العالم الذي لا ترى فيه وقاحة الأجنبي المخيفة، والطاعة العمياء التي يلقاها، لا تسمع فيه لديكتاتورٍ يُحاضر بالديموقراطية، ولا لقاتلٍ يتحدث عن السلام ويطالب برمي الورود في وجه الرصاص. في ذاك العالم، لن يطالبك أحدٌ بإضاءة شمعة، لن تضطر للتظاهر بالحزن على شيء لم يحتضنك، لن ينفعك الكلام، لن ترتدي أثواب النفاق لتثبت أنّك تهتم؛ سأهتم حينما يعيدوا لنا أموالنا وخيراتنا التي سلبت منا غصبا وحصنت في بنوك بنما.

لن أكذب بعد الآن، لن يهمني إن أطعم ثمن هاتفي شعبًا صوماليًا، لن يهمني إن تحررت القدس أم بقيت على حالها لآلاف السنين، لن يهمني التقسيم الذي عمّ الأقطار العربية، لا يهمني الشحن الطائفي والمذهبي وكأننا عدنا ألف عامٍ إلى الوراء، لا تهمني المعاملات العنصرية، وما يهمني هو أخلاق المجتمع التي انحلّت على الطرقات، و حقوقي التي لم يمنحوني إياها و منعوها عني، ما يهمني هو تلك الطفلة التي عدبت و اغتصبت ولم يتجرأ أحدٌ على المطالبة بمحاكمة الفاعل. ما يهمني هو الشركات الملكية العائمة على حساب الناس، ما يهمني هم الفقراء و المساكين الذين لم يجد سريرًا لمريض منهم في مستشفيات المملكة السعيدة. لا تهمني عمارات المدينة العالية في جهة بقدر ما تهمني الأبنية الهشة والأكواخ المنهارة في مكانٍ آخر من الأرض ذاتها. ما يهمني هو محاسبة من يغرق البلاد بالمخدرات، ويخير شبابها بين التعاطي والفرار، ما يهمني هو أني تخرجّت ولم ينتشلني أحدٌ من أرض البطالة لأنّي لا أملك وساطةً كبيرةً أو كنت محسوبا على طرفٍ مهم في البلاد.

اشمئزازٌ تام، لا أرغب بشيء غير أن أطفو على سطح الهواء. أتخفّف من الأثقال التي فرضتها أوطاننا علينا، أتخفّف من حديث الخبز والحياة. لا أريد أن أسمع شيئًا، لا أريد أن أرى نذر الحرب القادمة. وحده السلاح يتدفق في عالمنا، وحدها مخيمات اللاجئين تُنفذ وتُبنى بمصداقيةٍ تامّة. لا شيء على هذه الأرض يستحقّ الانتظار، لا شيء يدفعك للمقاومة والدفاع عن مغتصبي هذا الوطن؛ نعم كلّ شيءٍ مكتوب لهم وسجل بإسمهم، وحدنا من نعيش في عالمٍ من خداع، ظنّنا أننا أمسكنا زمام الأمور، وإذ بالثورة تحولت إلى مخاضٍ أليم لشرق أوسط مليءٍ بمستعمراتٍ صغيرة.

لا تكذبوا على شعوب العالم الثالث، لن نعيش في هراء الإنسانية. لسنا سوى ممثلين ناجحين في مسرحية العالمية الإمبريالية.

 


اكتشاف المزيد من azulpress.ma

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. الموافقة قرائة المزيد

اكتشاف المزيد من azulpress.ma

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading