تقرير الخارجية الأمريكية والأمازيغية

د. عبدالله الحلوي//

سأعاكس، في هذا المقال، التيار السائد الذي ينتصر لتذمر وزارة الداخلية المغربية من تقرير وزارة الخارجية الأمريكية المتعلق بوضعية حقوق الإنسان بالمغرب لسنة 2015 الصادر في شهر أبريل الفارط. سأقترح قراءة “ميكروسكوپية” للجزء الذي يخصصه التقرير الحقوقي الأمريكي للبعد الأمازيغي للهوية المغربية، لأخرج بخلاصة مفادها أن هذا الجزء ليس مليئا بالتناقضات والإفتراءات كما يدعي هؤلاء الكتاب، بل إنه يعكس متابعة قريبة ودقيقة لكثير من المشاكل الحقوقية التي كان المناضلون الحقوقيون الأمازيغ ولا زالوا يثيرونها ويترافعون من أجلها في إطار المرجعية الدستورية والمرجعيات الحقوقية التي تُقِرّ بها الدولة المغربية.

هل التقرير الحقوقي لهذه السنة (2016) هو أول تقرير لوزارة الخارجية الأمريكية ينتقد وضعية البعد الأمازيغي للهوية الأمازيغية للمغرب؟

الجواب هو: لا. كل التقارير الأمريكية التي نجدها في قاعدة معطيات وزارة الخارجية الأمريكية منذ سنة 1999 تشير إلى هذه الوضعية وتنتقدها. بل إننا نجد في هذا التقارير إضافات وتعديلات عبر السنوات مواكبة لتطور تعامل السلطات مع ملف الأمازيغية.

فيشير تقريرا سنتي 1999 و 2000، مثلا، إلى المطالب التي رفعتها مجموعة من الجمعيات والتي تتعلق بترسيم اللغة الأمازيغية، وتنتقد مقاومة الإدارة لتسجيل المواليد بأسماء أمازيغية، وممانعتها لاستعمال حرف تيفيناغ في الفضاء ات العمومية، واستمرارها في سياسة تعريب أسماء الأماكن. يذكر تقرير 2000 أيضا أن منظمة تاماينوت أصدرت تقريرا تندد فيه بهضم الحقوق الثقافية للأمازيغ. كما يشير إلى تنديد منظمة تاماينوت، ماسينيسا في طنجة بتهديد السلطات لها عندما كانت مقبلة على عقد أحد مؤتمراتها، وبعدم إدراج دوزيم لأية برامج تلفزية ناطقة باللغة الأمازيغية، رغم أن المتكلمين بالأمازيغية هم أيضا من دافعي الضرائب التي تُدعم منها دوزيم.

ويضيف تقرير 2001 نفس العبارة التي نجدها في تقرير 2016 والتي تقول بأن “أكثر من 60% من سكان المغرب يقولون إنهم من أصل أمازيغي، بما فيهم العائلة الملكية”. يشير هذا التقرير أيضا إلى تأسيس المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية وإلى خطاب العرش ل 30 يوليوز، وإلى تأكيد الملك على أن الأمازيغية ” هي ملك لجميع المغاربة” و تحذيره من استغلالها سياسيا.

يشير تقريرا 2003 و2004 إلى الشروع في تعليم الأمازيغية في 317 مدرسة وإلى المطالب بتعميم تعليمها في جميع المدارس. وانطلاقا من 2006 إلى 2015، بدأت تقارير وزارة الخارجية الأمريكية تتحدث عن استياء الجمعيات الأمازيغية من تناقص عدد المتكلمين باللغة الأمازيغية بسبب سياسة التعريب التي انتهجتها الدولة. انطلاقا من 2011، بدأت تقارير وزارة الخارجية تؤكد على الأغلبية العددية للأمازيغ، وعلى أن المناطق القروية المهيمن عليها أمازيغيا هي الأفقر في البلد، وأن مستويات الأمية في هذه المناطق تصل إلى 80%. فأشار تقرير 2008، مثلا، إلى وفاة خمسة أشخاص من الأطلس المتوسط من شدة البرد، وإلى وفاة 35 شخص لنفس السبب بقرية أنفكو.

هل تقارير وزارة الخارجية الأمريكية تتعمد الحديث عن سلبيات التعامل الحقوقي مع الهوية الأمازيغية وتتجنب الحديث عن إيجابيات هذا التناول؟

هناك أدلة كثيرة من نص هذه التقارير تفيد بأن الأمر ليس كذلك على الإطلاق. فكما أن هذه التقارير تنقل استياء الجمعيات الأمازيغية من عدم الإعتراف برسمية الأمازيغية، ومن الممانعة في استعمال تيفيناغ في الفضاء ات العمومية، ومن مقاومة الإدارة تسجيل المواليد بأسماء أمازيغيةأمازيغية، ومن عدم إدراج الأمازيغية في الإعلام العمومي، إلخ، فإنها تشير إلى الإنجازات التي تحققت في كل سنة من السنوات.

فأشارت، مثلا، إلى تأكيد الوزير الأول عبرالرحمان اليوسفي في خطاب له بالبرلمان سنة 1998 على كون الأمازيغية جزءا أصيلا من الهوية المغربية، وأشار تقرير 1999 إلى إعلان العربي المساري عن تخصيص المزيد من ساعات البث الإذاعي والتلفزي للأمازيغية. وأشار تقرير 2001 إلى الدور الإيجابي الذي لعبه المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية. وأكد تقرير 2008 على ارتفاع عدد حصص اللغة الأمازيغية بالمدارس المغربية إلى 3470 في سنتي 2007 و2008، بزيادة قدرها 2806 بالمقارنة مع سنة 2006. وأشار تقرير 2009 إلى إدراج برامج باللغة الأمازيغية باللهجات الثلاثة. بل إن هذه التقارير تحاول أحيانا أن تجد مبررات لعدم التزام السلطات بالتزاماتها كما فعلت في تقارير 2013، و 2014، و2015 عندما فسرت عدم نشر الأمازيغة على نطاق واسع بعدم وجود ما يكفي من الأساتذة المؤهلين لتعليم الأمازيغية، مشيرة إلى دعوة المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية إلى إنشاء وحدات تكوين على مستوى الجامعة للمساهمة في معالجة هذا النقص.

هل تتضمن تقارير وزارة الخارجية الأمريكية أخطاء في المعلومات حول واقع الأمازيغية بالمغرب؟

نعم. فقد رصد أحد الباحثين اسمه ابراهيم آيت العڭيد خطأ مهما في تقرير سنة 2003 حيث ورد بأن تعليم اللغة الأمازيغية “بدأ في 317 مدرسة ابتدائية وإعدادية”. والصحيح أن تعليم الأمازيغية بدأ في 317 مدرسة ابتدائية وليس إعدادية. وقد تم تدارك هذا الخطأ في تقرير سنة 2004. وهكذا، فوزارة الداخلية قد أشارت إلى الخطأ المتعلق بالسيد الحموشي (الذي تضمنه تقرير 2016 عندما ربطه هذا التقرير بقضية الصحافي حميد مهداوي، علما بأن عبد اللطيف الحموشي لم يكن قد عين بعد مديرا للإدارة العامة للامن الوطني عندما أثيرت قضية هذا الصحافي) ولكنها لم تشر إلى الخطأ المتعلق بالمستويات التي تُدرس بها اللغة الأمازيغية.

هل أحاط تقرير وزارة الخارجية الأمريكية بجميع المشاكل الحقوقية التي تعاني منها الأمازيغية بالمغرب؟

الجواب بالتأكيد هو: لا. فتقرير 2016 لا يتحدث عن التراجعات التي عرفها تدريس الأمازيغية بالمغرب بعد إقرار دستور 2011، ولا يتحدث عن امتناع الحليمي (المندوبية السامية للتخطيط) عن إحصاء اللغة الأم، ولا يتحدث عن التماطل الشديد في إنزال مقتضيات ترسيم الأمازيغية على أرض الواقع، ولا يتحدث عن المنع التعسفي لمشاريع أحزاب تضع من بين اهتماماتها المساهمة في إنزال المقتضيات الدستورية للطابع المتعدد للهوية المغربية.

خلاصة

تقارير وزارة الخارجية الأمريكية حول وضعية الأمازيغية ليست مليئة ب”الأكاذيب” و”الإفترا ء ات” كما يدعي بعض “الملاحظين”، بل إنها تعكس متابعة قريبة ودقيقة لكثير من المشاكل الحقوقية التي كان المناضلون الحقوقيون الأمازيغ ولا زالوا يثيرونها ويترافعون من أجلها في إطار المرجعية الدستورية والمرجعيات الحقوقية التي تُقِرّ بها الدولة المغربية. لا نحتاج للتذمر من مثل هذه التقارير كل مرة .. نحتاج فقط للإستمرار في تحسين ملفاتنا الحقوقية!

اترك رد

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. الموافقة قرائة المزيد