تباريح الوداع

عبد السلام بزيد

المدينة أضحت كوجه عجوز شمطاء..

مغادرة الفراش هذا الصباح كواجب ثقيل على تلميذ مستهتر؛ الوجوه غير الوجوه وأنا أطل من خلال النافذة، شحوب يعتلي الجدران، وصمت رهيب يطبق على الحي الذي أقطنه، تساءلت في نفسي:
-أليست هذه هي المدينة التي فضلتها على بلدتي، بل على سائر البلدان؟
-أليست هي من أغرمت بها ومن النظرة الأولى..من الزيارة الأولى؟

صفارة إبريق القهوة حز حبل تفكيري، توجهت إلى المطبخ و سكبت بعضها بفنجاني وكعادتي وضعت قطعة سكر وحيدة، حتى طعم القهوة تغير بهذا المكان!

تسارعت بعض الأحداث خلال هذا الأسبوع فصرت شخصا آخرا يحتويه التفكير والتدبر!
مكالمة هاتفية وحيدة استطاعت أن تغير مجرى تفكيري 360درجة!

تتساءل زمرة السكارى الذين ألفوا منادمتي عما يشغل بالي، حتى أن سوادهم الأعظم ذهب إلى التفكير فيما لا أفكر فيه إطلاقا!
قال كبيرهم الذي علمهم فتح القناني:
-هذا الرجل لم يعد يعول عليه، عليكم التفكير في البحث عن بديل له!
لقد أجبتهم يوما دون أن أرفع عيني:
-سيذكرني قومي إن جد جدهم**وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر.
فضحك ندماء السوء من قولي لملمت نفسي وانصرفت!

حتى الهاتف؛ لم أعد أرد على اتصالاتهم، بل أضحت جلساتي معهم تسبب لي آلاما جسدية ونفسية لا تطاق، العجز عن التنفس بطريقة عادية، عجز مصحوب بغثيان وعرق غزير يكتسحني وارتجاف يستولي على كل أعضائي، حينها ألوذ بالفرار إلى ملادي الآمن ولمجرد ولوجي لحدودي الآمنة أحس بارتياح نسبي!

لكن تلك المكالمة باتت تقض مضجعي وتتردد في أوصالي بين الفينة الأخرى..كنداء أخير!
حاولت كثيرا إقناع نفسي أنني بخير وإن الأمر لا يعدو أن يكون سوى رغبة كرغباتي السابقة في تغيير المكان والعمل أو حتى تلك الزمرة من المنافقين الذين أقضي معهم أوقات فراغي.. الفارغة من كل شيء!

منذ سنوات ألفت أن أزور البلدة مرة كل شهر وسرعان ما أعود الى هذه المدينة التي أحسستها امتصتني، لكن زيارتي الأخيرة كانت بطعم آخر.

اقلني والدي وكانت والدتي بجانبه؛ حين وصلت محطة سيارات الأجرة وقبل مغادرتي رمقتني بنظرة مصحوبة بابتسامة لن أنساها ماحييت، لوحت لي بيدها وسيارة الوالد تبتعد أحسست بجزء مني يبتعد ويبتعد لحدود الوجع!

أخذت مكاني بسيارة أجرة قبل أن تتحرك وكانت أغنية على جهاز الستيريو تعمق جراحي، أغنية لعز الدين الشلفي *توحشتك بزاف يا لميمة* سكبت على إثرها دمعة دون استئذان.

إحساس غريب، وأنا الذي يشهد لي بقسوة القلب أدرف الدمع على أغنية كسائر الأغاني التي تتغني بالأم!

وصلت مقر الشركة، دلفت مكتبي و بحثت على الأغنية على النت استمعت إليها مرارا وكل مرة تكون مغايرة لسابقتها.
وأنا على هذا المنوال رن هاتفي تفحصت شاشته إذ بها والدتي قائلة:
-أهلا بك بني!

صوتها وحدها من يسافر بي عبر السحاب يجعلني أتيه في سمائي، تنصبني أميرها المميز دون مراسيم التنصيب، تجعلني ملكها بلا قصور، وحده صوت أمي يطربني إلى حدود الثمالة.
أجبتها ممازحا كعادتي:
-أهلا بسيدة السيدات وملكة الملكات، كيف حالك؟
تهدج صوتها و انقطع للحظات أحسستها تلملم شتاتها قبل أن تجيبني :
-لست على ما يرام..
واردفت قائلة:
-اليوم بعد أن ودعناك بالمحطة كان لي موعد مع الطبيب، وبعد أن فحصني طلب مني التوجه مباشرة إلى المستشفى بالعاصمة!
المستشفى…العاصمة.. أمي التي لم تغادر بيتها مند ردح من الزمان هاهي اليوم ستقطع المئات من الكيلومترات باحثة عن علاج.
أردفت قائلة:
-أوصيك خيرا بإخوتك..
ثم انقطع الإتصال..دلفت غرفتي وفتحت قنينة خمر وانزويت الى ركن النسيان المؤقت، لكن كلماتها باتت تتردد في أعماقي وبعد أن نال الشراب مني بدأت أحلل كلامها حتى أرهقني التحليل متسائلا إن كانت النهاية وشيكة!
بل صرت أحصي أيامي التي عشتها بعيدا عنها فتيقنت أنها أكثر مما توقعت!

عذرا سيدتي لم أكن كما رجوت..عذرا سرقتني الأيام وامتصتني الغفلة ورحت تائها بين المتعة واللذة وبين أحلام اليقظة، لم أكن في مستوى تطلعاتك!

وبعد تلك المكالمة التي أيقظت الإحساس بكل شيء بالمسؤولية..بالواقع فاحترت من أين ستكون البداية، فكان لي خيارين لا ثالث لهما، أن أترك ما أنا فيه وأعود إلى أحضان والدتي والإستمتاع بحديثها وببريق ولمعان عينييها وهي تمسح على رأسي بينما أحطه على ركبيها ماتبقى من عمرها..أو ما تبقى من عمري!
أو البقاء على سفاهتي والإستمرار في قرع الأقداح حتى أفقدها وبذلك أكون قد ضيعت ما لا يضيع!

حدقت في عقارب الساعة ففطنت أنني أجهضت مساحة من الزمان في التفكير في هذا الأمر، وبينما كانت عقارب الساعة تشير إلى تمام منتصف الليل أخبرت نفسي أنه الوقت المثالي لتغيير ما يمكنني تغييره، أو أنه الوقت المثالي لبداية جديدة!

حشرت بعض الملابس في حقيبة كنت قد ادخرتها لمثل هذه اللحظات، توقفت قليلا بعد أن جلست على حافة سريري، وقد بدا لي ولأول مرة وعلى طول هذه السنوات أن حياتي كانت مليئة بالثغرات!
سحبت حقيبتي وسحلتها دون تردد صوب محطة سيارات الأجرة.

طوال البون الشاسع؛ الفاصل بين سكناي ومدينتي الأم لم أتوقف عن التفكير في كل محطات عمري..وعلى كثرتها ، حاولت أن أجد فيما مضى نقطة مضيئة، حاولت أن أجد سببا مقنعا لهذا الإغتراب …أو الغربة بعيدا عن حضن دافئ يحس بك حين تنزف يكفكف دموعك حين بكاؤك، يدثرك في تلك الليالي الباردة التي تحتاج فيها لغطاء بعد أن غفوت دون شعور أمام التلفاز وأنت تتابع برامج تافهة، عمن يخبرك أن وجهك يعتليه الشحوب، عمن يسألك إذ كانت تكفيك قطعة سكر وحيدة لفنجان قهوتك أو تفضلها بسكر زيادة، لكن لسوء الحظ لم أجد ما يدفعني لكل هذا الإغتراب، فتيقنت أن قرار عودتي كان قرارا حصيفا!

وقبل انطلاقي الى قريتي توقفت بمحطة المدينة الخالية من كل شيء اللهم من كلاب وبعض البشر قاسمهما المشترك هو التشرد!

أبدو غريبا بهذه المحطة، و بالمناسبة لا تحمل من الصفة سوى الإسم، بعض المتسكعين يرمقونني بناظرهم يتربصون بي ظنا منهم أنني لقمة سائغة سهل الإلتقاط، لا يظنون أن لحمي مر بل أشد مرارة من العلقم، اقترب مني أشجعهم وطلب مني سيجارة فأجبته قائلا:
-ألا تعلم أن هذه الطريقة قديمة قدم الزمان بل انقرضت مع انقراض الدناصير!

وبلهجة يتخللها وعيد أخبرته أن يرمي شباكه بعيدا فليست كل الطيور تؤكل لحمها!

هنا علم المتشرد أنه أمام متشرد أكثر فتكا بل أكثر شراسة منه، الفرق الوحيد بيننا هو هندامي المتأنق!
لاح في الأفق شرطي لي به معرفة قديمة وبعد أن علم أنني أبحث عمن يقلني إلى قريتي أيقظ صاحب سيارة أجرة وبعد أن اتفقنا على الأجرة حشرت جسدي بسيارته وأطلق العنان لمحركه وصوت عذب ينبعث من جهاز الستيريو، صوت كأنه قادم من السماء تمكن من شعل جلدي يقشعر و يجعلني تائها في الملكوت، سألت صاحب سيارة الأجرة عمن يكون هذا القارئ فأخبرني أنه من فطاحلة القراء في العالم العربي وكان اسمه الشيخ سعد الغامدي، وكيف لي أن أعرفه وأنا تائه في بحر المجون كل ليلة، وبالنهار ألهث ككلب مسعور لأرضاء رؤسائي في العمل.
كان صوت المقرئ يتغلغل دواخلي ويجعلني أسكر ولأول مرة دون خمر ولا مخدر وكأنه يقصدني ويكرر الآية 27 من سورة الرعد:
(إن الله يضل من يشاء ويهدي إليه من أناب)

تكررت الآية لعدة مرات حتى خلت الجهاز معطلا، لكن بعد أن استرسل المقرئ تيقنت أنها رسالة إلاهية تخصني بعثها لي للإستيقاظ مما كنت فيه من لهو ولعب!

لقد جزعت وخارت قواي بعد أن ترجلت من سيارة الأجرة وصرت أحس جسدي وقد تقلص عن حجمه الأصلي ورحت متسائلا كيف يمكن لآية واحدة من القران أن تجعلني أسير تفكيري أو تجعل شريط حياتي المليئة بالذنوب يمر أمام عيني دون سابق إنذار؟

توجهت صوب بيتنا وباتت المسافة الفاصلة بينه وبين المكان الذي أنزلني به صاحب سيارة أجرة سحيقة، بينما الآية تتردد في مسمعي، نظرت من حولي فلاحت لي القرية غارقة في صمتها تبدو لي كعانس تندب حظها، لا يتردد فيها إلا صوت عجلات حقيبتي التي تصطدم بالحجارة بينما أسحلها طالبا بيتنا!

طرقت الباب مرات عديدة فلاح لي وجه والدتي، تلك الأم الرؤوم التي تمسكت بي وبأحلامي الصغيرة..التافهة أحيانا..تلك المرأة التي قد أصفها بالمرابطة التي تكبدت الكثير حتى تفشى المرض اللعين في أوصالها وفضلت المتابرة عوض الإنهيار،
عذرا أماه تالله؛ هناك ديون لا يمكن سدادها مهما حاولنا ذلك!

فتحت لي الباب وفتحت حضنها ارتميت فيه دون استئذان خنقتني العبرات وضممتها إلي بقوة بينما كانت تبتسم وتقول لي:
-رويدك رويدك بني !

لم أحفل لما تقول وأمعنت في ضمها وأردفت قائلة:
-أي بني العملية العملية ..الجروح بني!

توقفت عن ضمها حاولت أن تجر حقيبتي لكن منعتها من ذلك أخذتها من يدها نحو غرفتها ولاح لي كيس من العقاقير وقارورة ماء فتيقنت أن كل ما سأعيشه مع والدتي ليس سوى تباريح الوداع!
عشت معها شهرا بالتمام والكمال لم أغب عن ناظريها ولو دقيقة، كانت آخر مرة لي رأيتها واقفة على رجليها هو حين فتحت لي الباب عند مقدمي، عشت معها المرض..الأحتضار..الموت.. كتب علي أن أكون آخر من تراه عينيها وهي تستعد للقاء ربها فتساءلت -لماذا أكون آخر ما تراه عيني أمي قبل رحيلها؟
ربما لتطاردني الكوابيس ما حييت كما تطاردني كوابيس فشلي!


اكتشاف المزيد من azulpress.ma

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. الموافقة قرائة المزيد

اكتشاف المزيد من azulpress.ma

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading