بصمت مسموع : استشيروا بوكوس قبل فتح النقاش..!

  • عزيز اجهبلي //
أنتظر من الخبراء الأمازيغ، خاصة الذين سنحت لهم الفرصة الاطلاع على وجهة النظر هذه، أن يدلوني على رأي يرونه صائبا في قضية: “التعابير والأمازيغية الموحدة”، لأني في الحقيقة تهت حينما لاحظت تناقضا صارخا بين موقف الدولة المغربية من الأمازيغية وموقف مهتمين وخبراء أيضا من الأمازيغية في لقاء أو لقاءين بالمعرض الدولي للكتاب والنشر الذي أسدل الستار عن دورته التاسعة والعشرين أمس.
بخصوص هذه المسألة، أنا مقتنع تماما، إلى درجة الإيمان بأن المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية سوف لن يتراجع قيد أنملة عما تبناه منذ لحظات تأسيسه سنة 2001 ، ودفاعه المستميت عن اللغة الموحدة أو الأمازيغية المعيار، بدليل أن مئات الكتب أصدرها بمنطلق وبخلفية أن هناك أمازيغية واحدة لا غبار عليها.
الطرح الذي يقول باللغة الموحدة استراتيجي، تبنته الدولة المغربية في إطار العناية بهذه اللغة وتنميتها وتثمينها، وترصيد مكتسباتها، كما كان يقال عادة في أكثر من ندوة ولقاء. وتوج النقاش في الموضوع دستوريا، بالإعلان على أن الأمازيغية رسمية. وأعتقد أن الدستور واضح في هذا الشأن، ولو كان غير ذلك لنص على أن “تاشلحيت” مثلا هي الرسمية، أو “تاريفيت”، أو “تامزيغت” أو جميعا، بلغة واضحة وبصيغة الجمع، مادامت نصوص الدستور هي قواعد قانونية تقتضي الوضوح وإمكانية التنزيل.
لكن ما لاحظته في المعرض الدولي للنشر والكتاب هو العكس، لدرجة أن ما دار حول الأمازيغية يستدعي منا طرح السؤال التالي: هل الذين ناقشوا باسم المؤسسات التي من مهامها استعمال والترويج لهذه اللغة، كالمعهد الملكي للثقافة الأمازيغية والقناة الأمازيغية أرادوا أن يبعثوا لنا رسائل للتأكيد على أن مشروع وحدة اللغة انتهى ولم يفلح؟ أو أن مشروع المعيرة لم يعد قائما؟ لو كان الامر غير ذلك لماذا لم يخبرونا، بصريح العبارة، أن هذا النقاش المبني على التعابير الثلاثة ما هو إلا طريق نحو المعيرة وأن المشروع مازال ساري المفعول؟
ما أجج في التأهب والخوف، هو أن يذهب مجهود أكثر من عقدين من العمل وكد سبعة مراكز بحثية بأطرها وخبرائها داخل المعهد الملكي سدى. انتبهت لذلك حين حضرت لقاء حول: “الإذاعة الأمازيغية في المشهد السمعي البصري الوطني: الأدوار التاريخية والرهانات المستقبلية”، ولاحظت بدهشة واستغراب ما كتبه المنظمون على بطاقة الندوة، بأن تسليط الضوء على الموضوع يقتضي ابراز التنوع الثقافي والتعدد واللغوي، الذي يوطد وحدة البلاد والهوية المتجذرة. هل يعتقد الذين أطروا، أو نظموا اللقاء أن التعدد اللغوي هو التعابير الثلاثة للأمازيغية؟
عليهم إدراك أن الدقة تقتضي القول، إن التعدد على هذا المستوى، قد نعني به، الأمازيغية والعربية والفرنسية والاسبانية ولغات أخرى إن وجدت. لكن الأمازيغية تقتضي الوحدة وأن التعابير هي عناصر مكونة للأمازيغية المعيار ليس إلا.
وما ضاعف الرهبة لدي، هو لقاء يوم السبت 18 ماي 2024 ، حول معجم المرحوم بناصر أوسيكوم، وهو معجم حول إحدى فروع تامازيغت بالأطلس المتوسط، وذلك حسب الخبراء الذين تداولوا في مضمون الكتاب، وهم ابنه منير أوسيكوم، الأستاذة رحمة باربارا والأستاذ الحسين مجاهد والباحث أحمد بوعود، أدارت أشغال اللقاء الأستاذ فاطمة بوخريس.
أتمنى ألا يكون هدف ونية البعض من كل هؤلاء الذين ناقشوا الأمازيغية من مرجعية مبنية على الحنين، العودة بنا إلى مرحلة الشفهي، على أن يخبئوا ويدسوا في كلامهم جهلهم للكتابة بحروف التيفيناغ، ويعلنوا نقاشهم للقضية بهذا الشكل، لكن قطب الرحى في هذه القضية هو: “الشفهي والمكتوب والمعيرة”، التي تضم ثلاثة عناصر مترابطة، لا يمكن فصل العنصر الواحد عن العنصرين الآخرين، وإلا سندمر وحدة اللغة، وسنكون نحن من يساهم في قتلها. وعلى ما اعتقد فهو السبب الذي جعل أحمد بوكوس عميد المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية في أحد اللقاءات، يرفع البطاقة الحمراء في وجه محمد مماد المدير السابق للقناة الثامنة “تمازيغت”.
القصة تعود إلى بداية 2018، حين أراد محمد مماد أن يقدم في ندوة صحفية إحدى اختراعاته، وهي تقنية البث باللهجات الأمازيغية الثلاث، وبرر ذلك بالكثير من الكلام، كالاستجابة لانتظارات جمهور القناة، وتنزيل المقتضيات الدستورية، واحترام التعددية اللغوية، وسياسة القرب، واحترام الخدمة العمومية.
بوكوس الذكي استشاط غيظا، وأخذ الكلمة، ثم قال إن المسألة ليست تقنية صرفة، وأن اختيار اللغة المعيار أو اللهجات ينطوي على خلفيات ورهانات متعددة الأبعاد. وواجه بوكوس مماد، وخاطبه بصريح العبارة، أنه كان عليه أن يفتح النقاش ويطرح المسألة للتداول بين العموم قبل الإقدام على هذا التطبيق، وتأسف بوكوس أسفا شديدا على تجميد اللجنة المشتركة بين المعهد الملكي ووزارة الاتصال آنذاك والشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة. وفيما يتعلق بثنائية اللغة المعيار والتعابير الأمازيغية الثلاثة، دعا بوكوس الإعلام الناطق بالأمازيغية إلى التعامل مع هذا الإشكال بنوع من الحرص على تحسين العلاقة التكاملية بين الأمازيغية المعيار وروافدها الثلاثة.

اكتشاف المزيد من azulpress.ma

اشترك للحصول على أحدث التدوينات في بريدك الإلكتروني.

اترك رد

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. الموافقة قرائة المزيد

اكتشاف المزيد من azulpress.ma

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading