الواقع أن العديد من التصورات النقدية و المحاولات الإبداعية التي حاولت الاشتغال على الأدب النسائي و النبش في هذا المصطلح ، رفضته لأنه يجزئ و يقسم فعل الإبداع ، غير أننا نؤمن أن هذا اللون من الكتابة له خصوصية جعلت منه ظاهرة و علامة في المجال الإبداعي ، فالنساء مقارنة مع الرجال دخلن متأخرات عالم الكتابة _و هنا يمكن للدارس و المهتم أن يبحث عن الأسباب الكامنة وراء ذلك _و إلى عهد قريب ، لم يكن ما تكتبه النساء يؤخذ بعين الاعتبار ، أو ربما لأن التاريخ لم ينقل لنا سوى تاريخ الرجال ، ليس في مجال اللغة و الأدب فحسب بل في كل المجالات ، ربما لم يكن أحد ليستمع إلى النساء و ينصت لندوبهن أو يذكرهن ، فمحيت آثارهن جميعها .
و مما لا يختلف فيه اثنان أن فعل الكتابة لا يخضع لمنطق جنس صاحبه أو عمره أو لونه أو جنسيته لأن هذا التقسيم غير مصيب ، لأننا به سنصبح أمام إبداعات متفرقة ، في حين أن ” الإبداع سلوك بشري لا يختص به جنس دون غيره ، و لأن الكتابة بصفة عامة فعل أنتروبولوجي نابع من مجموعة من التوابث التي يرتكز عليها الإنسان ” كما عبرت عن ذلك الكاتبة و الناقدة التونسية جليلة الطريطر .
لذلك ظلت الكتابة النسائية أو الإبداع النسائي عموما من الموضوعات الأكثر إشكالية من حيث التصنيف ، لأن هذا النوع من الكتابة ينتمي لمجموعة ثقافية نفسية مختلفة في شكل اجتماعي ،مما يعطي لكتابتها تمييزا يختلف عن التجربة الرجالية إن شئنا القول .
إن الكتابة النسائية تحتاج إلى رد الاعتبار و إعادة التأمل ،لما طالها من التهميش و الاقصاء و الظلم ،” فقد تسيد الذكر و أخذ مكانه على هرمية العلاقات و اضطلع بفعلي الكتابة و الإنتاج ، و توارت النساء خلف المؤسسة الذكورية المشغولة بإقصاء الأنثى ، بما يضمن غياب أسماء أنثوية داخل المشهد الثقافي العربي ” هذا ما ذكره الكاتب سعيد أوعبو في مقال له بعنوان ” الكتابة النسائية و الكتابة النسوية الأواصل و الفواصل .
فالقارئ أو المطلع على الجذور الأدبية الممتدة عبر التاريخ الأدبي سيجد تحجيبا و تحجيما و تعتيما على الخطاب الأنثوي في الأدب عموما ،حيث ظلت النصوص التي وصلتنا بسيطة و منها ما يحيل إلى الاستسلام و الانكسار و التوجع، حيث كانت كل النصوص التي وصلتنا و قرأناها في المدارس هي في غرض الرثاء ،فعندما نستحضر الخنساء مثلا ، فإننا نستحضر البكاء و التفجع ،هل هذا يعني أن شاعرتنا لم تكتب في موضوعات و أغراض أخرى غير الرثاء ؟… و حتى عندما نذكر ليلى الأخيلية نستحضر الانكسار و رثاء الحبيب ..
إن سمات و ملامح الكتابة النسائية ارتبطت بمشاعر الضعف لا القوة ،بمشاعر الهزيمة لا الشجاعة ،و كأنه ينبغي عليها ألا تعبر إلا في هذه الخانة و إلا لن يُسمع صوتها .. …هذا من جهة .و من جهة أخرى كان الأمر صعبا أن توقع المرأة عملها أو كتابتها باسمها و هذا ما صرحت به الإعلامية و الكاتبة المغربية ليلى أبو زيد في مقدمة كتابها “رجوع إلى الطفولة ” فقد كان مكروها على المرأة أن تكتب ،أن تعبر عن مواقفها تجاه الحياة ، كان صمتها يعني وقارها و حياؤها .
لا ننسى أيضا أن فدوى طوقان الشاعرة الفلسطينية اتهمت بأن أخاها إبراهيم طوقان هو كاتب نصوصها …و أذكر في هذا السياق الكاتبة الجزائرية المدهشة أحلام مستغانمي و ما تعرضت له عقب نجاحها الباهر عند صدور روايتها “ذاكرة جسد ”
فقد تم التشكيك في كون أحلام هي كاتبتها ، فتم نسبها إلى الشاعر العراقي سعدي يوسف ، فلغة الكاتبة الروائية بالفعل كانت استثناء ….فصدر بعدها” فوضى الحواس” و” عابر سرير “و ” الأسود يليق بك ” و غيرها من الإبداعات…..لتؤكد انها كاتبة بالأصالة و قالت في هذا السياق ” القضية كبرت فجأة و أخذت بعدا مذهلا و كأن البعض يستخسر في المرأة نجاحها …..
و مي زيادة و غيرها من اللواتي تعرضن لعدم التقدير أو الهجوم من المجتمع أو حتى النسيان .و تقول الروائية أحلام مستغانمي في إطار التشكيك : ” فجيعتي أخلاقية و ليست أدبية ، أنا أبحث عن أعداء شرفاء ، عن معارك فيها نبل ….لا أنتظر من هذه الأمة العربية التي أوصلت مي زيادة إلى الجنون و باحثة البادية إلى الانتحار و سعاد الصباح إلى السكوت ، و دفعت بمعظم الكاتبات العربيات إلى الهجرة ، لا أنتظر أن تنصفني ، الكاتب لا ينصفه إلا الموت ” .
إن خوف و تردد المرأة في الكتابة و التعبير جعلها تخرج باسماء مستعارة،ظلت مجموعة من الكاتبات يختفين وراءها على سبيل الذكر لا الحصر ،بنت الشاطئ، و رفيقة الطبيعة و باحثة البادية و هن على التوالي عائشة عبد الرحمان و زينب فهمي و ملك حفني ناصف … و في مقابل ذلك كنا نجد ألقابا كبيرة للرجال ، مثلا أمير الشعراء ، شاعر النيل ، شاعر المهجر ، شاعر النبوة ، شاعر الشباب ……
الأمر المتعلق بالتشكيك و التغييب و المحو لم يكن خاصا بمناخ الأدب العربي فقط ، بل كذلك بالمناخ الغربي و هنا نذكر من تحفظن في ذكر أسمائهن مثل الكاتبة التركية فاطمة علياء توبوز (1862/ 1936) التي كانت تقرأ و تكتب خفية عن زوجها و عائلتها قبل أن تتخذ لها اسما مستعارا تذيل به إبداعاتها وهو ” امرأة ” ، كما هو الحال لكاتبات أوروبيات غيرن أسماءهن منهن ” ماري آن إيفانس ” التي كانت توقع أعمالها باسم رجل وهو جورج إليوت ، و الروائية الفرنسية ” أمانتين أورولوسيل ” وقعت أعمالها باسم جورج صاند كي تقرأ أعمالهما و تؤخذ مأخذ الجدية بعيدا عما كان ينسب للكتابة النسائية من كونها مجرد قصص رومانسية .
لا ننسى أيضا أقدم مؤلفة في التاريخ البشري ” إنخيدوانا ” التي لا يُتحدث عنها أبدا .
أما مسرحية :” بريستيس ” Brutus لمؤلفتها كاترين برنار (1662/ 1712)و التي تعد أول كاتبة مسرحية ، لتنسب بعدها مسرحيتها لرجل ، ناهيك عن كونها ألفت العديد من الروايات و الحكايات و نظمت القصائد .
لقد ” تم حجبهن بشكل متعمد و خلف كل قصة من قصصهن نكتشف عملا تخريبيا لتجريدهن من الشرعية ” ص، 124 من كتاب ” عظيمات منسيات، لماذا غيب التاريخ النساء” ، حيث استطاعت مؤلفته تيتيو لوكوك الوقوف عند بشاعة المحو و التغييب التاريخي لأسماء نساء حكمن و أبدعن و ابتكرن و كتبن الكثير و أنهن لم يلتزمن الصمت بحجة الانشغال مع الأطفال و الأعمال المنزلية و إعداد حساء البطاطس على حد قول الكاتبة في سطور الكتاب .
و المتأمل اليوم في الساحة الثقافية و الأدبية على وجه الخصوص سيرى أن الكاتبة استطاعت أن تكسر حواجز الخوف و التردد و الضعف و تحتل مساحات شاسعة في هذا المجال ، كما استطاعت أن تشكل إضافة نوعية للمشهد الأدبي و الإبداعي .
فالكاتبة استطاعت أن تنسل من بين مطرقة الاضطهاد و سندان الزجر و التغييب القسري لترتبط بالتطور الحاصل في نضال المرأة و ما تتبناه الحركات النسائية و التي بدأت مطالبها بتعليم المرأة، ثم سارت نحو تحقيق غايات منشودة ،و لم تكن كتابات المرأة في منآى عن المعترك النضالي ، حيث دشنت تغييرا في المشهد الإبداعي أواخر الخمسينات و الستينات من القرن الماضي فظهرت تجارب روائية لكاتبات عربيات ، جعلتنا نتفاءل بالإمكانات المعرفية و الفنية و الجمالية التي تزخر بها النصوص الإبداعية في مختلف الأجناس .
و رغم ما نراه اليوم في الساحة الأدبية من نجاحات ، فأعتقد أن الطريق لازالت وعرة و غير معبدة خاصة أمامنا نحن _ الكاتبات_ اللواتي يحملن القلم دون تراكم قرائي و معرفي ، فلابد من إعادة بناء الذات بالعمل الجاد و الدؤوب ، و استثمار تجارب الكاتبات اللواتي عشن تحديات كبيرة ، و حققن انتصارات عظيمة ، نحن اليوم نعيش في ظلها ، و حتى لا يقطع هذا الرحم مجددا ، لابد من تجويد الفعل الكتابي و عدم السعي وراء نجاح قد يكون منخورا من الداخل .
مداخلة بمناسبة توقيع كتاب ” أقلامهن ” مؤلف جماعي لعضوات نادي القراءة تادلسا و عضوات رابطة كاتبات المغرب بجهة سوس ماسة .
اكتشاف المزيد من azulpress.ma
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
التعليقات مغلقة.