الزمن و الحضور في القرآن : من لحظة الدنيا العابرة إلى الخلود الابدي

الدكتورة حفيظة الأزمي الإدريسي

لماذا قال القرآن: ﴿وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا﴾ ولم يقل: موجودًا أو مكتوبًا؟
لفهم ذلك، ينبغي النظر إلى الدلالة الدقيقة للكلمات في العربية والقرآن.

أولاً: الفرق بين “موجود” و”مكتوب” و”حاضر”
1. موجود
كلمة موجود تعني أن الشيء له وجود ما، لكن هذا الوجود قد يكون:
بعيدًا
مخفيًا
غير مدرك
فقد يكون الشيء موجودًا لكننا لا نراه.
2. مكتوب
كلمة مكتوب تشير إلى أن الشيء مسجل أو محفوظ.

قال الله تعالى:

﴿وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا مَكْتُوبًا﴾

(الكهف 49)

أي أن الأعمال مسجلة في كتاب الأعمال.
لكن الكتابة تعني التوثيق، لا تعني بالضرورة المواجهة المباشرة.
3. حاضر
أما كلمة حاضر فهي أعمق بكثير.
الحضور يعني:
الوجود
القرب
المواجهة
الانكشاف
فعندما يقول القرآن:
﴿وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا﴾
فالمعنى ليس فقط أن العمل موجود أو مكتوب، بل أن الإنسان يواجهه مباشرة.
ثانياً: الحضور في اللغة العربية
الحضور في العربية يقابل الغياب.
الغائب: ما لا نراه
الحاضر: ما يقف أمامنا
ولهذا نقول في الحياة اليومية:
“الشخص حاضر”
أي موجود أمامنا الآن.
إذن الآية تشير إلى أن الأعمال التي كانت غائبة في الدنيا تصبح حاضرة في الآخرة.
ثالثاً: التحول من الغيب إلى الحضور.
الدنيا في القرآن هي عالم الغيب النسبي.
نحن لا نرى:
نتائج كل أعمالنا
حقيقة نياتنا
العدل الكامل
لكن يوم القيامة يحدث تحول كبير:
الغيب يصبح حضورًا.

قال تعالى:
﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَٰذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾
(ق 22).

أي أن الحقيقة التي كانت مخفية تصبح مكشوفة تمامًا.
رابعاً: معنى الحضور الوجودي
بعض العلماء قالوا إن الآية تشير إلى أن الأعمال قد تتجسد يوم القيامة.
أي أن العمل يصبح كأنه شيء قائم أمام صاحبه.
وقد ورد في الحديث أن:

الصدقة قد تأتي يوم القيامة كظل لصاحبها
والقرآن يأتي شفيعًا لصاحبه.
وهذا يبين أن العمل يتحول من فعل زمني إلى واقع حاضر.
خامساً: تأمل فلسفي
يمكن تلخيص الأمر هكذا:
في الدنيا:
الفعل → يمر في الزمن → يختفي ظاهريًا،
لكن في الحقيقة:
الفعل → يبقى محفوظًا في نظام الوجود.
وفي الآخرة:
الفعل → يعود إلى صاحبه حاضرًا.
خلاصة المعنى
القرآن لم يقل موجودًا ولا مكتوبًا فقط، بل قال:
﴿حَاضِرًا.
لأن يوم القيامة هو يوم الحضور الكامل للحقيقة:
حضور الأعمال
حضور النيات
حضور العدالة الإلهية
فلا شيء يبقى غائبًا.
✨ وهناك تأمل أعمق يطرحه بعض المفكرين:
القرآن يستعمل كثيرًا كلمة “الحضور” وكأن الزمن نفسه سيتحول يوم القيامة إلى “حاضر دائم”.
وهذا يفتح سؤالًا فلسفيًا كبيرًا:
هل الآخرة هي في الحقيقة “عالم الحضور الكامل” بينما الدنيا “عالم العبور والزمن”؟

إهناك فكرة مدهشة في القرآن:

العلاقة بين الحضور والزمن في قوله تعالى:
﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ﴾
وهذا يقود إلى فهم عميق جدًا لطبيعة الزمن والوجود في القرآن
الحضور والزمن في القرآن: هل الآخرة عالم الحضور الكامل؟

إن التأمل في آيات القرآن يكشف أن مفهوم الحضور مرتبط ارتباطًا وثيقًا بمفهوم الزمن. فالقرآن يلمّح إلى أن الزمن الذي نعيشه في الدنيا ليس هو الشكل النهائي للزمن، بل هو مرحلة من مراحل الوجود.
أولاً: الزمن في الدنيا زمن العبور.
الإنسان يعيش في الدنيا داخل تدفق مستمر للزمن:
الماضي يختفي
الحاضر يمر بسرعة
المستقبل لم يأت بعد.
ولهذا يشعر الإنسان أن الأشياء تزول وتختفي.
يشير القرآن إلى هذا الطابع العابر للحياة الدنيا في قوله تعالى:

﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾
(آل عمران 185)

فالدنيا ليست مستقرة، بل هي مرحلة حركة وانتقال.

ثانياً: الزمن في الآخرة مختلف
القرآن يلمّح إلى اختلاف طبيعة الزمن في عالم الآخرة.
قال تعالى:
﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾
(الحج 47)

وقال أيضًا:

﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾
(المعارج 4)
هذه الآيات تشير إلى أن الزمن ليس مطلقًا، بل يختلف باختلاف مستوى الوجود.
وهذا ما يقترب منه العلم الحديث أيضًا.

ثالثاً: الزمن في العلم الحديث
في نظرية النسبية التي وضعها الفيزيائي Albert Einstein، لم يعد الزمن شيئًا ثابتًا.
فالزمن يمكن أن:
يتمدد
يتباطأ
يختلف باختلاف السرعة والجاذبية
وهذا يعني أن الزمن الذي نعيشه ليس الشكل الوحيد الممكن للزمن.
رابعاً: من الزمن إلى الحضور

في الدنيا:
الأحداث تمر عبر الزمن، لذلك تختفي من الحاضر.
أما في الآخرة، فيبدو أن القرآن يشير إلى أن الحقيقة تخرج من الزمن إلى الحضور.
قال تعالى:
﴿وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا﴾

(الكهف 49)

أي أن الأعمال التي كانت جزءًا من الماضي في الدنيا تصبح حقيقة حاضرة.
وكأن الزمن لم يعد يخفيها.
خامساً: انكشاف الحقيقة

يصف القرآن لحظة انكشاف الحقيقة في قوله تعالى:

﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَٰذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾

(ق 22)
هذه الآية تصور حالة وعي كامل بالحقيقة.
فما كان:
غائبًا
أو مخفيًا
أو منسيًا
يصبح واضحًا حاضرًا.
سادساً: الآخرة كعالم حضور.
من خلال هذه الآيات يمكن فهم فكرة عميقة:
الدنيا = عالم الزمن والعبور

الآخرة = عالم الحضور والانكشاف.
في الدنيا:

الزمن يخفي كثيرًا من الحقائق.
أما في الآخرة:
الحقيقة حاضرة بالكامل
خلاصة التأمل
القرآن يقدم رؤية مدهشة للوجود:
الدنيا مرحلة زمنية مؤقتة
الآخرة مرحلة الحضور الكامل للحقيقة.
ولهذا يقول القرآن:
﴿وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا﴾
أي أن الإنسان يلتقي أخيرًا بكل ما صنعه في حياته.
✨ وهناك سؤال فلسفي أعمق يطرحه بعض المفسرين والمفكرين:
هل الإنسان نفسه ينتقل يوم القيامة من “وجود في الزمن” إلى “وجود في الحضور”

 

 


اكتشاف المزيد من azulpress.ma

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. الموافقة قرائة المزيد

اكتشاف المزيد من azulpress.ma

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading