الرايس صالح الباشا يخلق الحدث بتناوله للقضية الامازيغية

//ياك لاباس – المهدي مالك- //

مقدمة : اختلفت القراءات و التحاليل حول قصيدة الرايس صالح الباشا الجديدة و المثيرة للجدل داخل المجتمع ببعده الفني و الحقوقي بحكم مضمونها ذو جراة واضحة بالنسبة لي كمستمع واعي حيث ان الرايس صالح الباشا هو اسم له وزنه الثقيل في فن الروايس بفضل طابعه الشبابي من حيث الايقاع و المواضيع مثل الغزل الرمزي و المشاكل الاجتماعية مما جعله يتوفر على مكانة مرموقة لدى جمهوره العريض من الشباب الخ.
قد تفاجئ الجميع و من بينهم انا باعتباري باحث متواضع في فن الروايس لان مهما اختلفت قراءاتنا و تحاليلنا لهذه القصيدة النادرة فان التاريخ سيسجل ان فن الروايس قد تعامل مع مختلف القضايا ذات صبغة وطنية كمقاومة الاستعمار و مدح السلطة بعد الاستقلال و كما تعامل هذا الفن مع القضايا الاسلامية ان صح التعبير مثل القضية الفلسطينية الخ من منطلق اننا مسلمون امام التاريخ و امام الحقائق الاجتماعية و ليس امام السلطة انذاك أي في سنوات الرصاص بفعل سيادة ايديولوجية الظهير البربري بشكل فظيع .
انني ساحاول بقدر الامكان الحديث عن هذا الموضوع عبر ابراز دور هذا الفن في تعميق الوعي بالانتماء الامازيغي و الدفاع عن الحقوق الثقافية كما كانت تسمى في فترة التسعينات و كما ساحاول تحليل بعض المصطلحات المستعملة من طرف الروايس تعبيرا عن اعتزازهم بهذا الانتماء الفعلي لهذه الارض .
من الصعب ان نبحث في هذا الموضوع بالنظر الى ندرة المصادر و الابحاث الخاصة و المهتمة بفن الروايس و ادواره المختلفة في مجتمعنا الامازيغي بوجه خاص حيث هذه الادوار تختلف باختلاف الزمان و المكان و الاوضاع السياسية و الاقتصادية فنجد ان شعر الروايس في عهد الحماية كان يرفع شعار الاسلام كانتماء ديني صرف بمعنى ان هذا الدفاع لم ينطلق من ايديولوجية دخيلة الينا و انما انطلق من ارض الواقع و ضرورة طرد الاجانب من بلادنا العزيزة.
لكن هذا لم يمنع من ظهور انتماء اخر عند الروايس الا و هو الانتماء الامازيغي ببعده القبائلي او الجهوي في امر الامر كما في احدى قصائد الحاج بلعيد الرائعة قائلا فيها اوسيغد تدوات د لقلم د لكيغض اينا ينظم لقلب ارانت افاسن اكيس احاظر ؤعراب اولا اشلحي .
و هذه القصيدة بالنسبة لي تدل على ثقافة الاعتراف بالاخر و الاعتزاز بالانتماء الامازيغي بشكل او باخر لان مصطلح اشلحي يحمل العديد من المعاني بعضها قدحي و بعضها الاخر يدخل ضمن المتداول بين عامة الناس في البوادي او في المدن على حد السواء الى اليوم و اشلحي او الشلوح الخ هم مصطلحات شعبية بعيدة عن الحقائق التاريخية و مفادها ان اسم هذا الشعب الاصلي هو ايمازيغن بمعنى الحر.
و من هذا المنطلق انطلق الرايس صالح الباشا في قصيدته النادرة أي من الوعي التقليدي السائد في فترات تهميش الامازيغية من طرف السلطة حيث يجب التذكير هنا ان المرحوم الحاج محمد البنسير كان من اوائل الروايس الذين ادركوا دونية ثقافتهم الامازيغية في المجال العمومي و اقصد هنا الاعلام و التعليم بحيث ان عقد الثمانينات كانت الامازيغية تعاني من حصار رهيب من طرف السلطة و اغلب التيارات السياسية حيث علينا عدم نسيان بان من كان من يدافع عن حقوقه الثقافية يعتبر من دعاة الاستعمار و الصهيونية العالمية…
و كان البنسير له علاقات متميزة مع الجمعية المغربية للبحث و التبادل الثقافي حسب تصريح الاستاذ المناضل ابراهيم اخياط لاذاعة راديو بلوس اكادير بمناسبة مرور عشرين سنة على وفاته حيث قال ان هذا الفنان يعتبر واحدا من رجال العمل الامازيغي و قد رحب بفكرة تاسيس مجموعة اوسمان في منتصف السبعينات بهدف تطوير الاغنية الامازيغية و استقطاب طلبة الجامعات نحو الوعي الامازيغي في خطواته الاولى انذاك.
لعل شعر البنسير حول الوعي الامازيغي كان يتوجه نحو جمهوره العريض و يتكون من طبقات المجتمع المتعددة و من الطبيعي ان يستعمل مصطلحات الشلوح الخ لان مصطلحات تامزيغت او امازيغي كانت غير معروفة لدى العامة على الاطلاق و كانت ممنوعة من التداول على صعيد الاذاعة الامازيغية قبل سنة 2001 .
ادا كانت وفاة البنسير تعتبر فاجعة كبيرة على صعيد الاغنية الامازيغية بشكل عام و على صعيد جمهوره العريض فمدرسته النضالية لم تموت بل استطاعت انتاج القليل من الروايس الذين حملوا مشعل القضية الامازيغية طيلة عقد التسعينات الى اليوم مثل الرايس احمد اوطالب و الرايسة فاطمة تاباعمرانت كمدرستان ساهمتا اولا في جعلي شخصيا اعي هويتي الام حيث بدات الاستماع اليهما في منتصف التسعينات أي عندما كنت طفلا صغيرا .
و ساهمتا كذلك في ادخال مصطلحات جديدة على فن الروايس و هي مصطلحات امازيغ و تامزيغت و تامزغا الخ من هذه الاخيرة التي تعبر عن التاريخ و الحضارة بشمال افريقيا.
و دون نسيان المرحوم الرايس حسن اكلالو الذي بدا يغني عن اللغة الامازيغية مستعملا مصطلح تاشليحت ترى و امازيغن ترى اخرى حسب ما سمعته من اغانيه في الاذاعة الامازيغية ما بعد 2001 او في الانترنت كفضاء نرى فيه ارشيف فيديوهات الروايس و الرايسات .
اذن ان الوعي التقليدي للقضية الامازيغية لدى فن الروايس حسب رايي الشخصي قد تجاوزه الزمان و الاحداث المتوالية منذ سنة 2001 الى الان حيث اصبحت الرايسة فاطمة تاباعمرانت تمثل الوعي العصري للقضية الامازيغية لدى فن الروايس الان باعتبارها تناولت طيلة هذه السنوات الاخيرة في قصائدها مواضيع من قبيل الامازيغية و الاسلام و قضية الملك الغابوي و شاركت في ملحمة الدفاع عن شجرة الاركان الرائعة بالفعل حيث ننتظر تصويرها و بثها على اعلامنا الوطني بمعنى ان تاباعمرانت تقود سفينة الوعي العصري مع بعض الروايس حاليا كالرايسة فاطمة تاشتوكت ….
قد يقول راي ثاني ان الرايس صالح الباشا اراد من خلال قصيدته النادرة ان يرسل رسالته الى عامة الناس خصوصا في البوادي حيث يجب الاعتراف بان مضامين خطاب الحركة الامازيغية لم تصل بعد الى العموم لاسباب كثيرة يطول شرحها في هذا المقام لكن لا ينبغي تحت هذا الراي الواقعي العودة الى استعمال المصطلحات من قبيل الشلوح او الانطلاق من مرجعية معينة ترفض المصطلحات الامازيغية الاصيلة مثل ازول او تانميرت او تاماكيت الخ من هذه المصطلحات التي اخذت تحيي من جديد بفضل سياسة المعهد الملكي للثقافة الامازيغية بغية توحيد اللغة الامازيغية في التعليم و في وسائل الاعلام العمومية. 
و بالرغم من كلامي هذا فان قصيدة الرايس صالح الباشا تعبر بالنسبة لي عن مدى هامش كبير من الحرية المسؤولة من طبيعة الحال حيث لا توجد الحرية المطلقة في أي بلد من العالم حيث وصلنا الى هذا الهامش بتضحيات القوى المدنية لعقود كثيرة من الزمان و بحكمة الملك محمد السادس و رغته القوية في الاصلاح الشامل رغم تراكمات الماضي الايديولوجي و السياسي الثقيل .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. الموافقة قرائة المزيد