الرأي: تفاعلا مع مقال “ذ.محمد بادرة” بعنوان “ظاهرة بوجلود بين المأثور الحقيقي والإبداع الزائف”..

  • الحسين بويعقوبي //

قرأت بإمعان نص ذ. محمد بادرة الموسوم ب”ظاهرة بوجلود بين المأثور الحقيقي والإبداع الزائف”، وهو من المقالات القليلة المنشورة ( انظر مقال الموقع في ركن الرأي) التي تعاملت مع الموضوع بجدية محترمة وسعت لتنوير القارئ في موضوع يحتاج لمزيد من البحث والتنقيب، كما يحتاج من يريد الخوض فيه البدء أولا بقراءة ما كتب عن الموضوع بدل إصدار أحكام لا تستند على أي أساس.

وإذا كان النصف الأول من النص المتعلق بالجانب التاريخي لبوجلود هاما جدا، ويقدم معطيات مفيدة جدا لمن يريد الاطلاع، فإن النصف الثاني المركز على التحولات المعاصرة لبيلماون يحتاج لفتح نقاش أعمق خاصة وأنه يطرح سؤالا كبيرا يخص علاقتنا بالتراث، وكيف ننظر إليه؟

وهل التراث جامد لا يتحرك؟ وكيف نحدد التابث والمتحول في التراث؟ وهل يمكن الحديث عن صيغة “أصلية” لممارسة ثقافية تراثية؟ ومن له الحق في تحديد هذه الصيغة المفترضة “أصلية”؟ كما أن المفهومين المستعملين في هذه الفقرات وهما “الفولكلور” و”الكرنفال” يحتاجان لشيء من ضبط معناهما، والوعي بتحولاتهما حسب السياقات.

فكلمة “فولكلور” كلمة إنجليزية مكونة من شقين “فولك”(الشعب) و “لور” (المعرفة، العلم)، ومعناها الأصلي ليس قدحيا، بل يعني فقط “تاريخ الشعب”، أو” ثقافة الشعب” أو “أساطير الشعب”. ويقصد بها في البداية الممارسات الثقافية التقليدية للأوروبيين أو ما كان يسمى antiquités populaires، ولذلك ظهر متخصصون في هذا المجال يحملون تسمية “الفولكلوريون”، وهم أجداد الأنثربولوجيين.

ولم يقع الانحياز في المعنى إلا فيما بعد وخاصة في حقلنا التداولي الوطني، حيث كل ما ينعث بالفولكلور فهو أقل قيمة من الممارسات الثقافية المختارة لتكون ضمن “الثقافة الرسمية” أو ثقافة النخبة.

والشيء نفسه يمكن قوله عن كلمة “الكرنفال”، المكونة بدورها من شقين “كارن” و”فال” والتي لم تكن تعني في الأصل إلا “الامتناع عن أكل اللحم”، قبل دخول شهر الصيام لدى المسيحيين. لكن المعنى اللغوي تطور فأصبح يعني “كل شيء غير منظم”، ثم التصقت التسمية بالممارسات المرتبطة بالأقنعة والأزياء التنكرية التي تقدم وضعا غير مألوف وتقلب العالم كما تخرج عن القيود المفروضة مجتمعيا.

واستعمال التسمية اليوم في العالم لا يعدوا أن يكون استعمالا براغماتيا تواصليا مع العالم المهتم بالتقنية والأزياء التنكرية. وفي هذا الإطار استعمله الشباب منذ الثمانينات من القرن الماضي بصيغة “كارنابال” لوصف بيلماون. فهو إذا إختيار تلقائي من طرف الشباب والجمعيات قبل أن يتم تبنيه مؤسساتيا.

وتبني التسمية هو في حد ذاته إعلان عن وجود تحولات، عززها أساسا وفرضها سياق المدينة، الذي لا يسمح بأي حال من الأحوال بالحفاظ على بيلماون كما يمارس في الوسط القروي.

إذ لا يمكن أن نقبل التحول على جميع المستوى، ونرفضها حين يتعلق الأمر بالمنارسات الثقافية. ولنا في التجارب الدولية نماذج. فكل الكرنفالات المعروفة عالميا شهدت تحولات عميقة بين صيغتها الأولى وصيغتها اليوم، وحتى الأماكن المقدسة لدى الشعوب، المسلون نموذجا، تغيرت كثيرا عما كانت عليه في القرون الماضية.

إن التحولات التي تعرفها ممارسة بيلماون اليوم، أكيد تعتريها الكثير من الشوائب الواجب تصويبها، وهو ما تعمل المؤسسات والسلطات المحلية والمجتمع المدني على القيام به، لكن في المقابل لا يمكن تحنيط الممارسة في تطورات قبلية لأنها تعيش أيضا سياقها الحالي وتتحول شيئا فشيئا لتصبح فضاء فرجويا ومنصة مفتوحة على العالم ليبرز الشباب ابداعاتهم في الأقنعة والأزياء التنكرية وفنون الشارع…

كما أصبحت ترتبط بالاستراتيجيات التنموية للمدن، مستفيدة من التجارب الدولية، وهو ما تعكسه تسمية “كرنفال بيلماون”.


اكتشاف المزيد من azulpress.ma

Subscribe to get the latest posts sent to your email.

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. الموافقة قرائة المزيد

اكتشاف المزيد من azulpress.ma

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading