الصفحة الرئيسية

الدراما الامازيغية بين النقد و التحطيم ؟

أزول بريس - مهدي مالك

مقدمة متواضعة:

اذا كانت السينما بالمطلق هي وسيلة حضارية للتعرف على خصوصيات الامم و الشعوب التاريخية و الثقافية و الدينية حيث لعبت السينما بالمطلق هذه الادوار الجوهرية في هذا العالم الصغير لكن بدرجات مختلفة تماشيا مع الانظمة السياسية او مع قيم المجتمعات الدينية بالدرجة الاولى ثم الثقافية الخ من هذه القيم.
في المغرب انطلقت السينما الامازيغية او افلام الفيديو في مطلع التسعينات بدفع نضالي صرف الا و هو اظهار الامازيغية كلغة و كثقافة و كبعد ديني لان السلطة وقتها بالضبط كانت تريد التعريب المطلق للشعب المغربي باستغلال التاويل السلفي للاسلام في التعليم و في الاعلام الرسمي عبر التلفزة المغربية و في الاعلام الخصوصي اذا جاز التعبير عبر القناة الثانية ذات الهوية الفرانكونية بدون ادنى شك.
ان هذا الاعلام البصري الوطني حاول وقتها الجمع بين التشريق الى ابعد الحدود و التغريب الى ابعد الحدود من خلال تشجيع المسلسلات و الافلام المصرية وقتها و تشجيع الانتاجات الاوروبية و الامريكية مثل المسلسلات و الافلام المترجمة الى اللغة الفرنسية و الى اللغة العربية مع الاهتمام بشكل اقل بالدراما المغربية و الناطقة بالدراجة خصوصا في شهر رمضان و في فصل الصيف حسب ما اتذكره كطفل في اوائل التسعينات .
ان انطلاقة السينما الامازيغية او افلام الفيديو كانت انطلاقة قاسية على كل المستويات و الاصعدة حيث لا احد كان يتخيل ان يخرج فيلم ناطق باللغة الامازيغية في يوم من الايام حتى خرج اول فيلم ناطق بالامازيغية من احدى قرى اقليم تيزنيت سنة 1993 تحت عنوان تامغارت ؤورغ الذي خلف اصداء طيبة داخل المغرب و خارجه حيث اخرجه الاستاذ الحسين بيزكارن و شارك في البطولة المرحوم احمد بادوج و الاستاذ عبد اللطيف عاطف و الاستاذ احمد ناصيح و الاستاذ احمد عوينتي الخ.
ان الحديث عن هذا الفيلم الرائع لا ينتهي و لن يكفي في هذه العجلة بحكم انه فيلم يبرز بجلاء خصوصيات الامازيغيين الثقافية عبر الاسماء الامازيغية و خصوصياتهم الدينية الواضحة للعيان الخ حيث ان الفكرة العامة لهذا العمل الرائع هي نضال المراة الامازيغية في البادية السوسية من اجل الحفاظ على ممتلكات زوجها المهاجر الى فرنسا المادية و الرمزية و تقديم فكرة لو صغيرة عن الاستغلال السلبي عن طريق الدين الاسلامي من خلال الشعوذة و استغلال النفوذ الخ من هذه الممارسات الضارة بالاسلام في حد ذاته .
ان السينما الامازيغية او افلام الفيديو بسوس قد حققت نجاح كبير طيلة عقد التسعينات رغم غياب اي دعم من طرف الدولة و مؤسساتها حيث يعود الفضل في تاسيس ما يسمى بالسينما الامازيغية الى شركات الانتاج السمعي البصري التي دعمت و ساهمت في تاسيس هذا الصرح الضخم قبل تاسيس المعهد الملكي للثقافة الامازيغية و اتفاقاته الاولى مع وزارة الاتصال بشان ادماج الامازيغية في الاعلام السمعي البصري حيث فاز فيلم امازيغي يتحدث عن احدى الاساطير المعروفة في منطقة اورير باحدى جوائز مهرجان القاهرة الخاص بالاذاعة و التلفزيون صيف 2001 كما اتذكره جيدا بمعنى ان ما يسمى بالسينما الامازيغية قد استطاعت ان تخلف تراكم من حيث الكم و الكيف منذ سنة 1993 الى الان بالرغم من المشاكل الجوهرية التي تقف امام تطور هذا القطاع الحيوي من قبيل غياب الدعم الكافي من طرف الجهات الوصية و وضعية الفنان الامازيغي الاجتماعية خصوصا مع ازمة وباء كورونا .
الى صلب الموضوع
هنا اعبر عن رايي الشخصي بكل التواضع باعتباري مشاهد و كاتب لا اقل و لا اكثر حيث منذ 11 سنة قد اسست القناة الامازيغية كتعزيز مكانة الامازيغية في مشهدنا السمعي البصري ببلادنا بعد عقود من احلام امازيغي المغرب بانشاء قناة تلفزيونية ناطقة بلغتهم و مهتمة بثقافتهم و فنونهم و قضاياهم الحقيقية حيث شكلت الدراما الامازيغية من الافلام و المسلسلات بثلاث فروع اللغة الامازيغية اي الريفية و الاطلسية و السوسية تنوعا قلما نظيره على مستوى العالم الاسلامي الان.
قد خلق مسلسل بابا علي ضجة كبيرة في مواقع التواصل الاجتماعي اثناء بثه في رمضان الماضي و بعده حيث ان هذا المسلسل قد حصد اكبر نسب المشاهدة على الصعيد الوطني و وصل اصداءه الى الولايات المتحدة الامريكية حيث قامت قناة الحرة هناك بتحقيق اخباري حول نجاح هذا المسلسل الى حد كبير و هذا في حد ذاته يعبر عن شيء ما في وجدان المجتمع الامازيغي العميق داخل الوطن و خارجه …
اما رايي المتواضع فهو ان مسلسل بابا علي هو ابداع خيالي له ما له و عليه ما عليه من النقد الهادف كما فعل الفنان الامازيغي رشيد اسلال الذي تحدث بالمرارة عن هذا العمل المحترم باعتباره وظف مصطلحات لا تتناسب مع الوقار و الاحترام و لو من باب الفكاهة الخ من هذه الممارسات التي يفهم من خلالها ان الامازيغيين كانوا لا يقدرون المراة او مكانتها التاريخية و الاجتماعية و حتى السياسية على امتداد تاريخنا الطويل قبل الاسلام و بعده اي ان مسلسل بابا علي قد اظهر المراة في دور الضعف و في دور الشعوذة و لو من باب الفكاهة كما قلته سالفا.
و هذا يسمى بالنقد الهادف الى بناء الاشياء و الاسس و ليس تحطيم الاشياء و الاسس حشى لله لان الفنان اسلال لا يتحدث من الفراغ باعتباره يتوفر على رصيد فني و نضالي في جمعيات الحركة الثقافية الامازيغية منذ تسعينات القرن الماضي حيث هنا لا احاول الدفاع عن راي الاستاذ اسلال و انما احاول التمييز بين الصالح و الطالح بدون انتقاص من نجاح مسلسل بابا علي الكبير .
ان بطل مسلسل بابا علي الفنان الكبير احمد نتما هو ممثل امازيغي مقتدر ظهر منذ سنوات قليلة كفكاهي قد انتقد عبر افلامه احوال المجتمع الاجتماعية و التنموية و السياسية بوضوح تام و انتقد تعريب اسماء المناطق الامازيغية في اطار محاولات حزب العدالة و التنمية فرض اسماء فلسطينية على 40 زنقة بعاصمة جهة سوس اكادير في صيف 2018 .
ان مسلسل بابا علي عمل مختلف عليه بين مؤيد و معارض حيث انني اسجل ان اولادي تيليلا و ماسين قد احبوه كثيرا للغاية ثم ان هذا المسلسل شارك في تمثيله اجود فناني الساحة الفنية الامازيغية الحالية مثل الاستاذ عبد اللطيف عاطف و الاستاذة امينة اشاوي و الاستاذ احمد عوينتي و الرايس ابراهيم اسلي الخ من هذه الوجوه المعروفة .
و هناك مصطلح في هذا المسلسل قد تكرر بشكل كبير الا و هو بقدرة داغور حيث لو اننا نعيش في مجتمع خالي من الوهابية و فقهاءها لقلنا ان هذا المسلسل هو ابداع خيالي ليس له حدود حيث يمكن للمبدع ان يتخيل ما يشاء طبعا وفق الضوابط الاخلاقية مثل خدش الاذاب العامة بشكل صريح .
لكن اننا الان نواجه حملات التشويه و التحريم اتجاه الفن الامازيغي بشموليته من طرف فقهاء الوهابية الجدد بسوس العالمة منذ قرون من الزمان اي كاننا نعيش في مصر السبعينات مع صعود تيارات الاسلام السياسي لاحتلال الاعلام و الثقافة و الحياة العامة انذاك .
و خلاصة القول ان مسلسل بابا علي هو امتداد طبيعي لمسلسل حديدان الناطق بالدراجة حسب راي الاستاذ اسلال و حسب رايي المتواضع حيث هناك مواضيع جديرة بالاهتمام مثل تاريخ منطقة سوس و اتساءل هنا متى سنرى مسلسل تاريخي ضخم حول مؤسس الدولة الموحدية المهدي بن تومرت او مؤسس الدولة المرابطية عبد الله بن ياسين الخ من صفحات تاريخ سوس المشرق .
المهدي مالك