الأمازيغية ليست في حاجة إلى قانون تنظيمي

خالد اوبلاخالد أوبلا//

استغرق مطلب ترسيم الامازيغية في الدستور عقودا من الزمن صاحبته تضحيات جسام ونكران الذات  على مستويات عدة.  فكان الايمان السائد لدى النخبة الامازيغية الحاملة  لوعي النهوض بالامازيغية يتجلى في حمايتها الدستورية و القانونية.  إيمانٌ رسخته الاعمال الأدبية و الأكاديمية و الفنية و الحقوقية التي  شكلت نواة  الفعل الامازيغي  منذ البداية. فكان هذا التراكم  -إن على المستوى الادبي أو الفكري-  قد ساهم في تقويم مجموعة من السلوكات الممارسة في حق الامازيغية و شعبها كما ساهم في تأهيل النخب السياسية على المستوى النفسي و السيكولوجي للإيمان بأن المغرب متعدد و لا يمكن اختزاله في بعد أحادي تأحيدي. تأهيل ساهمت فيه مجموعة من أدبيات الحركة الأمازيغية التي حددت أهدافها و مراميها و مشروعها المجتمعي في ميثاق اكادير المؤسس للرزمة الأولى من المطالب الامازيغية.

اتساع رقعة الخطاب الأمازيغي و انتشار مطالبه بين فئات الشعب جعلته يكتسي قوة مدنية ذات بعد سياسي استطاعت أن تفرض مكانتها في النسيج الحركي الوطني.  المطالبة بالاعتراف بالامازيغية و تمكينها من الحماية الدستورية يعود إلى التعديل الدستوري لسنة 1992 وإلى المذكرة المقدمة في التعديل الموالي لسنة 1996. دعوات لم توليها السلطة السياسية بالبلاد أي اهتمام ، بل لم تكلف نفسها عناء الرد. لتبقى الأمازيغية يتيمة الطرح السياسي السائد أنذاك و الذي لا يستسيغ مغرب التنوع. استمرت الحركة الامازيغية في خطها النضالي الرامي إلى الاعتراف بالامازيغية في شتى تجلياتها. وبعد  معارك فكرية ونضالية و انفراج سياسي  نسبي بُعيد خطاب اجدير 2001 اتضح أن الرؤى التي حملها الأمازيغ تحققت على المستوى الرسمي  في انتظار ترجمتها على أرض الواقع. لكن أن يكون الانتظار من قدر الأمازيغ، فهي حال طال مكوثها وألفتها القلوب وتمسكت بها مصائر العباد.  جاء على لسان أحد الاساتذة  حول تمثلات و مواقف المغاربة من الامازيغية، أن خطاب أجدير لسنة 2001 كان محطةً تنفسَ معها جمهور عريض الصعداء تيمنا بحد فاصل لانتظارهم الطويل من أجل الالتفات إليهم كمغاربة تعرضوا لسنون النسيان وخبث السياسة و الساسة. فرفعوا في أشعارهم عبارات الترحيب و التهليل بعد طول انتظار وأن دورهم قد حان لإنصافهم ورد الاعتبار لذواتهم ورأسمالهم الرمزي  ولمناطقهم المهمشة التي تستغل دون أن يكون لها مقعد في قطار التنمية، فعاد سلوك الانتظار إلى معيشهم اليومي قبل أن يترجموه، وهم على حق، إلى فكرة مفادها أن من ينتظر رد الاعتبار للأمازيغية، ومن خلالها الأمازيغ، كمن ينتظر ڭودو؟

الامازيغية ليست بحاجة إلى قانون تنظيمي بقدر ما هي بحاجة إلى شجاعة سياسية تجبّ ما لحقها في الماضي و تعطي لها فرصة التنمية بأبنائها و الاستثمار الجاد لمختلف تجلياتها الحاضرة في صلب التركيب الأنسي المغربي الذي تم طلاؤه بمساحيق لم تترك منها السنون إلى الفتات. فتات لا زال بعض الغرباء في وطنهم يتمسكون به إلى حد الثمالة.

انتظار قانون تنظيمي لصالح الأمازيغية آت لا ريب و سيؤشر عليه أحد أبناء الأرض الأمازيغية الأكثر عقوقا، لكن قبل الولادة القيصرية لهذا القانون الذي أتعس خلوة السياسويين في إشباع نزواتهم السياسوية في حق الأمازيغية، فإن القول وبيقين أن ما سيسفر عنه هذا القانون لن يكون إلا قيودا للأمازيغية، تلك الآلهة العاشقة للحرية. ومهما تباينت المواقف و تراشقت التصريحات يمنة و يسارا بين راغب في آنية صدوره و بين مراوغ مكار يستأنس بكينات التأجيل و النسيان ولو لأيام معدودات، فإن آنية اللحظة التاريخية و صيرورة المجتمع التي قطعت مع النفاق السياسي وتسويق أفكار لم يعد لها أفق انتظار واضح إلا في عقول أصحاب الكهف الراغبين في أن نعيش في جلابيبهم، يستوجبان الوقوف و بكل أريحية و ثقة بالنفس على العمل وفق تصور عقلاني يقتضي إبراز أن القانون التنظيمي للأمازيغية ليس هدفا بحد ذاته وإنما وسيلة لبلوغ الرقي المجتمعي وتحقيق مآل وأفق طال انتظاره لشعب بقي شاردا في جبة الآخر لعقود من الزمن. ولا شك أن هذا القانون المنتظر سيحمل عبارات مفتوحة للتأويل ونوايا الاقبار و التأجيل، فضلا عن عبارات لن تترجم على أرض الواقع. ما دام أن الترسانة القانونية من وثائق ومراسيم ومذكرات ودوريات الصادرة في شتى المجالات و القطاعات لم يتم تحيينها مع مقتضيات الدستور الجديد الذي يقر ومنذ 2011 بثنائية اللغة الرسمية.

ملامح تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية لم تتشكل بعد لأسباب يعرفها القاصي و الداني يشكل تأخير (وليس تأخر) القانون التنظيمي أهمها على الإطلاق. صدوره آنيا أو آجلا لن يكون بمنأى عن نقاش سيوقع الأمازيغية في حوار الصم والبكم وفي نقاش بوليميكي مستفز وفي استغلال انتخابوي رخيص و في شحن أبواق سمفونية “التصالح مع الأمازيغية” المشروخة.  فلو كانت هناك إرادة سياسية ناضجة تؤمن بالتعددية الثقافية وبوجوب انصاف الأمازيغية لرأينا ، على سبيل المثال، وصلات إعلانية على القنوات الوطنية يكون موضوعها الاعتزاز بالامازيغية (la promotion sociale)، خطوة لن تكلف إلا القليل على المستوى المادي لكن سيكون لها وقع كبير في حياة الافراد و الجماعات وستتغير نظرة العديد من المواطنين الذين لا زالت لهم مواقف ضبابية تجاه الامازيغية. فباستثناء الأمازيغية، كل الأوراش التي تصالح معها المغرب واكبتها حملات إعلامية وبرامج تحليلية وغيرها (مدونة المرأة، سنوات الرصاص،…) إلا الأمازيغية مما يطرح علامة استفهام حول جدية الدولة تجاه هذا الملف.

رهن الأمازيغية بقانون تنظيمي ينبني على مكر سياسي يقوم على تقييد الأمازيغية بقانون “وهمي”  يجعل الأمازيغية خارج الترسانة القانونية و التشريعية سيرا على منطق “الغيطو” الذي يتعامل به مع الأمازيغية. فلو كانت هناك أرادة سياسية ونية تفعيل الأمازيغية لا كتفي  المشرع بإضافة عبارة “الامازيغية” إلى جميع القوانين و المراسيم وكل الوثائق  الإدارية التي تحيل  إلى استعمال اللغة العربية.  وعليه، فإن لم يتم تحيين  هذه القوانين و والانتقال من الأٌحادية اللسنية (monolingue) إلى الثنائية اللسنية (bilingues) وإن لم توضع خطط واستراتيجية تنمية الامازيغية حقوقيا وأكاديميا و اجتماعيا ورمزيا ومحددة بسياسات واضحة المعالم ومبنية على التمييز الايجابي لجب ما لحقها في الماضي من تبعات الاقصاء و التهميش فلا حديث عن انصاف متوقع للأمازيغية. وأي تراتبية محتملة بين الأمازيغية و العربية لن يكون إلا تكريس للميز والحيف الذي تعرضت له الأمازيغية طيلة العقود الماضية.  وفي انتظار مخاض هذا القانون القابع في غرفة العمليات القيصرية بدهاليز الحكومة، نقول لكم : لكم قانونكم و لنا أمازيغيتنا.

Khalid_oubla@yahoo.fr

اترك رد

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. الموافقة قرائة المزيد