أخبار الثقافة والفن

  مركز “القضاء العرفي” بتافنكولت ذاكرة لإبداع أبناء المنطقة ( إقليم تارودانت )

بقلم : عبد الكريم أضرضور

 كثيرة هي المواقع الجغرافية التي عظم شأنها في لحظات تاريخية ، لإشعاعها رُفِعَ صَيْتٌ ذِكْرِهَا ، وَشُدَّت إليها الرحال رغبة ورهبة ، خلال عهد اقل ما يوصف به انه فترة  مد وجزر..! لما عرفه من أحداث شكلت البناء التاريخي لفصول زمن هذا الوطن ، إبان الحماية الفرنسية ، ولعل اعرق المواقع إثارة وأعرقها بروزا منطقة تافنكولت ، كونها مركزا إداريا شهيرا ،مترامي الأطراف،  قرارات نفوذه بلغت جنوبا  قبيلة “سندالة “ووادي ارغن” ما يطلق عليه حاليا جماعة توغمرت ، وسلطته الممتدة على مَرَاقِ  قمم  جبل “درن ” المطلة على “ايمنتانوت” غربا، وما كان لقرى”وادي النفيس ” حَدَدٌ  من أمرها في الشمال ، كما بسطت أحكامها بسطا على تخوم “تالوين” في الشرق.
  سارعت عجلة الزمان ، ومركز تافنكولت تراجعت عنه الأدوار ، وتخلى عنه الإهتمام ، وَخَفَّ وَمِيضُ بَرِيقِه، ونكس شَهْمُ  تطلعاته واماله ،وَلَفَّ  فضاءاته الشاسعة الصمت والسكون!! إلا من  عمائر أثرية  جذابة ،تسر الناظرين ، طروز معمارية ،بأساليب مغايرة للمألوف، اِنْزَاحَ نَمَطُهَا عن معتاد الاهالي  ، يصعب تحديد أصولها الفنية وتتبع مسار تطورها او المسك بعلل انتقال تاثيراتها ، بَلْه التعرف على موطن هجرة ذاك الفن واستقراره بهذه البقاع، وصفات هندسية معمارية استقرت في حِرْزٍ  أمين ، بمثابة سجل تاريخي حي كان مكسبا للباحث المؤرخ والشاعر المولع ، بنيان يُخْفِي أوزار حقبة القلاقل الوطنية ، كادت الروايات الشفوية تُجْمِعُ على انها اولى مراكز ادارة المحتل وبداية نشأة محاكمها المختلفة على انقاض الموروث منها ، أشرف بنفسه على بنائها وللذته أنشئت بنايات مميزة عبارة عن أروقة  قوام أعمدتها من أحجار  وَسُقُوفِ مَحَارَاتِ جلساتها مغطاة بأعجاز نخل .. يُرْوَى أنها حُمِلَتْ على أكتاف رجال من فجاج أكنة ،بنايات تحمل بصمات فنية للصانع المحلي والفنان البارع من أبناء قبيلة ايت سمك ذات الاصول الصنهاجية،  بيوت أرادها المحتل سكنا مريحا لِعَسْكَرِيِّيه من قضاة وأطر وشواش وحراس ، محاطة بأراضي مزروعة كثيفة ألاشجار والاغراس من السنديان والكاليبتوس والشجر المبارك والنخل البواسق والارز العريق وشجر الصنوبر الغنية مخاريطه بالبذور وشجرة الآثل الدائمة الإخضرار ممنح الإستظلال  في الحر الشديد ، لندرة المصدر التاريخي بل لإنعدامه ، ليس أمامي الا سرديات شفهية من ألسنة رجال، منهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر ، تمثيلا لا حصرا، الشيخ الحسين اوباها والطيب الخلق املاشو الطيب تغمد الله أمواتنا بواسع الغفران، والمعلم احمد نايت مسعود شفاه الله ،روايات زودتني فهما اعمق لبنيان متراص عليه يطلق اسم “تريبونار” والمقصود منه :le tribunal coutumiere ” المحكمة العرفية لايت سمك-اوناين ، أحد الثلاثة يصف فضاءها من مكاتب وقاعات الجلسات مؤتثة بكراسي واريكة  من الخشب النادر والنفيس من نوع الساج الهندي الاحمر ، بنايات ذات أشكال قوسية بإيقاع تكراري منتظم ومتتابع في ترتيب كأنه خلايا النحل ،تتخذ هيئة أنصاف دائرية تمتد من ابتكارات حضارات مختلفة.
كان المستعمر مراقبا جادا أثناء إنجازها، من عناصر تطبيقية محلية نتاج الاحتكاك المادي والذهني بظروف البيئة الطبيعية، بأيادي رجال وعلى اكنافهم ، أبدعوا وابتكروا ولم يقلدوا ،إملاء فني بارع منبثق من البيئة الأصيلة والتراث القديم احتك بالحضارة الامازيغية توج هامها بتوجيهات إسلامية صاغتها الإنسانية.
       ولعل التساؤل الذي يتبادر إلى ذهن كل متأمل هل أرياف تافنكولت عرفت نظاما قضائيا قبل احتلالها؟
من خلال هذه الإطلالة وبشكل مقتضب أود أن أتناول هذا النظام  بشكل يبعد الملل ويشوق القارئ المهتم لمعرفة ماض طاله النسيان ، زاعما انه لم يكن اختيار المحتل للمجال اعتباطيا وإنما بعد بحث انطروبولوجي جعله يكتشف ان المنطقة كنز تاريخي، أخذ  قسطه من هواها، ومائها، وثقافتها، ونمط عشرة أهلها وحسن ادائهم ، وأجمل ما فيها طبائعهم الفطرية  خلاف ما يدعي البعض أنها لا تمانع ولا تقاوم..!  حضيت ببنية قضائية  منظمة من أعراف تناسب البنية السوسيو- اقتصادية لسهولها وجبالها ونمط حياتها وعيشها ، عُرْفٌ يسمى”أزرف” وجمعه “إزرفان” تواضع أفراد الجماعة عليه تدريجيا وبرضاهم وضع للبث في خلافاتهم ، على  طُلَلِ مجالس تسمى  (اينفلاس)  او ما يطلق عليه (ايت ربعين) اعضاؤها يتم اختيارهم من ممثلي الاسر من كل قبيلة ، الأهالي جميعها تطمئن “لإزرفان ” قوانين او أعراف نابعة من الإرادة المحلية وليس من الإرادة المنفردة لسلط المركز الحاكم ، وهي تختلف من قبيلة الى اخرى بل داخل القبيلة الواحدة أحيانا، طابعها شفوي تتناقله الأجيال، ولا يدون منه الا ما يقنن جانبه الجنائي عملية يقوم بها فقيه القبيلة على الواح  تعد مرجعا لكل مخالفة من قتل وضرب وجرح وشتم وسرقة وخيانة وغيرها ، وأخرى غايتها تنظيم علاقاتهم المدنية والاجتماعية والاسرية وتجارية من زواج  وطلاق ورعي وبيع وشراء ورهن وشفعة وخماسة… عملية تسمى “تعقديت” وجمعها “تعقدين” والألواح جميعها توضع في توابيت داخل أضرحة الأولياء والأسياد ، يقسم بها توكيدا للحلف اثناء تعهداتهم  او عقدهم الاجتماعي .

عود على بدء:
لوحة فنية متكاملة تمتاز بالعمق التاريخيّ، والشكل الحضاري، بنايات المحكمة العرفية واخرى مختلفة تمتاز بمواد بنائها الطبيعية ،وقبل أن أعرج عليها ، يجدر التذكير بأن المغاربة رجال صنعوا تاريخ بلدهم وشاركوا بناء أمجاد أمم أخرى بيد ان كثيرا منهم وفي مناطق مختلفة ، بسوس وغيرها  لم يبادروا الى كتابة تاريخهم الا في حالات نادرة ، فالكتابة تجدد شريحة الذاكرة، وبواسطتها تُبْتَر  الاعضاء السقيمة التي يعضل علاجها ،وَتُكْوَى دَمَامِل جسم الوطن ،وتطهر سرائره من الأحقاد وترسبات الضغائن  ، وتنقى علائق أقوامه من العوالق الفاسدة ومن جواذب التطرف المستهجنة ، وتحفظ لكل فسيفسائه جمالية خصوصياته ، وإن لنا في صيانة مثل هذه المآثر التاريخية وترميمها وبعث الروح فيها حياة ،نسعى من خلالها الى ربط ماضينا بحاضرنا من اجل مستقبلنا، ومن خلالها نستشف أن أجدادنا بلغوا في فنون العمارة غايات نافسوا بها الأمم،وأثروا فتأثروا ، عمارة اعتمدت أساسا على مستخرجات طبيعية من بيئتهم ، وكان الطين اقدم المواد عرفته المنطقة واستخدم في بناء البيوت ، من عجينة الطين الصلصال المزيج بالروث الحيواني والدواب للتماسك البنائي تضاف إليهما قصاصات صغيرة من التبن  وتترك حتى تتخمر لتصبح جاهزة مكتسبة قوة ملائمة للاستعمال ، ومدة التخمر تختلف من استخدام الى اخر ،وثاني هذه المواد طوب البناء “الياجور” يستعمل في بناء الحمامات وواجهات البنايات اما الجبص 
فمادة كلسية مشتقة من مادة الجير يتجلى دورها في الطلاء كسوة للجدران تغطى قوالب الطوب  وتشد عضد الاحجار المستخرجة من المحاجر الصخرية بجبال الاطلس الكبير، ميزات الجبص التماسك والالتصاق الشديد، ويعتمد في سقوف الأبنية أو ما يسمى “سقوف الهوى ” على الأخشاب التي وفرتها البيئة المحلية من السدر والعرعر وأعجاز النخل والأثل ،ومن قوة النخل كونه مكوناته متشابكة مثل النسيج ، يبقى مدة اطول لا يتدهور ولا يتآكل ولا تهاجمه الدود والحشرات لا تضره الرطوبة ولا الشمس ،وقدرة مقاومته الملوحة لعلة عدم امتصاصه مياه الأمطار ،وفضله  أنه يخفف وزر الحمولة على أساسيات البناء .

Show More

مقالات مرتبطة

Close