أقلام حرة

سوس ومدنها من خلال كتاب ” نزهة الأنظار” لمحمود مقديش التونسي

*الباحث الامازيغي سعيد جليل

سعيد جليل*//

كان كتاب ” نزهة الأنظار في عجائب التواريخ والأخبار” للمؤرخ التونسي محمود بن سعيد مَقديش (ولد بصفاقس في سنة 1145هـ/1742م، وتوفي في عام 1228هـ/1813م)،  قد طُبع طبعة حجرية سنة 1903، ولم يُتداول كثيرا، لأن البعض يرى أن صاحبه لم يَعمل إلا على نقل ما كتبه غيره دون اجتهاد من نفسه، غير أن البعض الآخر يرى أن هذا النقل من المصادر المختلفة كان في حد ذاته عملا مهما جعل صاحبه يكتب كتابا ممتازا في بابه لدرجة تسميته ب ” دائرة مقديش”، خصوصا وأن نقله كان من حولي اثنين وثلاثين مصدرا بين تاريخ وتراجم ورحلة…، على أن هذا الكتاب قد انتشر في مدينة صفاقس التونسية بشكل كبير غير أن المواقف السياسية لصاحبه في زمنه كانت السبب وراء مصادرة الكتاب.

وقد ترجم لمحمد مقديش وعرف به الكثيرون، مثل ابن أبي الضياف في “الإتحاف”، ومحمد مخلوف في “شجرة النور الزكية”، و كراتشكوفسكي في :الأدب الجغرافي عند العرب”، ونالينو الإيطالي في مقالة مطولة عنه…وغيرهم، وصار له صيت بين المؤرخين التونسيين اعتبارا لكتابه هذا “نزهة الأنظار”.وقام بتحقيق الكتاب علي الزواري ومحمد محفوظ، وصدر في مجلدين من 1240 صفحة في طبعته الأولى عن دار الغرب الإسلامي سنة 1988.

في الباب الثاني من المقالة الأولى المعنون ب ” في الكلام على ضبط بَـــرِّ المغرب الأقصى وما يليه من الغرب الأوسط وذكر ما فيه من البلاد والعباد” (ص 51ـ 75) يورد المؤلف كثيرا من المعلومات الجغرافية والاجتماعية والاقتصادية القيمة عن بلاد ومدن المغرب، وسنكتفي هنا بإيراد بعض ما يتعلق ببلاد سوس وما يجاورها.

ويستهل كلامه عنها بما ينقله من نزهة المشتاق ” فنقول : إن فيما ذكر من بلاد السوس الأقصى مدينة تارُدانت وتيويوين وتانِملَلْتْ (كذا، والصواب تينْمْل، كما وردت عنده في ج1/ص 458، جبل تينْمْلْ)، وفيه بلاد الصحراء نول لمطة وتازكغْت وأغَرْنُو.”(ص 51)

ثم يتحدث عن سوس قائلا : ” ومن أرض درعة إلى السوس الأقصى أربعة أيام. ومدينة السوس هي تارودانت وبلاد السُّوس قرى كثيرة وعمارات متّصلة بعضها ببعض وبها من الفواكه الجليلة أجناس كثيرة مختلفة كالجوز والتين والعنب العذاري والسّفرجل والرمّان الامليسي والأترج الكبير المقدار، الكثير العدد والمشمش والتفاح المنهّد وقصب السكر الذي ليس على قرار الأرض مثله طولا وعرضا وحلاوة وكثرة ماء، فيُعمل منه سكّر يَعمّ الأرض، ويشف على أنواع سكر غيره في الصفاء والطيب، ويُعمل ببلاد السوس الأكسية الرقيقة والثياب الرفيعة التي لا يقدر أحد على عمل مثلها بغيرها من البلاد، ورجالها ونساؤها سُمرٌ، وفي نسائهم جمال فائقُ وحُسن بارع، وحِذقُ صناعاتٍ.

وهي بلاد حنطة وشعير وأرزّ ممكن بأيسر ثمن و أسعارها رخيصة، والغالب على أهلها الجفاء وغلظ الطبع وقلة الانقياد. وهم أخلاط من البربر المصامدة ولباسهم الأكسية من الصوف التفافاً وعلى رؤوسهم الشُّعور الكثيرة.

وبين تارودانت وتيويوين يوم في جنات وبساتين وكروم وأشجار وثمار وفواكه، واللحوم عندهم رخيصة جداً. والغالب عليهم الشرهُ والبطر.

ومن مدينة السوس إلى مدينة أغمات ستّ مراحل في قبائل من البربر المصامدة ( يُقال لهم أنتيتنْ)، وبنو واسنو وأنكطوطان وأنسطيط وأرعن (الصواب أرغنْ ) وأكنفيس وأنتوزكَيت (لعلها أيت واوزكَيت) ، وكل هذه القبائل من البرابر المصامدة المُعمّرين لهذه البلاد والجهات.

ومن السوس نفيس الجبل، وهي مدينة صغيرة حولها عمارات وطوائف من قبائلها المنسوبين إليها، وبها الحنطة والفواكه ما لا يُوجد في غيرها كثرة. وبها جامع وسوقٌ نافقة وبها من الزبيب ما لا نظير له منظراً وحلاوةً وكثرةً و غلظاً.” (ص 57ـ58)

ويتحدث عن مرسى ماسّْتْ بقوله ” ومن مرسى آسفي إلى مرسى ماستْ في طرف الجون مائة وخمسون ميلاً. ومرسى ماست مرسى حسنٌ يَكِنُّ من بعض الرياح، والمراكب تصل إليه فتُخرجُ منه الحِنطة والشعير، ويتّصل به من قبائل البربر دكَّالة، وأرض دكالة كُلها منازل وقرى، ومناهل ومياهها قليلة.”(ص 68). ولعله يقصد أن دكالة متصلة بآسفي لا بماسة.

أما عن منطقة جبل درن فيقول مقداش : ” والطريق من تارودانت السوس إلى مدينة أغمات وريكة مع أسفل جبل درن الأعظم الذي ليس جبل مثله إلا القليل في السمو وكثرة الخير وطول المسافة، واتصال العمارات، ومبدؤهُ من البحر المحيط في أقصى السوس ويمر مع الشرق مستقيما حتى يتصل بجبل نفُّوسة فيُسمى هناك بذلك، ويتصل بعد ذلك بجبال طرابلس، ثم يرق هناك وينقطع أثرهُ….

واسم هذا الحصن تَانِمْلَلَت (تينمْلْ) وهو كان عُمدة محمّد بن تومرت حين ظهر بالمغرب، وهو الذي زاد في تشييده ونظَرَ في تحصينه وجَعلهُ مدَّخراً لأموالهِ وبه قبرُهُ لأَمرِهِ بذلك، ولما مات بجبل الكواكب احتمله المصامدة إليه ودفنوه به فقبرهُ هناك يُزارُ من جميع بلادهم وعليه قُبَّةٌ عالية بلا تزويقٍ ولا كُلفةٍ بل مُتقنة الصُّنع مُحكمة البناء.

وفي هذا الجبل من الفواكه التي لا توجد في غيره، تينا وعنبا مستطيلا عسليا لا يوجد في أكثره نوى، ومنه يُتّخذ زبيبٌ يتنقل عليه ملوك المغرب لرقّةِ قشرته، وعذوبة طَعمه واعتدال غذائه، وفيه الجوز واللوز، وأما الأجّاصُ والمشمش والكُمثرى والأترج والقصب الحلو كثر حتى أنّ أهل الجبل لا يبيعونه بينهم ولا يشترونه لكثرتهِ.” ( ص 58ـ59).

ومن الأماكن التي توقف المؤلِّف عند وصفها من بلاد المغرب كذلك ؛ نول لمطة و آزُكِّي (مدينة تازكغت) و درعة وسجلماسة وأغمات وريكة وأغمات أيلانْ ومراكش ونهر تانسيفت…كما جاءت بعض المعلومات متفرقة عن علماء سوس، ومتصوفيها وممن لا نعثر على معلوماتهم خارج هذا الكتاب؛ الحاج محمد السوسي (2/ص 262) و محمد أبومغارة بن رحال السوسي (2/ ص 261، 263).

وخلاصة القول ؛ إن المؤلف يورد معطيات قيمة قيد يصعب جمعها من مصادرها، وقد تكون بعض تلك المصادر مفقودة، إلا أن تحقيق الكتاب مازال في حاجة إلى تدقيق وضبط ، وخصوصا ما تعلق بأسماء الأعلام الجغرافية والمسافات وغير ذلك، على أن كل ذلك لا ينقص من جهد الأستاذيْن المحققين.

Show More

مقالات مرتبطة

Close