أقلام حرة

مفهوم الهوية الجماعية وتطبيقاته على حالة المغرب(2/1) *

بقلم: محمد بودهان

محمد بودهان

بقلم: محمد بودهان//

(2/1)  

لا تزال مسألة الهوية موضوع نقاش وسجال في المغرب منذ ثمانينيات القرن الماضي عندما زعزعت الحركة الأمازيغية، بأسئلتها الجديدة المحرجة حول هوية المغرب، اليقينات التي كانت قد حسمت أن المغرب بلد عربي في هويته وانتمائه. وقد هيمن على هذا النقاش العامل العرقي أو اللغوي أو الديني في فهم وتحديد الهوية، مع التسليم بأنها متعددة بعد أن تمّ التخلّي عن القول بالهوية العربية الواحدة، الذي لم يعد يساير ما وصل إليه النقاش حول الهوية من اعتراف بتنوع عناصرها ومكوّناتها. وقد شاع هذا المفهوم التعددي للهوية كتصوّر عامّي فرض نفسه حتى في أوساط المتعلّمين والمثقفين. وهو ما اعتمده دستور فاتح يوليوز 2011 عندما نصّ على أن الهوية المغربية تتشكّل من عدة مكونات وروافد، متبنّيا نفس التصوّر العامي الشائع حول الهوية.

ولتوضيح مفهوم الهوية، وفكّ ارتباطه بالمضامين العرقية والشخصية التي يُختزل فيها، وتخليصه من التصور العامّي السائد حوله في المغرب، سأناقش الموضوع من خلال الفقرات التالية:

ـ تحديد الموضوع وتعريف المفهوم،

ـ الموطن واللغة كمكوّنين رُكنييْن لهوية للشعوب،

ـ مستتبعات التصور الترابي للهوية،

ـ الهوية والجنسية،

ـ الدارجة كلغة ثانية للهوية بشمال إفريقيا،

ـ لماذا نرفض أن يكون المغرب غير عربي؟

ـ التعريب والهوية في المغرب،

ـ الهوية في الدستور المغربي،

ـ المصالحة الحقيقية مع الأمازيغية.

تحديد الموضوع وتعريف المفهوم:

يجدر توضيح أن هذه المناقشة، بخصوص الهوية، لا علاقة لها بالجانب الفلسفي ولا السيكولوجي ولا الشخصي ولا العرقي ولا الأنتربولوجي ولا الثقافي لمفهوم الهوية، علما أن هذه الجوانب تشكّل بالفعل موضوعا لإشكالية الهوية. هذه المناقشة ستنصبّ حصرا على هوية الأمم والشعوب والدول التي تمثّلها عند الاقتضاء، بصفتها هوية جماعية مشتركة، أو ما نسمّيه في إطار دولة قائمة بالهوية الوطنية. ولكونها هوية جماعية فهي مستقلة عن الهويات الفردية للسكان الذين تتشكّل منهم هذه الشعوب والأمم والدول. وذلك لأن الهوية الجماعية لشعب ما ليست مجموع الهويات الفردية للأشخاص المنتمين لهذا الشعب، وخصوصا أن الشخص بإمكانه دائما أن يدّعي لنفسه الانتماء الهوياتي الذي يراه الأنسب له حسب تنشئته وتكوينه وقناعاته ومصالحه…

ما هي هذه الهوية الجماعية للشعوب؟ ما هي عناصر تعريفها؟

يمكن القول بأن الهوية الجماعية لشعب ما تتجلّى في انسجام هذا الشعب مع خصوصيته التي تجعل منه، أولا، ما هو عليه، وتُميّزه، ثانيا، عن كل الشعوب الأخرى. ومن هنا نستطيع تعريف الهوية الجماعية ـ والهوية بصفة عامة كذلك ـ بأنها تعني الخصوصية والتميّز: الخصوصية التي هي عنصر ذاتي Intrinsèque، والتميّز ـ الملازم للخصوصية كوجه ثانٍ لها ـ الذي هو عنصر خارجي Extrinsèque لأنه لا يبرز ولا يُدرك إلا  بالعلاقة مع شعوب أخرى. وهكذا مثلا، تتحدد هوية الشعب الصيني بخصوصيته الذاتية التي تجعل منه شعبا صينيا، والتي تميّزه، خارجيا، عن باقي شعوب الأرض (مزيد من التفاصيل حول مفهوم “الهوية” بموضوع “إشكالية الهوية” ضمن كتابنا “في الهوية الأمازيغية للمغرب” المتوفر على الرابط: http://tawiza.byethost10.com/identite.pdf).

الموطن واللغة كمكوّنين رُكنييْن لهوية للشعوب:

إذا كانت الهوية تعني الخصوصية والتميّز، فما الذي يعطي للشعوب هذه الخصوصية وهذا التميز؟ أي ما الذي يعطيها هويتها؟ بعبارة أخرى: ما هي محدّدات ومكوّنات هويات الشعوب؟

إذا قمنا باستقراء حالات الشعوب المختلفة لمعرفة ما الذي يجعل كل واحد منها فريدا في خصوصيته التي يتميز بها عن باقي الشعوب الأخرى، فسنخلص إلى حقيقة أن الموطن الجغرافي للشعب المعني ولغته هما المحدّدان لخصوصيته، ذاتيا، ولتميّزه، خارجيا، عن الشعوب الأخرى. وهذا ما يجعل من الموطن واللغة المكوّنيْن الموضوعيّين الركْنييْن لهوية الشعوب. والمقصود باللغة ليس أية لغة قد يستعملها الشعب لأسباب ثقافية أو دينية أو اقتصادية، بل المقصود لغة موطنه التي نشأت تاريخيا بذلك الموطن بصفتها لغة خاصة بذلك الشعب. ولا يهمّ بعد ذلك أن هذا الشعب سيتعلم وسيستعمل لغات لشعوب أخرى، أو أن لغته هو ستتعلمها وستستعملها شعوب أخرى. وإنما المهمّ أن لغته تابعة له ولموطنه، تاريخا ونشأة وحتى اسما (لغة عربية، صينية، يابانية، أمازيغية، فرنسية…).

الموطن، كمصدر لهوية الشعوب، يثير طبعا عدة أسئلة، مثل السؤال المتعلق بمآل هوية شعب غزا موطنَه شعب آخر ذو هوية أخرى مختلفة. الأجوبة مختلفة حسب الحالات: فهناك الحالة التي يستولي فيها الشعب “س” على أرض الشعب “ش”، وبصفة دائمة ونهائية لن يعود معها الشعب الثاني ينازع الشعب الأول في حقه على تلك الأرض. وينتج عن ذلك أن هذه الأرض تصبح جزءا من أرض الشعب الأول، وامتدادا، بالتالي، لهويته النابعة من أرضه الأصلية. وكمثال على هذه الحالة ما حصل لجزء من البلاد الرومانية البيزنطية (بما فيها أجزاء من الأراضي البلقانية) بعد أن استولى عليها العثمانيون في القرن الخامس عشر، لتصبح منذ ذلك التاريخ، وبصفة نهائية ودائمة، أرضا تركية ذات هوية تركية لا ينازع في ذلك أحدٌ. وهناك حالة ما حصل، كمثال، للشعوب الأصلية لأستراليا ونيوزيلاندا وأمريكا (الولايات المتحدة)، حيث اختفت ـ تقريبا ـ الهوية الأصلية للسكان وبرزت مكانها الهوية الأسترالية والنيوزيلاندية والأميركية، ذات الأصل الأوروبي. لكن هذه الهويات تشكّلت كهويات قائمة بذاتها تستمدّ انتماءها من موطنها الجديد، الذي هو أستراليا ونيوزيلاندا وأمريكا، وليس من البلدان الأوروبية التي انطلق منها مستوطنو الأراضي الجديدة. أما ما عدا هذه الحالات، فإن الاستعمار المؤقت، ولو دام قرونا كما في استعمار المسلمين للأندلس أو العثمانيين للشرق الأوسط أو الإسبان لأمريكا الجنوبية أو استعمار العرب لشمال إفريقيا الذي عرف نهايته مع معركة الأشراف في741 ميلادية، لن يغيّر كثيرا من الهوية الأصلية للشعب الأصلي صاحب الأرض الأصلية، حتى وإن كان تأثيره قويا في ما يخص الدين والثقافة واللغة.

ويثير، كذلك، ربطُ هوية الشعوب بموطنها سؤالَ الموطن الجغرافي الأصلي الأول المفترض للشعب المعني قبل أن يستقر بموطنه المعروف. في الحقيقة، هذا السؤال هو خارج الموضوع ولا معنى له عندما يتعلق الأمر بالشعوب. هو ذو معنى فقط عندما يتعلق الأمر بالأفراد لمعرفة موطنهم الجغرافي الأول، المفترض أنهم هاجروا منه قبل الاستقرار بموطنهم الأخير. لنعط أمثلة قصد التوضيح: إذا عرفنا أن الموطن الذي تشكّل فيه الشعب العربي بهويته العربية هو شبه الجزيرة العربية، فإن كل تساؤل حول الموطن الجغرافي الأول الذي يكون الشعب العربي قد عاش فيه قبل أن يستقر بموطنه المعروف، هو تساؤل بلا معنى. لماذا؟ لأنه لم يثبت أن وجد في التاريخ شعب عربي قبل الشعب العربي للجزيرة العربية. نفس الشيء بخصوص الشعب الأمازيغي بموطنه بشمال إفريقيا، والذي صيغت فرضيات شبه خرافية لإرجاعه إلى أصول جغرافية خارج موطنه الشمال الأفريقي، مع أنه لم يثبت أن وجد شعب أمازيغي في التاريخ قبل الشعب الأمازيغي لشمال إفريقيا. وليس لأنه من الصعب في الغالب تحديد الأصل الجغرافي الأول المفترض لشعب ما، فلذلك نتجنّب السؤال عن هذا الأصل الأول. فمثلا، نعرف اليوم الأصل الجغرافي الأوروبي لغالبية الشعب الأمريكي للولايات المتحدة. ومع ذلك فإن السؤال عن الأصل الأول للشعب الأمريكي سؤال غير ذي موضوع، لأنه لم يوجد في التاريخ أي شعب أمريكي بهوية أمريكية قبل الشعب الأمريكي المعروف، والذي يستمد هويته من انتمائه الترابي إلى الأرض الأمريكية للولايات المتحدة، وليس من أصوله الجغرافية الأوربية.

مستتبعات التصور الترابي للهوية:

يستتبع هذا التصورُ الترابي للهوية الجماعية للشعوب، مجموعةً من النتائج نلخّصها في ثلاث:

1 ـ غياب الدين كمكوّن للهوية الجماعية، ما دام لا يشكّل خصوصية ينفرد بها عن باقي الشعوب الأخرى الشعبُ الذي يمارس هذا الدين. فالإسلام مثلا ـ وكذلك المسيحية ـ ليس خاصا بالشعب المغربي حتى نقول، كما هو شائع ومنصوص عليه في الدستور، إن هوية المغرب إسلامية مثل الموطن واللغة، بل الإسلام مشترك بين العديد من الشعوب ذات هويات مختلفة، تركية وفارسية وإندونيسية وأفغانية وكردية… نعم يمكن النظر إلى الديانة اليهودية كمكوّن هوياتي لليهود، إذا اعتبرنا هذه الديانة، بحكم غيابها لدى الشعوب الأخرى، خاصة بالشعب اليهودي، وتشكل بالتالي خصوصية ينفرد بها عن باقي الشعوب الأخرى.

2 ـ غياب العرق، كذلك، كمكوّن للهوية الجماعية، لأنه لا يوجد صفاء عرقي يحافظ على صفائه عبر قرون طويلة، ليعطي في الأخير هوية عرقية صافية لشعب من الشعوب. فالأعراق بطبيعتها متنوعة ومتعددة الأصول بسبب اختلاط الأنساب المرتبط بالهجرة والتنقّل، والغزو والاستعمار، وهو ما ينتفي معه وجود هوية عرقية خالصة.

3 ـ بما أن الهوية الجماعية لشعب ما ليست عرقية، فإنها ليست، نتيجة لذلك، وعكس ما هو شائع، مجزأة ومتعددة ومتنوعة مثل الأصول العرقية التي هي أصلا متنوعة، كما أشرت، بل هي واحدة تبعا لوحدة الموطن الذي هو المصدر الأول لهذه الهوية الجماعية. فالتعدد يكون إذن في الأعراق واللغات والثقافات والأديان، وليس في الهوية الجماعية، التي هي دائما واحدة.

لكن إذا كانت الهوية الجماعية، بالمفرد، لا يمكن أن تكون متعددة، لأن ذلك يتعارض مع وحدة موطنها، فإن وجود هويات جماعية، بالجمع، متعددة داخل دولة واحدة، هو شيء ممكن ومعروف، لكن كهويات مستقلة وقائمة بذاتها، وذات حدود ترابية ولسنية (الموطن واللغة)، كما في إسبانيا وبلجيكا وسويسرا مثلا. ولهذا فلا توجد في المغرب، على سبيل المثال، هويتان، أمازيغية وعربية، حسب الاعتقاد الشائع، لأنه لا يوجد بهذا البلد موطن خاص بالشعب العربي وآخر خاص بالشعب الأمازيغي كما في الدول ذات الهويات المتعددة.

الهوية والجنسية:

هذه الحالة من وجود أكثر من هوية واحدة وأكثر من شعب واحد داخل الدولة الوطنية الواحدة، يطرح مسألة طبيعة العلاقة بين الهوية والجنسية، اللتين قد تبدوان متطابقتين في بعض الحالات رغم أنهما مفهومان مختلفان. وتجاهل الاختلافات التي تفرّق بينهما هو مصدر للفهم غير السليم لموضوع الهوية الجماعية للشعوب. فما هو الفرق بين المفهومين؟

1 ـ في الحالة المشار إليها لإسبانيا وسويسرا وبلجيكا حيث توجد جنسية واحدة، متمثّلة في دولة واحدة، تضمّ، لأسباب تاريخية وسياسية، أكثر من هوية واحدة وأكثر من شعب واحد، نلاحظ أن جنسية الدولة هي نفسها هويتها الوطنية، لأن الدولة، في مثل هذه الحالات، ليست لها هوية خاصة بها مختلفة عن جنسيتها. هكذا مثلا نجد أن هوية دولة بلجيكا هي جنسيتها البلجيكية، لأن الدولة ليست فلامانية  Flamand ولا فالونية Wallon في هويتها، كما هما الشعبان، الفلاماني والفالوني، المشكّلان لها. الدولة بلجيكية فقط، تبعا لجنسيتها البلجيكية، عكس شعبيها الفلاماني والفالوني المشترِكين في نفس الجنسية البلجيكية، ولكن لكل واحد منهما هويته المستقلة والمختلفة عن هذه الجنسية البلجيكية.

2 ـ لكن عكس هذه الحالة من الجنسية الواحدة، التي تضم أكثر من هوية واحدة، هناك حالة الهوية الواحدة التي قد تضم، لأسباب سياسية وتاريخية أيضا، أكثر من جنسية واحدة، أي أكثر من دولة واحدة، مثل الهوية العربية التي تشمل عدة دول عربية بجنسيات مختلفة، كويتية وسعودية وإماراتية وقطرية…، ولكن بهوية عربية واحدة. وفي ما يخص كل دولة عربية على حدة، فإن هويتها العربية تأخذ شكلا وطنيا لتصبح هوية وطنية، كويتية وسعودية وإماراتية وقطرية…، والتي هي دائما جزء من الهوية العربية المشتركة لجميع الدول العربية. وكذلك بالنسبة للشعب الأمازيغي لشمال إفريقيا، الذي يتوزّع إلى عدة دول بجنسيات مختلفة، مغربية وجزائرية وتونسية وليبية، ولكن بهوية شمال إفريقية واحدة، يُعبّر عنها، في شكلها المحلي الخاص بكل دولة، بالهوية الوطنية، المغربية والجزائرية والتونسية والليبية.

3 ـ وحتى في الحالة البسيطة، لشعب واحد بهوية واحدة ودولة واحدة وجنسية واحدة، واسم واحد يدل في نفس الوقت على الهوية والجنسية والدولة والشعب واللغة والموطن، كما بالنسبة للصين أو البرتغال أو اليابان مثلا، فإن الهوية، رغم ذلك، لا تعني الجنسية ولا تتطابق معها. فالجنسية هي رابطة قانونية بين دولة وأفراد ينتمون إليها بصفتهم مواطنين. تتجلى وتُمارس إذن الجنسية على مستوى المواطنة كانتماء إلى الدولة. أما الهوية فهي رابطة ترابية ـ وليست قانونية ـ بين شعب وأرض ـ وليس بين أفراد ودولة ـ بصفتها الموطن القار والدائم لهذا الشعب. تتجلى وتُمارس إذن الهوية على مستوى الانتماء إلى الموطن قبل الانتماء إلى الدولة.

4 ـ ولهذا فإن هوية الشعوب، التي تحدّدها مواطنها ولغاتها، سابقة تاريخيا عن وجود الدول، وبالتالي سابقة عن الجنسية.

5 ـ يمكن للشخص، خلال حياته، أن يغيّر جنسيته ويكتسب أخرى. لكن لا يمكنه أن يغيّر هويته أو يكتسب هوية أخرى. لنأخذ، قصد التوضيح، مثال عامل مغاربي، ذي هوية شمال إفريقية أو أمازيغية، استقر بفرنسا بصفة نهائية هو وأسرته منذ ثمانينيات القرن الماضي، عندما حصل هناك على عمل. لقد اكتسب اليوم، هو وجميع أفراد أسرته، الجنسية الفرنسية، وأصبح بذلك، قانونيا، مواطنا فرنسيا. لكن هويته ليست بعدُ فرنسية، بل هي دائما مغاربية. فقط حفدته، من الجيل الثالث فما فوق، سيكونون حقا فرنسيين في انتمائهم الهوياتي، لأنهم سيكونون حقا أبناء الأرض الفرنسية، وأصحاب أصول ترابية ولسنية فرنسية. وهو ما يعني أن الهوية الجماعية الفرنسية تكون قد استوعبتهم بعد أن يكونوا قد ذابوا فيها وأصبحوا جزءا منها. ولهذا فإن هذا الاستيعاب Assimilation شرط للانتماء إلى هوية جماعية لم تكن هي هوية الآباء والأجداد الأقربين، عكس الحصول على جنسية جديدة، والذي من شروطه الاندماج Intégration فقط وليس بالضرورة الاستيعاب.

الدارجة كلغة ثانية للهوية بشمال إفريقيا:

لنحاول الآن تطبيق المبادئ النظرية التي عرضناها، بخصوص مفهوم الهوية الجماعية للشعوب، على حالة المغرب، لنتساءل عن طبيعية الهوية الجماعية للشعب المغربي وللدولة المغربية. فبالرجوع إلى المكوّنين الموضوعييْن الرئيسيين للهوية الجماعية، اللذيْن هما الموطن واللغة، نستنتج أن الهوية الجماعية للمغرب هي شمال إفريقية، أي أمازيغية، بموطنها وبلغتها الأمازيغية. إذا كان الأمر يبدو واضحا بالنسبة للموطن وللغة الموطن التي هي الأمازيغية، فإن الأمر ليس كلذ بالنسبة للغة الدارجة. فهل هي أيضا لغة الهوية، مثل الأمازيغية، أم أنها لغة وافدة، مثل اللغة العربية، وتعبّر عن هوية أجنبية وافدة.

إذا تأملنا حالة اللغة الدارجة، بعيدا عن البديهيات الكاذبة التي تقدّمها كلغة عروبية جاء بها العرب الذين وفدوا إلى شمال إفريقيا، فسنخلص إلى أنها لغة اكتسبت، هي أيضا، وضع لغة الهوية بصفتها نشأت بإفريقيا الشمالية ولم تأت إليها من خارجها، كما هو شائع عامّيا، استنادا فقط إلى معجمها الذي هو حقا ذو أصل عربي بنسبة قد تفوق أزيد من 70 في المائة. لكن اللغة ليست هي المعجم فحسب.

ولأن هذا الحيّز لا يسمح بعرض كل الأدلة التي تثبت أن الدارجة لغة أبدعها وأنتجها الأمازيغيون أنفسهم بموطنهم بشمال إفريقيا (انظر تفصيل ذلك في موضوع “متى يكتشف المغاربة لغتهم الدارجة؟” على الرابط: http://tawiza.byethost10.com/1tawiza-articles/arabe/darija.htm)، فسأكتفي بالقول بأنها نشأت من رغبتهم في تعلّم العربية والتحدث بها، اعتقادا منهم أن ذلك يقرّبهم أكثر من الإسلام ويجعل إيمانهم أتمّ وأصحّ. لكن بما أن العربية كانت قد فقدت وظيفة التخاطب الشفوي، أي التكلّم بها في التواصل اليومي، فقد اضطروا إلى تكلّم هذه العربية كما يتكلّمون لغتهم الأمازيغية، مستعملين تراكيبها ومعاني كلماتها، لكن بألفاظ عربية بدل ألفاظ أمازيغية. هكذا نشأت الدارجة كنسخة من التعابير الأمازيغية مترجمة حرفيا إلى العربية لتعويض التعابير العربية التي لم تعد مستعملة بسبب ما أشرت إليه من فقدان العربية لوظيفة التخاطب الشفوي. فالدارجة إذن لغة شمال إفريقية، أولا بأصلها الجغرافي الشمال إفريقي حيث نشأت وتشكّلت تاريخيا، وثانيا بتعابيرها ومعانيها اللغوية الأمازيغية، وثالثا بأصلها البشري، إذ أن الذين تحدثوا الدارجة للمرة الأولى هم أمازيغيون ترجموا حرفيا تعابير ومعاني لغتهم الأمازيغية إلى العربية. وحتى إذا سلّمنا أن الدارجة لغة عربية، فستكون عربية الأمازيغ وليس عربية العرب، تماما مثل اللغة الفرنسية التي هي لغة لاتينية، لكنها ليست لاتينية شعب “لاسيوم” Latium، أي تلك المنطقة التي ظهرت بها اللغة اللاتينية بإيطاليا، وإنما هي “لاتينية” الفرنسيين لذين ابتكروها وتكلموها واستعملوها بفرنسا، موطن نشأتها وميلادها. المتحدثون بالدارجة هم إذن أمازيغيون يتحدثون اللغة التي أبدعها ونقلها إليهم أجدادهم الأمازيغ.

لماذا نرفض أن يكون المغرب غير عربي:

(يٌتبع)

*هذا الموضوع مداخلة شارك بها الكاتب في ندوة “حوار الثقافات وأسئلة الهوية”، التي نظّمها “مركز الذاكرة المشتركة من أجل الديمقراطية والسلم” بمكناس، يومي 26 و27 يناير 2018، بمناسبة الاحتفاء بالسنة الأمازيغية 2968.

Show More

مقالات مرتبطة

Close