أخبار الثقافة والفن

التجريب في رواية “تيغالين ” لياسين كني  

بقلم: الكبير الداديسي

الكبير الداديسي

دعما لكتابات الشباب وبعد قراءات سابقة في الأعمال الأولى لكتاب عرب في الشعر والرواية نقدم اليوم للقارئ باكورة روائي مغربي ناشئ  هي رواية “تغالين حلم العودة ” للكاتب  ياسين كني من آسفي وهي رواية صادرة  في طبعتها الأولى عن المكتبة العربية للنشر والتوزيع  بجمهورية مصر سنة 2017 في  205 صفحة من الحجم المتوسط…الرواية تقدم عالمين مختلفين من حيث الزمن والمحتوى ينتهيان نهايات مأساوية:

أولا: العالم الأول عالم “هنا” الحاضر يمتد إلى الصفحة 115 :وفيه تتفاعل عدة شخصيات كثيرة أهمها  ثلاثة من رجال التعليم حديثي العهد بالتدريس يحكي حياتهم سارد (عثمان) بضمير الشخص الثالث هذه الشخصيات:

1 – البطل رشيد : ابن مدينة آسفي ينحدر من أسرة فقيرة جدا…  والداه منفصلان، أب متزوج بزوجة متسلطة يعيش بين الخمر والجمر، أم تعيش عطالة مقنعة ببيع أكياس البلاستيك وأخوة أعجزتهم قسوة الحياة في تأمين لقمة العيش فتفرقوا في الأرض يسترزقون… درس بالمدينة والتحق بمركز تكوين المعلمين. وتم تعيينه بعيدا عن مسقط رأسه بحوالي 1000 كليومتر وهو الذي لم يسبق له أن غادر مدينته، مما جعله لا يحصل على تذكرة السفر إلا بتضامن العائلة والجيران في جمع ثمنها… وبينما هو في القطار يتذكر تفاصيل حياته القاسية، ويصف ظروف السفر وما كابده قبل الوصول إلى مدينة الحسيمة التي سيشتغل بإحدى الفرعيات التعليمية التابعة لمديريتها الإقليمية، ويقتنص بعض الوقت لكتابة رواية…

2 – مريمة : معلمة من مدينة فاس كان تعيينها بمدرسة الأمل في أحد الدواوير النائية ضمن الدائرة الترابية لمدينة تارودانت لم تصل صحبة والدها إلا بصعوبة بعد أن امتطت كل ما يركب من حافلة سيارة، عربة ودواب… لتعيش حالة من الرعب – بعد أن غادرها والدها- جراء توصلها برسائل مجهولة المصدر وصور لمعلمين اشتغلوا بهذه المدرسة وانتحروا:سماع أصوات غريبة،  وأصوات أقدام تتحرك داخل المنزل الذي تقطنه قبل أن تعيش ليلة ليست كالليالي عندما استفاقت  على حفلات كناوية داخل المنزل، والنيران مشتعلة بالسرير والأثاث، لم تتحمل رؤية ما يقع أمامها، فهرعت هاربة من المنزل ليلا لتسقط مغمى عليها ولم تفتح عينيها إلا وهي بالمركز الصحي لمنطقة “أولوز” تحكي لرجال الدرك ما عاشته دون أن يصدقها أحد … خاصة بعد زيارة رجال الدرك صحبة أبيها للمسكن ووجوده عاديا لا أثر فيه لأي شيء مما وصفته مريمة … لكن البحث والتحري بين فيما بعد وقوف الفقيه وراء ما يقع لكل معلم تم تعيينه بهذه المنطقة حتى لا يأخذ منه التلاميذ في الكتاب إلى المدرسة… هذه المأساة كانت سببا في انتقال مريمة من تارودانت إلى الحسيمة لتجد نفسها في نفس المدرسة التي يدرّس بها رشيد، تدخل مريمة في علاقات مشبوهة مع تجار ومهربي المخدرات، ومع ذلك أغرم بها رشيد و فتنته بجمالها . فغدت تستغله في أن يقوم بواجباتها بدلا عنها… ولمكافأته اصطحبته معها إلى أحد الفنادق الراقية بالدار البيضاء وهو متردد في معاشرتها لكن الظروف اختارت أن تضع حدا لحياة مريمة في انفجار عنيف هز باحة الفندق خلال أحداث 16 ماي الإرهابية التي شهدتها مدينة الدار البيضاء سنة 2003.

3 – حنان: ابنة مدينة أسفي خريجة مركز تكوين المعلمين ، التحقت وحيدة بمقر تعيينها نواحي مدينة بنجرير تاركة والدتها  أسيرة  ثوب الحداد على وفاة زوجها، لتجد خالها ينتظرها ويساعدها للوصول إلى المؤسسة التربوية التي تعينت بها، وينتهي بها المقام في منزل تتوفر فيه كل مستلزمات الحياة العصرية، هدية من أحد العمال المغاربة بالخارج معتقدة أن الحياة تبتسم لها، لكنها تفاجأ ذات ليلة بشخص يتسلل إلى المنزل ليلا بعد أن قطع الكهرباء عن البيت … يغتصبها بوحشية … وستكتشف فيما بعد أنه ابن الرجل الذي قدم لها البيت هدية لتسكن فيه…

بعد مصرع مريمة وعودة رشيد للعمل بضواحي مدينة آسفي يعرف بقصة اغتصاب حنان، يتعاطف معها ويتزوجها بعد صراع داخلي انتهى بتغليب العقل، تكتشف حنان أنه كان يكتب رواية حول أسطورة” تيغالين”، وقد كان السارد بين تفاصيل حياة هذه الشخصيات الثلاث يعود من حين آخر ليصور التفاعلات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي تعيشها شخصيات الحي الذي تسكن فيه عائلة رشيد نابشا في التاريخ والثقافة المحلية والوطنية…. لتنهي حياة رشيد مشلولا على كرسي متحرك بعد إصابته في حادثة سير وهو في طريقه القهرية للعمل….

ثانيا: العالم  الثاني عالم “ال هناك” الماضي وعنوانه رواية” تيغالين” : يدعي السارد أن ينشرها كما وجدها وسط أوراق رواية رشيد، وهي رواية تمتح من حكايات وأساطير حول مملكة” تيغالين” التي يقال أنها كانت قرب مدينة آسفي وأن آثرها لازالت غارقة بالبحر: تصور هذه الرواية كيف كان سكان ” تيغالين ” يعيشون على الصيد والفلاحة مرتبطين بالبحر حكامهم  آلهة أو أنصاف آلهة مموها القارئ أنه ينهل معارفه حول هذه المملكة من مصادر تاريخية قديمة…

يعرف السارد مملكة” تيغالين” بأنها مملكة مكونة (من عدة محافظات مجاورة للبحر ومنها جزر تتوسطها أرض” تيغالين ” عاصمتها ومقام الملك)  ص 132 . ومن تم  “فتيغالين” هي (عاصمة المملكة التي تحمل الاسم نفسه وهي مقام الملك وأرض الآلهة ) ص 127 وضعتها الآلهة (وسط البحر… تعتبر الأكثر تحصينا…لا يربطها باليابسة إلا قنطرة واحدة) ص 128  (وضع لها الآلهة سبعة حواجز كلما هم أحد باقتحامها إلا وحلت عليه اللعنة، وانتشرت به وبنسله الأمراض والأسقام … الأسوار السبعة هي أسوار غير مرئية وضعتها الآلهة أول سور “خيرة” المكون من التراب وآخرها سور “رالود” المكون من عنصر الماء) ص128.

تبتدئ الرواية وقد آل الحكم للملك “ميكاحيب رع” الذي عين “امسناو” – بعد تعليمه في مختلف العلوم بمملكة فينيق- راهبا لمعبد الإله “رالود” المعادل “لبوصيدون”…  تحت شعار “الكذب محرم بيننا ومباح مع غيرنا”حكم الملك بيد من حديد أمام المؤامرات التي تحاك ضده داخليا وخارجيا:

 داخليا: كان الصراع محتدما حول من يكون ولي العهد بين الزوجة “ماتيا” التي تخطط لتولية ولدها “أغلاس” بمساعدة الراهب “أمساو”، والزوجة “زوليخة” التي تسعى لتولية ولدها “أمغار” بمساعدة الراهب”أكنار” إضافة إلى التحركات الذي كان يقوم بها “ريما” الذي يدعي أنه أخ الملك”ميكاحيب رع” من جهة الأب، وأن له نصيبا في الحكم، ناهيك عن نشاط قطاع الطرق، وتمرد السكان على  القبضة الحديدية للحاكم…

أما خارجيا: فقد كانت المماليك تتكالب على ” تيغالين” وتفكر في إخضاعها لحكمها خاصة مملكة “فينيق” التي كانت لها عيون داخل قصر تيغالين تسخرها لمتابعة كل ما يقع بالمملكة…

جاهد “ميكاحيب رع” في الدفاع عن مملكته بكل السبل. لكن في الأخير أحكم الأعداء الرقاب حول رقبته، فقد خططت زوليخة مع ريما للتخلص من الملك وولي عهده الجديد ابن غريمتها “ماتيا” أثناء خروجهما في رحلة صيد وأرسلت بعض الجنود بعد ذلك  متظاهرة بحماية الملك وقتل “ريما” ليموت سره معه، بعد فشلها في تسميم الملك. كما تزايد الضغط الخارجي وقررت  مملكة “فينيق” إخضاع مملكة “تيغالين” لحكمها بعد اقتناعها بأن الملك”ميكاحيب رع” لم يعد قادرا على ضمان حكم مملكته أمام كثرة الأخبار عن حركات التمرد والانقلابات…

لم يجد ملك “تيغالين” – أمام  تقدم جنود قطاع الطرق والمتمردين برا، وعظمة جيش” فينيق” القادم من البحر – سوى الاستنجاد بالإله “رالود” الذي حرك أمواج البحر وأغرق مملكة” تيغالين ” في أعماقه .ولما وصل جنود “فينيق” لم يجدوا إلا دمارا بين أيديهم وجثثا بالآلاف على شاطئ “أسفو”  لتنتهي الرواية بغرق المملكة، وقد تخللت أحداثها علاقة عاطفية بين الشاب “ماسين” الرافض لاستبداد الملك والملتحق بالمتمردين وقطاع الطرق يؤطرهم للهجوم على المملكة، ومحبوبته “تليلا” التي اختارها المالك لتكون إحدى جواريه ورفضها الخضوع لشهواته وتمكنها من الهرب بمساعدة إحدى زوجاته…

  قارئ رواية “تيغالين حلم العودة” إذن يجد نفسها أمام رواية تجريبية سعى الكاتب من خلالها إلى تقديم نص مختلف يقول السارد 🙁 لا أريد أن أقلد أحدا، أريد أن أحصل على رواية مختلفة، جديدة بمعنى الجدة ) من حيث الشكل والمحتوى، لذلك جاءت رواية “تيغالين” بلغة نافرة متمردة على قواعد الكتابة الكلاسيكية  التي أسقطت الرواية العربية  – حسب السارد – في النمطية يقول:

 ( شخصيا لم أصادف رواية تحمل جديدا منذ وقت طويل)  فعن وعي مسبق اختار السارد لغة تقريرية مفتقرة للشاعرية لاقتناعه أن الإسهاب في الوصف واللغة الشعرية تحمل نظرة خاصة للأشياء وهو المقتنع أنه: ( ليس من حق أي كاتب أن يسهب في الوصف ويعطي التفاصيل الذوقية غير المتفق عليها من لدن الجميع) متسائلا: (متى أصبحت الروايات ملاذا للوصف والتفاصيل تاركة طرح التساؤلات والإشكالات)  لذلك يصرح السارد أنه حصل على رواية” تيغالين ” من حنان زوجة رشيد وقام بحذف المقاطع الوصفية لأنها (لم تكن تتوافق مع مشروع رؤيتي للرواية ) ص118 ، كما حذف المقاطع الجنسية رافضا جعل الكتابة الروائية ميدانا للعبارات والأحداث الجنسية منتقدا الروائيين الذي يعتقدون (أن الجنس هو مفتاح النجاح)  (لن أتحدث عن العادة السرية وعن التبان الوردي وعن الواقي الذكري وعن كم المصطلحات المهيجة للقارئ … أريدها رواية بطعم العلقم المر الذي ينهض القارئ مستعجلا من أنس القراءة إلى وهج الواقع) ص 119

ومن تمة إن رواية “تيغالين” تقدم نفسها كعمل تجريبي لتغني القارئ عن الغوص في إشكالية التجنيس، ولعل من مظاهر هذه التجربة فيها  جرأة السارد في تنويع الأساليب الفنية تعبيرا عن بعد إيديولوجي واضح عبر عنه في مختلف فصول الرواية بنقد السلطة والفهم الخاطئ للدين، من خلال التمسك بالواقع والاستلهام من الذاكرة الجمعية والتراث المحلي، مما جعل الأحداث، الشخصيات، الزمان والمكان ومختلف مكونات العمل الروائي  ينبعث من ذاكرة السارد عبر تقنية الفلاش باك والومضات السريعة التي تنتهي بموت الأبطال في محاولة للخروج بالرواية من النمطية والنمذجة والقالب الواحد الجاهز سلفا القائم على التسلسل الزمني والتصور الخطي التصاعدي للأحداث إلى نهاية معروفة سلفا لدى القارئ، وهذا ما يجعل الرواية التجريبية أكثر قدرة على نقد نفسها، لذلك لا غرو إن وجدنا في “تيغالين” مقاطع في نقد الرواية وتوجيه مسار أحداثها، ووضع معايير للكتابة الروائية (تمت الإشارة إلى بعضها في ما سبق ) باستخدام المونولوج طريقة للتخفيف من هيمنة السارد العارف بكل شيء (omniscient)  والموجود في كل مكان (omniprésent) والمتحكم في رقاب شخصياته يحركها كالدمى،  وتقليص مساحات الوصف بالانتقال السريع بين لحظة الآن

وال “هنا ” إلى لحظة الماضي البعيد وال هناك ، وجعل الرواية قائمة على التناص تستحضر نصوصا غائبة، تحيل القارئ على حقول معرفية متنوعة خاصة الأسطورة والدين…

صحيح أن رواية “تيغالين” تنفتح على عدد من القضايا الاجتماعية والسياسية، وتضارب مصالح واهتمامات التحالف الطبقي المسيطر مع اهتمامات  الفقراء والمثقفين … لكن الرواية ظلت في حدود النقد والانتقاد تكتفي برصد بعض الظواهر السلبية دون أن تتمكن من اقتراح بدائل وانتصار البطل الإشكالي على واقعه، فقد اختارت الرواية الطريق الأسهل هو التخلص من الأبطال سواء في عالم الآن ال “هنا” تدريجيا بين السجن، الهجرة السرية، القتل السردي بالموت أو التفجير الهروب أو الجنون … أو في عالم الماضي ال “هناك”  بالتخلص النهائي من المملكة برمتها  وإغراقها في قاع البحر بطريقة غير منطقية مع تطور الأحداث يتأسطر فيها المكان لينتقم لنفسه بعد  عجز البشر عن الدفاع عنه…

أما من حيث السرد  والرؤية السردية فالرواية تحكى بضمير الشخص الثالث والسارد متحكم في الشخصيات يعرف تاريخها ومستقبلها يقتل من يريد ويترك حيا من يريد وفق رؤيته للعالم، معرفته بالشخصيات أكبر من معرفتها بنفسها، يدخل معها لغرف نومها يصف اغتصاب من اغتصب،  وما يدور في عقل المثقف والمجنون والكسيح…. لكنه هذا السارد اختار التمرد على نمطية  تسلسل السرد  الكلاسيكي الخطي بعناوين فرعية للمشاهد الروائية(38 عنوانا)  وتعدد الرواة  لدرجة قد يجد القارئ نفسه تائها بين صوت السارد عثمان ، صوت البطل رشيد وصوت الكاتب الذي كان حضوره قويا في ثنايا الرواية لتمرير أفكاره…  ناهيك  عن تداخل الأحداث بالانتقال السريع من مكان لآخر ومن شخصية لأخرى بين فقرة أخرى دون وجود مؤشرات دالة على هذا الانتقال مما يخلق ارتباكا للقارئ البسيط يصعب عليه معه إيجاد الخيط الرابط بين مكونات المتن المحكي، كما تميزت الرواية بخاصية سينوغرافية جعلت من الحوار في الرواية حوارا مسرحيا بامتياز، اختار فيه السارد كتابة المؤشرات المرتبطة بالحركة، الصوت الملامح والانفعالات… بين قوسين. وكان ذلك عامل إضعاف للحوار الروائي.

 وكمعظم الروايات التجريبية سقطت رواية “تيغالين  حلم العودة” في أزمة النهاية إذ استعصى على السارد إيجاد نهاية توحد العالمين ال”هنا/ ال “هناك . ذلك أن الرواية تنتهي بغرق مملكة ” تيغالين” ليجد السارد نفسه مجبرا على إضافة  فصل أخير بعنوان (عودة لرواية عثمان / الصوت العميق) يبين فيه حنان وهي تدفع زوجها رشيد الكسيح على كرسي متحرك وعلى حجره نسخة من رواية عثمان – الذي أصبح كاتبا مشهورا –  تحمل توقيعه وإهداءه دون إشارة لرشيد ،وإذا أضيفت هذه الملاحظات إلى الأخطاء اللغوية التي تضمنها النص يدرك القارئ أن رواية “تيغالين” رغم جرأة الطرح، وقوة المعالجة كانت تحتاج مزيدا من الوقت قبل طرحها للجمهور… لكن كونها باكورة كاتب فضل ولوج عالم السرد بالتجريب الذي يكون في العادة من المجرب الذي خبر وجرب كل الأنواع السردية الأخرى، ونجاحها في النبش في أقاصي أسطورة شعبية محلية وربطها بالمعيش اليومي وفق رؤية سردية واعية يشفع لها أي ثغرات…

كانت هذه بعض الملاحظات حول رواية “تيغالين حلم العودة”ياسين كني الهدف منها مساهمة النقد في تقويم الإبداع، تشجيع الطاقات الناشئة والتوجيه فلا خير في نقد لا يساهم في رسم طريق الإبداع  ويشجع عليه…

Show More

مقالات مرتبطة

Close